
من الفيلم الأميركي “مقيّد” الذي سيعرض في مهرجان لوكارنو (ملف الفيلم)
ملخص
إذا كان لمهرجان لوكارنو السينمائي “5 – 15 أغسطس (آب)” تقليد يميّزه عن سائر المهرجانات الكبرى، فهو أنه يتعامل مع تاريخ السينما كمادة قابلة للتأمل والنقاش. ولذلك تحظى الاستعادة السنوية في المهرجان بمكانة لا تقل أهمية عن مسابقاته، بل إن كثيرين من المهتمين الجادين بالسينما وعلاقتها بالسياسة والمجتمع، يقصدون المدينة السويسرية من أجلها.
في دورته الـ79 الحالية، وبعد استعادته العام الماضي السينما البريطانية ما بعد الحرب العالمية الثانية، اختار المنظمون في مهرجان لوكارنو، العودة إلى واحدة من أفظع الصفحات في تاريخ هوليوود، عبر برنامج استعادي يحمل عنوان “أحمر وأسود: يسار هوليوود والقائمة السوداء”، يضم نحو 50 فيلماً يعيد فتح ملف المكارثية. في ظل الأوضاع السياسية الحالية، تتحول هذه الاستعادة إلى مساءلة للراهن، خصوصاً في كل مرة تعرضت فيها حرية التعبير والفن إلى حملات تخوين وتشهير.
الاستعادة التي يشرف عليها الناقد والباحث الإيراني إحسان خوشبخت، وأُنجزت بالشراكة مع السينماتك السويسرية وبدعم من أرشيف جامعة كاليفورنيا ومعهد الفيلم البريطاني، تجمع أفلاماً من تلك الحقبة، في محاولة لإعادة تشكيل المناخ السياسي والثقافي الذي أنتجها. بهذه الخطوة، يواصل لوكارنو تقليداً دأب عليه في الأعوام الأخيرة، حيث تتحول الاستعادة إلى مشروع بحثي متكامل، يرافقه كتاب مرجعي يضم دراسات جديدة، وإلى جانبه، وللمرة الأولى، بودكاست يتناول خلفيات تلك الحقبة وسياقاتها السياسية والفنية.
يصعب فهم أهمية هذه الاستعادة من دون العودة إلى السنوات الممتدة بين 1947 و1960، حين اجتاحت الولايات المتحدة موجة من الهلع السياسي عُرفت بـ”الخوف الأحمر”. ففي ذروة الحرب الباردة، راحت أصوات اليمين الأميركي والمحافظين تتحدث عن اختراق شيوعي لهوليوود، وسرعان ما تحولت هذه المزاعم إلى جلسات استماع أمام لجنة الأنشطة غير الأميركية، وهي جلسات كانت أقرب إلى محاكمات سياسية منها إلى تحقيقات ذات طابع قانوني. لم يكن المطلوب من الفنانين الدفاع عن أفكارهم فحسب، وإنما تسمية زملائهم الذين يُشتبه بانتمائهم إلى اليسار. ومن رفض التعاون وجد نفسه خارج صناعة السينما، بعدما فرضت الاستوديوهات الشهيرة القائمة السوداء التي منعت مئات الفنانين من العمل.
300 كاتب ومخرج
أكثر من 300 كاتب ومخرج وممثل وعامل في مجال التقنيات دفعوا ثمناً باهظاً. بعضهم اضطر إلى الكتابة بأسماء مستعارة، وبعضهم هاجر إلى أوروبا أو المكسيك بحثاً عن فرصة جديدة، فيما انتهت حياة آخرين بالإفلاس أو المرض أو الانتحار. كانت القائمة السوداء منظومة كاملة الهدف منها إخضاع الخيال وتحويل السينما، التي طالما وُصفت بأنها “مصنع الأحلام”، إلى جسد يخضع للرقابة السياسية.
الاستعادة التي ينظمها لوكارنو تنظر إلى تلك المرحلة بعيون الضحايا ولكنها تقترح زاوية المقاومة أيضاً. فالعنوان نفسه، “الأحمر والأسود”، يشير إلى اللقاء بين الالتزام السياسي والخلق السينمائي، ليستعيد أعمال مخرجين وكتاب وممثلين مثل دوروثي باركر وأبراهام بولونسكي وريتشارد رايتجون وجون غارفيلد وجوزف لوزي ودالتون ترامبو و وتشارلي تشابلن، ممن واجهوا بأشكال مختلفة آلة القمع السياسي. بعض هؤلاء انتهت مسيرته داخل الولايات المتحدة، لكنهم أسهموا لاحقاً في تجديد السينما الأوروبية بعد المنفى.
من بين الأفلام التي يضيء البرنامج عليها: “السهم المكسور” لدلمر ديفز، الذي كتب سكريبته ألبرت مالتز، أحد أعضاء “عشرة هوليوود” الذين رفضوا التعاون مع لجنة التحقيق. والمفارقة أن اسم مالتز لم يظهر على الشارة بسبب وجوده على القائمة السوداء، رغم أن الفيلم نفسه يُعد من أوائل أفلام الوسترن التي قدمت السكان الأصليين بصورة إنسانية ومتقدمة مقارنة بالصور النمطية السائدة آنذاك. وبهذا تحرص الاستعادة على كشف الكيفية التي استطاعت فيها الأفكار التقدمية أن تجد طريقها إلى الشاشة، حتى في أكثر الظروف عدوانية لها.
اختيار استعادة كهذه في الوقت الراهن ليس مصادفة. فإحسان خوشبخت يؤكد أن الدافع الأول وراء المشروع لم يكن الرغبة في استعادة “الماضي من أجل الماضي”، بل محاولة فهم ذلك الإصرار الأخلاقي الذي دفع أشخاصاً كان بإمكانهم أن يعيشوا حياة مريحة إلى التضحية بكل شيء دفاعاً عن قناعاتهم. يتساءل، مثلاً، لماذا ترك السيناريست ألفاه بيسي حياته المستقرة ليقاتل مع الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية؟ ولماذا غادر جوزف لوزي أو ساي إندفيلد الولايات المتحدة في ذروة نجاحهما، بعيداً من عائلاتهما، ليبدآ حياة جديدة في بريطانيا أو إيطاليا أو المكسيك، وأحياناً من دون أن يسمح لهما باستخدام اسميهما الحقيقيين؟ بالنسبة إلى خوشبخت، فإن محاولة فهم هذا “الامتناع عن الوشاية بالآخرين” كانت نقطة الانطلاق لبناء البرنامج.
ورغم أن الاستعادة تغوص في الماضي، فإنها لا تخفي صلتها بالحاضر. فالقيم التي أتاحت تنظيمها تعجز عن اعتبارها برنامجاً عن الصراع التقليدي بين اليمين واليسار، بقدر ما تراها تأملاً في ما يحدث عندما تتحول وسائل الإعلام إلى أدوات للتشهير، وعندما يحل التحريض والخوف محل النقاش العقلاني. لذلك تبدو أفلام تلك المرحلة وكأنها تتحدث مباشرة إلى عالم اليوم، حيث تتكرر، وإن بأشكال مختلفة، محاولات إسكات الأصوات المخالفة ووصمها أخلاقياً أو سياسياً.
هذه القراءة تجعل من الاستعادة أكثر من مجرد احتفاء بالكلاسيكيات. فهي تقترح إعادة التفكير في العلاقة بين السلطة والثقافة، الفنان والدولة. كما تذكر بأن الرقابة ليست دائماً قراراً رسمياً، إذ قد تكون أيضاً نتاجاً لمناخ اجتماعي قائم على الخوف والاشتباه، وهو ما حدث في هوليوود عندما سارعت شركات الإنتاج نفسها إلى معاقبة الفنانين قبل صدور أي أحكام قضائية بحقهم.
تتبع أثر المنفى على لغة السينما هو ما تتيحه أيضاً هذه الاستعادة. ذلك أن المخرجين الذين اضطروا إلى مغادرة الولايات المتحدة، لم يواصلوا العمل بالطريقة نفسها، بل احتكوا بتقاليد سينمائية جديدة في أوروبا وأمريكا اللاتينية. ويرى خوشبخت أن هذا المنفى أفرز مزيجاً فريداً بين الحس الأميركي والدينامية السردية من جهة، والأساليب الأوروبية من جهة أخرى. ويضرب مثالاً بفيلم “غريب في المطاردة” لجوزف لوزي، الذي يمزج بين الواقعية الإيطالية الجديدة وسينما المطاردات الأميركية، كما يشير إلى التحولات التي عرفتها أفلام جول داسان بعد انتقاله إلى أوروبا، حيث أصبح أكثر جرأة في تناول الهواجس النفسية والجنسية. في المقابل، لم يتمكن آخرون من استعادة حضورهم الفني، فكان المنفى نهاية فعلية لمسيرتهم.
ولا تقل أهمية عن الأفلام نفسها الطريقة التي يقدم بها لوكارنو هذه الاستعادة. ففي وقت تخصص فيه مهرجانات عديدة أصغر القاعات للأفلام الكلاسيكية، يمنحها لوكارنو من أفضل المسارح لديه، صالة “غران ريكس”، في إشارة واضحة إلى أن تاريخ السينما ليس هامشاً. كما أن الاعتماد على نسخ أصلية 35 ملم، إلى جانب ترميمات رقمية حديثة، يمنح المشاهد فرصة نادرة لاكتشاف هذه الأعمال في أفضل ظروف ممكنة.