د. رشا محمد الحمداني…. جريدة المدى
لا شك في أن مصطلح النسوية هو مصطلح غربي بامتياز، و يقول عنه المعجم الاصطلاحي وهو يتحدث عن نشأته: (شهد العالم موجتين رئيستين للنسوية في القرن العشرين، ارتبطت الأولى بحق التصويت العالمي، ونشأت الثانية عن الحركة السياسية الواسعة الانتشار في الستينيات فيما كانت النساء تدرك أن أهداف اليسار الجديد فشلت في أخذ تطلعاتهن بعين الاعتبار..) وهكذا بدأ التمثل المفاهيمي للمصطلح يشير إلى حركة ثقافية تسعى إلى مبدأ مساواة المرأة مع الرجل في الحقوق والواجبات، من منطلق مدني وحضاري وإنساني، والتخلي عن الموروثات التقليدية التي صلّبت العلاقة بين الجنسين بأفكار دينية وأسطورية وقبلية لا تنسجم مع تطلعات الإنسان العصري وفورة الحداثة الهائجة في المجتمع الغربي.
ويا ترى لو توجهنا إلى مجتمعنا العربي، وتحديدًا إلى الأصوات اليسارية والمدنية والمثقفة، التي تسعى لبناء مجتمع متحضر منقطع عن القيم والتقاليد البالية، ثم حاولنا التفتيش عن حجم الحضور النسوي وعدده الفاعل بالقياس إلى المجموع الكلي لهذه الأصوات، كم سيكون حجمها؟ هذا إن أخذنا بعين الاعتبار أن مصطلح النسوية لا يعني الجنس النسوي بالضرورة، وإنما يعني الخطاب النقدي الذي يدافع عن حقوق المرأة سواء أكان صاحبه رجلًا أم امرأة. ومن هنا فإن بعض الكتاب من الرجال يعدون من رواد كتاب النسوية العربية وهم ذكور! ومنهم الكاتب المعروف (قاسم أمين) و الطاهر الحداد ورفاعة الطهطاوي وأحمد فارس وحسين الرحال ونصر حامد أبو زيد وعبد الصمد الديمالي.. بل حتى شيخ الأزهر (محمد عبده) كان من بين أهم الأصوات الدينية التي دعت إلى إنصاف المرأة في المجتمع الإسلامي، لذلك دعا إلى تفسير القرآن على وفق المنهج الاجتماعي، بوصفه منهجًا حديثًا لقراءة النص القرآني بسياق اجتماعي جديد يتناسب مع متطلبات العصر الجديدة. أما النساء فمنهن: زينب فواز وعائشة التيمورية ومي زيادة وهدى شعراوي، ونوال سعداوي، ورضوى عاشور وغادة السمان.. ولست هنا في موضع الإحصاء والموازنة، ولكني هنا في موضع تسليط الضوء على طبيعة هذه الحركة ونشأتها في أحضان صاحبات الشأن (النساء).
وقد يأخذنا الوقت في صمته الطويل، حين نبحث عن فاعلية المشاركة النسائية العربية في الحركات التحررية واليسارية، ليس على مستوى الكمي فحسب، بل على المستوى الكيفي أيضًا، كما أننا سنجد أن حجم الفاعلية يشتغل في المنطقة الأدبية أكثر بكثير من اشتغاله في المنطقة الفلسفية والمعرفية، فأين نضع _ مثلًا: نازك الملائكة، وعاتكة وهبي الخزرجي، ولميعة عباس عمارة،و حياة شرارة، وسلمى الجيوسي، وأحلام مستغانمي، ولطفية الدليمي، وفاطمة المحسن، وأنعام كججي، وسواههن من الأديبات اللامعات، إنهن يتكئن على اللغة الأدبية والخيالية والمجازية، في التعبير عن الهموم النسوية العربية المشتركة، غير أنني حين أبحث عن المفكرات النسائيات المشتغلات في الحق الفلسفي ويناصرن الخطاب النسوي فأنني سأكون في حيرة من أمري وكيف سأملي عدد أصابع اليد الواحدة!! نعم هنا وهناك نسوة ملأن الصحف العراقية والعربية بمقالات عدة مناصرة للحركات المدنية واليسارية، ومناهضة للعنف والإرهاب والتطرف كـ: هناء إدوار، وشروق العبايجي، ونجد سمر بدوي، ورنا صباغ.. وغيرهن الكثير في المجال الصحفي والعمل في منظمات المجتمع المدني، و حين أبحث في الحقل الأكاديمي ستقع عيني مثلًا_ على الدكتورة لا هاي عبد الحسين والدكتورة نادية العزاوي، والدكتورة نادية هناوي، والدكتورة نهلة النداوي.. وتبقى العين بصيرة واليد قصيرة حين تفتش في المجال الفلسفي والمعرفي عبر رصد المؤلفات الفلسفية الثقافية ذات الاشتغال على الحركة النسوية من قبل نساء يناصرن الحركة من الزاوية المعرفية المفاهيمية والجدل الثقافي.
فالمشهد العربي تتصدره أصوات الرجال المدافعين عن حقوق النساء أكثر بكثير من أصوات النساء اللواتي معنيات بالموضع الخاص بهنّ، واعتقد أنه من بين أهم الأسباب المؤدية إلى ضعف هذا الحضور، هو هيمنة الذكورية العالية على المستويات الحياتية كلها، ولسنا بعيدين عن هذا الضعف الاجتماعي، فاهو القانون العراقي الخاص بمجلس النواب الذي ضمن حضور المرأة في البرلمان بنسبة معينة حددها الرجال مسبقًا، فبعد كل ثلاثة رجال تنبري امرأة يصعدها (القانون) وليس (الوعي) المجتمعي الذي يتمنى حضورها في المشهد السياسي، فلو افترضنا غياب هذا القانون (الذكوري) لما كان في البرلمان أكثر من أصابع اليدين من النساء!! إذن الإشكالية الحقيقية تكمن في ثقافة المجتمع ذي الصبغة الدينية، التي لا تسمح للمرأة أن تكون (مواطنة) قائدة في المجتمع، فلا هي صالحة لمنصب: القاضي، إمامة الصلاة، رئاسة الدولة، وإن كان بينهن من يعلو صوتها لإحدى هذه المناصب فعلى الرجل أن يذبحها لأنها تجرأت وصاحت صياح الديك!.
وفي ضوء ما مر ذكره، يمكنني القول، بشيء من الطمأنينة: إن الحركة النسوية العربية المعاصرة، اشتغلت في الاتجاه الاجتماعي، والسياسي من خلال منظمات المجتمع المدني والصحافة العربية، ومن خلال الخطاب الأدبي، أكثر بكثير من اشتغالها في الاتجاه المعرفي والفلسفي والثقافي، الذي تكفل به (الرجل) المتعاطف مع حقوق (المرأة).