ما تزال المملكة السعوديّة الشريك العربيّ الأهمّ للولايات المتّحدة، وتركيا عضو في حلف شماليّ الأطلسيّ، وباكستان تحتفظ بعلاقات عسكريّة وأمنيّة واسعة مع واشنطن، على الرغم من شراكتها المتنامية مع الصين. ومع ذلك، اختارت الدول الثلاث أن تبني فيما بينها ضمانة دفاعيّة إضافيّة.
منذ سنوات، بدأ يتشكّل انطباع لدى كثير من حلفاء الولايات المتّحدة بأنّ واشنطن لم تعد مستعدّة للقيام بالدور الأمنيّ الذي لعبته طوال العقود الماضية. الانسحاب من أفغانستان، التردّد في الردّ على بعض الهجمات التي استهدفت منشآت النفط الخليجيّة، والرغبة المعلنة في توزيع الأعباء الأمنيّة على الحلفاء، كلّها رسائل دفعت دول المنطقة إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن.
ما الذي تغيّر؟
لا يقول اتّفاق مكّة إنّ الولايات المتّحدة لم تعد مهمّة، بل يقول إنّ الاعتماد عليها وحدها لم يعد كافياً. وهنا لا يصبح السؤال الحقيقيّ: ضدّ من أُنشئ هذا الحلف؟ بل: ما الذي تغيّر في النظام الإقليميّ حتّى شعرت ثلاث قوى بهذا الحجم بأنّها تحتاج إلى تأمين نفسها خارج ترتيباتها التقليديّة؟
هل الخطر هو إيران؟ هل الحساب يشمل إسرائيل أم الرسالة الأهمّ موجّهة إلى الولايات المتّحدة نفسها ومفادها أنّ هذه الدول لم تعد تستطيع أن تعتمد على ضامن واحد لأمنها مهما بلغت قوّة التحالف معه؟
في السياسة، تتبدّل النيّات بسرعة، وأمّا التحالفات فلا تتغيّر إلّا عندما تتغيّر الحسابات. وما نشهده اليوم ليس ولادة اتّفاق دفاعيّ جديد، بل إعادة صياغة للحسابات الاستراتيجيّة في الشرق الأوسط كلّه.
ليست هذه المرّة الأولى التي يحاول فيها الشرق الأوسط إعادة ترتيب أمنه. فمنذ حلف بغداد في خمسينيّات القرن الماضي، مروراً بمبدأ نيكسون الذي أوكل إلى القوى الإقليميّة مسؤوليّة أكبر في حماية الاستقرار، ثمّ عقيدة كارتر التي جعلت أمن الخليج مصلحة أميركيّة مباشرة، بقيت واشنطن المهندس الأساسيّ للنظام الأمنيّ في المنطقة. ليس الجديد اليوم قيام تحالف جديد، بل مجيء المبادرة هذه المرّة من داخل الإقليم، لا من خارجه.
لماذا الآن؟
ليس السؤال الأهمّ: لماذا وُقّع الاتّفاق؟ بل لماذا وُقّع الآن؟
ليست العلاقات بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد جديدة، والتعاون العسكريّ بينها قائم منذ سنوات. لذلك يصعب القول إنّ الحرب الأخيرة على إيران أنشأت هذا التحالف. الأدقّ أنّها غيّرت عامل الوقت.
في العلاقات الدوليّة، لا تخلق الحروب التحالفات دائماً، لكنّها تسرّع ولادتها. إنّها تحوّل الأفكار المؤجّلة إلى قرارات. قبل الحرب، كان ممكناً تأجيل الاتّفاق. بعدها، أصبح تأجيله أكثر كلفة من توقيعه، فالضربة العسكريّة على إيران كشفت أربع حقائق دفعة واحدة:
1- إيران، على الرغم من الخسائر، ما تزال قادرة على تهديد المنطقة.
2- إسرائيل خرجت من الحرب أكثر ثقة بقدرتها على فرض معادلات جديدة.
3- الولايات المتّحدة مستعدّة للتدخّل عندما تُمسّ مصالحها الحيويّة، لكنّها لا تريد أن تكون الضامن الوحيد لكلّ أزمة.
4- أزمات الشرق الأوسط أصبحت أسرع من قدرة التحالفات التقليديّة على مواكبتها.
لذلك لم يعد السؤال: كيف نردع إيران؟ بل أصبح: ماذا لو اندلعت الحرب المقبلة؟ ومن يضمن أمننا إذا جاءت الاستجابة الدوليّة متأخّرة أو مختلفة عمّا نتوقّع؟
هذا السؤال، أكثر من الحرب نفسها، هو الذي يفسّر توقيت اتّفاق مكّة.
نهاية احتكار الدّور الأميركيّ
من الخطأ قراءة أيّ تحالف جديد في الشرق الأوسط على أنّه إعلان لتراجع الولايات المتّحدة، فالأخيرة لم تغادر المنطقة، ولا تزال القوّة العسكريّة والسياسيّة الأكثر حضوراً فيها. ما تغيّر ليس حجم القوّة الأميركيّة، بل فلسفة استخدامها. فبعد عقود كانت فيها واشنطن تبني التحالفات وتدير النظام الأمنيّ في الشرق الأوسط، أصبحت أكثر ميلاً إلى أن يتحمّل حلفاؤها جزءاً أكبر من مسؤوليّة أمنهم، فيما تبقى هي الشريك الاستراتيجيّ الأوّل، لا المدير الوحيد للمشهد. وهذا تحوّل في الدور، لا في النفوذ.
من هذه الزاوية، لا يناقض اتّفاق مكّة الاستراتيجية الأميركيّة، بل ينسجم مع جزء منها. لكنّه، في الوقت نفسه، يعكس تحوّلاً موازياً لدى الحلفاء أنفسهم. لقد انتقل التفكير من سؤال: من يحمينا؟ إلى سؤال أكثر نضجاً: كيف نحمي أنفسنا، بالتعاون مع حلفائنا؟ وهذه ليست معادلة عسكريّة فقط، بل ثقافة استراتيجيّة جديدة.
ليس حلفاً ضدّ إيران… ولا ضدّ إسرائيل
من الطبيعي أن ترى إيران نفسها المعنيّ الأوّل بهذا الاتّفاق. لكنّ اختزال الحلف بأنّه موجّه ضدّها يظلمه. تماماً كما يخطئ من يعتبره موجّهاً ضدّ إسرائيل. الحقيقة أنّ الدول الثلاث لا تؤسّس لتحالف هجوميّ، بل لقدرة ردع. تبقى إيران لاعباً أساسيّاً في المنطقة. وخرجت إسرائيل من الحرب لاعباً أكثر ثقة وتأثيراً. وتعيد الولايات المتّحدة توزيع أدوارها لا إنهاءها. في ظلّ هذه المعادلة، يبدو اتّفاق مكّة محاولة لبناء هامش قرار استراتيجيّ أكبر لا إعلان حرب على أحد.
يبدو اتّفاق مكّة محاولة لبناء هامش قرار استراتيجيّ أكبر لا إعلان حرب على أحد
على مدى سبعة عقود، قام النظام الأمنيّ في الشرق الأوسط على فكرة واحدة: تنتج الولايات المتّحدة الأمن، بينما تتحرّك القوى الإقليميّة داخل هذه المظلّة. لا تبدو المنطقة اليوم أمام معادلة مختلفة لأنّ الولايات المتّحدة أصبحت أضعف، ولا لأنّ حلفاءها قرّروا الاستغناء عنها، بل لأنّ الجميع بات يدرك أنّ الاعتماد على ضامن واحد يحمل مخاطرة استراتيجيّة.
لهذا بدأت الدول تبني طبقات إضافيّة من الردع: تحالفات إقليميّة، صناعات دفاعيّة، تكامل استخباريّ، وشبكات أمن لا تعتمد على مركز قرار واحد.
ربّما يكون هذا أهمّ تحوّل استراتيجيّ تشهده المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. عندما أُنشئ حلف بغداد عام 1955، كان الهدف احتواء الاتّحاد السوفيتيّ. وعندما أعلن الرئيس جيمي كارتر عام 1980 أنّ أمن الخليج مصلحة أميركيّة حيويّة، أصبحت الولايات المتّحدة الضامن الأوّل للنظام الأمنيّ في المنطقة.
إنتاج الأمن لا استيراده
أمّا اليوم فلا يبدو أنّ الشرق الأوسط يكتب نهاية هذا الدور، بل يعيد تعريفه، فحلف مكّة لا يقول إنّ الولايات المتّحدة خرجت من المنطقة، ولا دولها قرّرت الاستغناء عنها، بل يقول شيئاً أكثر عمقاً: إنّ الأمن الذي كان يُستورَد بالكامل من الخارج، بدأ يُنتَج جزئيّاً من الداخل.
ربّما لن يتذكّر المؤرّخون مستقبلاً عدد بنود معاهدة مكّة، بقدر ما سيتذكّرون أنّها كانت من أوائل المؤشّرات إلى انتقال الشرق الأوسط من مرحلة البحث عن ضامن خارجيّ، إلى مرحلة بناء قدرة ردع إقليميّة، بالتفاهم مع الحليف الأميركيّ، لا بالاستغناء عنه. فالتحالفات قد تتغيّر. أمّا عندما تتغيّر طريقة التفكير في الأمن، فإنّ المنطقة كلّها تدخل مرحلة جديدة.
