مرّت السينما العالمية بمراحل كثيرة حتى وصلت إلى عصرنا وهي محمّلة بكثير من الخبرات والتطوّر في عناصرها كافة، من الإخراج، إلى التصوير والإضاءة، والتمثيل، وغيرها من الأجزاء التي تتكامل مع بعضها لتقدّم للمشاهدين إبداعات بصرية؛ فتعيد إنتاجات الأفلام خلق روايات وأساطير وقصصًا مرّت في التاريخ، أو مرّت في خيال الكتّاب لتأخذ المتلقي في رحلة استكشاف بدأت مع الأخوين لوميار ولن تنتهي.
تتصدّر قصص “شيرلوك هولمز” أكثر الروايات التي تمّ اقتباسها ونقلها إلى السينما. وقد شهدت السينما العالمية عبر تاريخها مئات الأفلام التي اقتُبست من الأساطير، ولا سيما اليونانية منها، ولعلّ أشهرها اليوم حتى كتابة هذه السطور، فيلم “الأوديسة”، الذي ما زال يتصدّر شباك التذاكر السينمائية في كلّ دول العالم. وقد شاهدنا هذه التحفة الفنية التي مما لا شك فيه أنها أحيت القصة الأصلية لهوميروس بعد 3000 سنة على كتابتها. غير أنّ هذا النجاح تعدّى السينما ليصل إلى الكتب الأكثر مبيعًا، منها مختلف طبعات وترجمات “الأوديسة” في الولايات المتحدة الأميركية، كما في إنكلترا.
في الواقع، قيل كثير عن هذا الفيلم الملحمي الذي تبلغ مدة عرضه ثلاث ساعات تقريبًا.
وقد استضافت وسائل الإعلام الأجنبية مخرج الفيلم كريستوفر نولان شارحًا تفاصيل عمله، وكيفية اختياره الممثلين الرئيسيين للفيلم، بدءًا من الممثل مات ديمون (بدور الملك أوديسيوس)، والممثلة آن هاثاواي (بدور ملكة إيثاكا ــ زوجة أوديسيوس)، والممثل توم هولاند (بدور ابنه تيليماخوس)، وغيرهم… ويروي الفيلم، لمن لم يتسنَّ له المشاهدة، رحلة الملك التي دامت 10 سنوات، متحديًا الآلهة والسحر والعوامل الطبيعية، في سبيل العودة إلى مملكته، في المقابل، تعيش زوجته ضغوطًا، ويتعرّض ابنه إلى مكائد من داخل القصر للسيطرة على المملكة.
ناهيك عن الإخراج والتمثيل، كان من اللافت التصوير الرائع، مع استعمال المخرج في عمله بشكل كليّ تقنية IMAX التي تبرز نقاوة الصورة الطبيعية، مما يزيد من إبهار المتلقي. إضافة إلى العناصر الأخرى، كالموسيقى، والأزياء، والرموز المستخدمة في الفيلم، ومنها على سبيل المثال الكلب في سياق الوفاء لصاحبه، وغيرها من العوامل المنصهرة مع الفيلم.
يأتي الحديث عن فيلم “أوديسة”، في موضوعنا هذا، للإشارة إلى قدرة السينما الحديثة على استقطاب الجمهور، سواء كانوا من محبي الأساطير أم لا، بدليل جذب الشباب أو ما يُعرف بـ”جيل Z” إلى مشاهدة العرض. هذه الفئة العمرية التي ابتعدت عن الفن السابع منذ جائحة كورونا، وقد ساهم تطوّر الذكاء الاصطناعي والجلوس طويلًا أمام شاشات الهواتف الذكية في اتساع الهوة بينها وبين السينما، تقف اليوم في الصف (أو الطابور) لتبتاع تذكرة السينما، كما حصل في باريس في أول يوم عرض للفيلم المذكور.
فهل نحن أمام عودة الشغف للسينما؟ وبالتالي كيف تساهم هذه الصناعة في جذب الجمهور؟هذان السؤالان وغيرهما نطرحها على الناقد السينمائي والأستاذ الجامعي البروفيسور إميل شاهين في سياق هذا الحوار:
| لقطة من فيلم “أوديسة” للمخرج كريستوفر نولان |
(*) في رأيك، كيف ساهمت صناعة السينما في جذب الجمهور، خصوصًا وأنت من الشاهدين الأوائل في لبنان على هذا التطور؟
أتذكّر طفولتي في خمسينيات القرن الماضي، طفولة أمضيتها في دار “الأمبير” للسينما في طرابلس (شمال لبنان)، حيث كنت أشاهد كل يوم أفلامًا تفتح ذهني على هذا الشغف الذي رافقني طيلة حياتي. حينها، شعرنا بالخوف من اختراع التلفزيون، لأنه بدأ ينافس السينما في جذب الجمهور. فالسينما تخاف دائمًا من الاختراعات التي تواجهها، لكنها في تطوّر دائم، بدءًا من سينما سكوب، إلى اختراع الثلاثي الأبعاد، والسينما راما، ثم التطور في شاشتها، بالإضافة إلى التطوير في الصوت: مرة ستيريوفونيك، وأخرى تنقية الأصوات، وإلى آخره من اختراعات.
أمّا اليوم فمع اختراع الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، واليوتيوب، وغيرها، بقيت السينما تبحث عن اختراعات جديدة، من بينها تقنية IMAX، التي هي مهمة جدًا في تنقية الصورة. ولا شك في أنّ مشاهدة فيلم مثل “الأوديسة” على شاشة IMAX تزيد من روعته. في الخلاصة، هنالك أفلام لا يستطيع المرء مشاهدتها إلا في السينما.
(*) انطلاقًا من خبرتك الطويلة، كيف تقيّم فيلم “الأوديسة” الذي صُوّر بتقنية IMAX بدءًا من الإخراج، فالتمثيل والتصوير، وغيرها من العناصر؟
شاهدتُ الفيلم مع مجموعة من النقاد والخبراء في المجال السينمائي، لكن على شاشة سينما عادية، من دون تقنية IMAX، غير أنّ أصدقائي في الولايات المتحدة الأميركية الذين شاهدوا الفيلم بهذه التقنية دهشوا من روعة التجربة، فلا شك في أنها ميزة إضافية. أمّا من ناحية القصة فالفيلم انطلق من الأسطورة اليونانية وكتابة هوميروس للأوديسة، وتصوير الملك أوديسيوس (بالإغريقية، ومعناه أوليس باللاتينية) الذي انتصر في حرب طروادة ليس فقط لأنه البطل الخارق، بل أيضًا البطل المفكّر مخترعًا فكرة حصان طروادة. وتعود بي الذاكرة مع فيلم قديم بعنوان “أوليس” مثّل فيه كيرك دوغلاس، وهو فيلم رائع في حينه، إنما المتعة التي قدمها المخرج العظيم كريستوفر نولان في “الأوديسة” هي بلا شك لافتة للنظر. وأنصح المشاهد قبل أن يحضر الفيلم أن يقرأ قصة “الأوديسة”، أو يقرأ عنها، لما تحتويه من سحر وخرافات من ناحية، وليكون مستعدًا لتقدير اللعبة الإخراجية، خصوصًا في أثناء تقديم مشاهد قاسية.
أمّا من ناحية التمثيل، فوجدت أنّ مات ديمون دخل إلى دوره بطريقة جميلة جدًا، متقنًا العمل مع نولان. وقد أدى الممثلون الآخرون أدوارهم بطريقة احترافية، فلا عجب إن حصل الفيلم على جوائز عالمية، وبينها الأوسكار.
(*) هل تساهم الدعاية والإعلان في الترويج لفيلم معين، وبالتالي في إنجاحه؟
بلغت كلفة الدعاية والإعلان على جميع منصات العالم لفيلم “الأوديسة” حوالي 150 مليون دولار أميركي، وأنا لم أرَ مثيلًا لها في التاريخ الحديث. ولا شك في أنها تؤثر على الجمهور حين يُسأل: “هل شاهدت الأوديسة؟”، فإن أجاب المرء بالنفي سيشعر بنقص معين. لكن المهم أيضًا ليس مشاهدته فحسب، بل كيفية التحضير لذلك، أي قراءة القصة قبل الذهاب إلى السينما. وقد تلعب كثافة الترويج دورًا سلبيًا في نفور الجمهور منه. ولعله وبسبب قوة الترويج للفيلم، استطاع أن يغطي إيراداته في أول ثلاثة أيام عرض في الولايات المتحدة الأميركية وفي العالم. يبقى أن نقول بعيدًا عن الترويج ورأي النقاد: إنّ هذا الفيلم رائع.
(*) من السينما العالمية إلى السينما في الدول العربية، كيف تقيّم التجارب التي صدرت حديثًا؟
نحن نعلم أن السينما العربية انطلقت في البداية بإنتاجات مصرية. وشكّلت صناعة السينما في مصر أهمية متزايدة في استقطاب العرب، ممثلين ومخرجين وجمهورًا. أمّا اليوم، فأصبحت كل الدول العربية تنتج أفلامها المتنوعة. شخصيًا، كناقد سينمائي، أطّلع على كل الأفلام العربية في المهرجانات، لكنني أعتقد أنّ رغبة الجمهور العربي تراجعت إزاء الأفلام العربية. وفي الواقع، تراجع السينما العربية يأتي على حساب قوة المسلسلات المشتركة التي تعرضها التلفزيونات، خصوصًا خلال شهر رمضان المبارك.
| ملصق فيلم “كفر ناحوم” الذي نافس منذ سنوات على جائزة أوسكار أحسن فيلم أجنبي |
(*) أُطلق عليك لقب “عرّاب السينما اللبنانية”، لمساهمتك في إنشاء كليات السمعي ــ البصري في عدد من الجامعات اللبنانية، فكيف تقيّم المشاركة السينمائية اللبنانية في المهرجانات الدولية؟
السينما ليست عملًا سهلًا، بل صعبًا، خصوصًا في وطن صغير مثل لبنان، لكنه كبير بإمكانيات مخرجيه وممثليه. وقد لمستُ ذلك شخصيًا عندما دعمت طلاب الجامعات على صناعة أفلامهم، وعملتُ مع زملاء أساتذة آخرين على دعم إنتاج وثائقيات عن السينما اللبنانية. وأفتخر أنني شاركتُ في لجنة التحكيم التي صوّتت بهدف إرسال أفلام لبنانية مثل “قضية 23″، و”كفر ناحوم”، لإشراكهما في جوائز الأوسكار على مدى سنتين متتاليتين 2018 و2019. وقد تحمّستُ جدًا لجعل هذين الفيلمين يمثلان لبنان عن استحقاق في الأوسكار في هوليوود في فئة أفضل فيلم أجنبي. وبالفعل فقد وصلا إلى القائمة النهائية التي ضمّت خمسة أفلام من أصل 97 دولة. لكنه ومنذ جائحة كورونا، وبعدها الأزمة الاقتصادية اللبنانية، ومن ثم الحرب، كلّها عوامل ساهمت في تراجع إنتاج السينما اللبنانية. في المقابل، نشهد على نجاح مضيء للمنتجين اللبنانيين في المسلسلات اللبنانية والعربية.
المشاركة اللبنانية في مهرجان كان السينمائي أتت هذه السنة- في أيار/ مايو 2026- عبر مشاركة المؤلف الموسيقي خالد مزنر في لجنة التحكيم، وهو الذي يُشكّل مع زوجته المخرجة والممثلة نادين لبكي ثنائيًا ناجحًا. كما أودّ الإشارة إلى الفيلم الألماني “يونان” (2025)، الذي هو من بطولة اللبناني جورج خباز، وإنتاج الألماني السوري الأصل أمير فخر الدين، وقد نال خباز عن دوره جوائز دولية، أكثرها إثارة جائزة أفضل ممثل في هونغ كونغ. وفي العام نفسه، حقق الفيلم اللبناني A Sad and Beautiful World (2025) نجاحًا لافتًا.
الحقيقة، وأنا أتابع الممثلين اللبنانيين الذين كانوا في معظمهم طلابي في الجامعة اللبنانية، أُعجب بقدراتهم الفنية، وأفرح لنيلهم جوائز عالمية.
(*) نعلم أنك تتابع السينما الفلسطينية، فكيف ترى نجاحات هذه السينما على الصعيد العالمي؟
الأفلام الفلسطينية اليوم هي أفلام هادفة وجريئة تمثل الإنسان المطالب بحقه في مواجهة الظلم. شخصيًا، أنصح دائمًا طلابي وزملائي بمشاهدة الأفلام الفلسطينية المميزة. وأنا أتابع أعمال المخرجين الفلسطينيين، أمثال هاني أبو أسعد، إيليا سليمان، آن ماري جاسر، وميشال خليفي. وبالنسبة لي كناقد سينمائي فإنّ فيلم “3000 ليلة” (2016) للمخرجة مي المصري هو عمل درامي عالمي.