مناهل السهوي – كاتبة وصحفية سورية
استهداف حرّية النساء في تعلّم الرقص والخروج واللباس، داخل مساحات نسائية مغلقة، يكشف أن القضيّة لا تتعلّق فقط بالفضاء العامّ، بل بالرغبة في السيطرة على حركة الجسد الأنثوي ذاته، حتى حين يكون بمفرده، سعياً الى تقليص علاقة الفرد بجسده وتغريبها عنه.
في بلد مثل سوريا، خرج لتوّه من حرب مدمرة، ولا يزال يبحث عن المفقودين، ويواجه خطر الانقسام الطائفي، وواقع بالفعل تحت انهيار اقتصادي، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا يعود جسد المرأة، مرّة أخرى، ليكون أحد أوائل ميادين التنظيم والضبط؟
خلال عام ونصف العام، ومع ضعف حضور السوريات في مجال صناعة القرار السياسي والإداري تمدّد الضبط، فصدرت قرارات وتعميمات تتعلّق بالتضييق على الحرّيات الشخصية، ابتداءً من اللباس وصولاً إلى الحفلات والكحول والمكياج، حتى وصلت إلى تعميم يمنع تعلّم الرقص الشرقي في مدينة حماة.
تكرار مثل هذه التوجّهات أو استمرارها، بالإضافة إلى أنه تدخّل صارخ بالحرّيات الشخصية، يكشف أيضاً عن أولويات السلطة، ففهم توجّه السلطات ليس في ما يقوله مسؤولوها، إنما أيضاً بالملفات التي تختار التدخّل فيها أولاً، إذ تكشف عن تصوّرها لما يستحقّ التنظيم. وعندما تتكرّر القرارات المرتبطة بالنساء، فإنها تطرح سؤالاً يتجاوز كل قرار على حدة: هل يتعلّق الأمر بتنظيم الحياة العامّة، أم بإعادة إنتاج سلطتها انطلاقاً من الجسد الأنثوي؟
استراتيجية أم ضعف إدارة؟
منذ استلام “هيئة تحرير الشام” الحكم في سوريا في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، يكاد لا يمرّ شهر من دون صدور قرارات أو إجراءات تضيّق على الحرّيات الشخصية، تارة في دمشق، وطوراً في حماة، وتارة أخرى في اللاذقية. بعضها يستهدف لباس البحر وآخر يمنع بيع المشروبات الكحولية وثالث يمنع الموظّفات من وضع “المكياج” أثناء الدوام الرسمي. قد تبدو هذه القرارات متفرّقة ولا يجمعها رابط واضح، لكنّ وضعها في سياق واحد قد يقود إلى استنتاجات تغيّر طريقة النظر إليها.
وتراوحت هذه القرارات والممارسات بين ما صدر بوصفه قرارات حكومية واضحة، وبين إجراءات أو سياسات محلّية، أو تصريحات أثارت مخاوف من دون أن تتحوّل إلى قوانين. لكنّ اللافت أن غالبية محاولات تقييد النساء وحرّياتهن جاءت عبر تعاميم أو قرارات إدارية محلّية.
الجانب الأبرز بعد عام ونصف العام من الحكم، هو الضبابية المحيطة بطبيعة هذه القرارات: هل نحن أمام استراتيجية مدروسة تُنفّذ بهدوء وتُديرها السلطة المركزية؟ أم أننا أمام نتاج جهود فردية لموظّفين ومسؤولين متشدّدين وصلوا إلى مواقع القرار ويريدون فرض رؤيتهم الأيديولوجية؟
وفي الحالتين، يطرح الصمت الرسمي أسئلة أكثر إيلاماً: هل تعكس حالة التجاهل هذه موافقة ضمنية واستفادة خفيّة من الضبط المتدرج من دون تحمّل كلفته السياسية؟ أم أن السلطة نفسها باتت أضعف من أن تضبط أو تواجه الخطاب الراديكالي الذي باتت رموزه تتسلّل للتحكّم بمفاصل الحياة اليومية؟
في الوقت ذاته، ربما يُقدّم السلوك السياسي والتصريحات الرسمية للقيادة إجابةً صريحة تُبدّد هذه الضبابية.
ففي أكثر من مناسبة، كرّر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وعوده بحماية الحرّيات الشخصية، لكنّه ربطها دائماً بشرط فضفاض: “إيجاد تعريفات واضحة ومتوافقة للحرّيات السياسية والإعلامية تلائم المرحلة الانتقالية وخصوصية المجتمع السوري”. ليبدو هذا الربط، المجرّد من أيّ تفسير محدّد لمعنى “التوافق” أو طبيعة “ملائمة المرحلة”، أقرب إلى شرعنة للسيطرة.
وهنا، تتجاوز تصريحاته كونها تعبيراً دبلوماسياً ليكون أشبه بالخطاب السياسي، الذي يمنح السلطة الحقّ الحصري في إعادة تعريف “الحرّية” وتكييفها وفق ما تراه مناسباً، لتصبح “خصوصية المجتمع” كلمة السرّ التي يُمارس تحت مظلّتها الضبط والوصاية على الجسد والفضاء العامّ، وتتحوّل معها الحرّيات من حقوق أصيلة للأفراد إلى “منح مشروطة” توزّعها السلطة أو تسحبها متى شاءت.
ماذا تريد السلطة من الجسد؟
أحد القرارات اللافتة للانتباه هو التعميم الصادر عن مديرية الشباب والرياضة في محافظة حماة، الذي طلب من أصحاب المراكز الرياضية منع افتتاح أو الترويج لدورات الرقص الشرقي، بحجّة أن هذا النشاط مخالف “للقوانين والأنظمة والتقاليد”، مع التلويح باتّخاذ إجراءات قانونية في حال المخالفة.
المسألة تبدأ من سؤال: ما الذي تريده السلطة ومؤيّدوها من الجسد؟ وكيف تُملي عليه قواعد سلوكه في العلن والخفاء؟
هل تريد السلطة أن تدعم وتساعد مواطنيها ومواطناتها على عيش حرّياتهم، بأشكالها المختلفة، أم أنها تريد العكس؟
وهنا، يمكن قراءة القرارات والتعميمات التي خرجت منذ عام ونصف العام على أنها تحكّم خفيّ، وجدران تمتدّ ببطء، تفصل الجسد وبخاصّة جسد المرأة عن الفضاء العامّ، وتحاول تنظيم وجوده وشكله وحركته، مستندة إلى الخطاب الأخلاقي التقليدي، وإلى رغبة بعض المجتمعات في فرض هذا الضبط بعيداً عن مفهوم الدولة والحقوق والحرّيات.
مثل هذا التحوّل، يُقدّمه مؤيّدوه وصانعوه غالباً تحت عناوين “نبيلة” تدغدغ وجدان الجموع، مثل حماية “القيم والتقاليد” أو بناء الدولة الجديدة، لكن ماذا لو كان المستفيد النهائي منه هو السلطة والمجتمع البطريركي، اللذان يسعيان إلى ضبط المرأة والمختلف وإقصائهما.
وكما في كل مرّة، يخرج مدافعون عن هذه القرارات لتبريرها بحجّة خصوصية المدن أو البلدات أو اختلاف البيئات الاجتماعية. لكن إذا كانت الحرّيات الشخصية والقوانين تتبدّل من حيّ إلى آخر ومن بلدة إلى أخرى ومن جماعة إلى أخرى، فكيف يمكن بناء قوانين حقيقية تحمي الحرّيات الفردية والنساء؟
في أيّار/ مايو الماضي، انتشر على نطاق واسع فيديو لشاب وفتاة يرقصان أمام ساعة مدينة حمص، وانتشر معه خطاب كراهية مخيف، من دون بيان حكومي، فقد تكفّلت الجموع ببثّ الرعب والإقصاء لكل من قد “تسوّل” له نفسه الرقص في مكان عامّ.
نلاحظ في الحالة السورية، أن دور الحاضنة لنبذ الجسد بدون تدخّل من السلطة هو أمر أساسي. لكنّ اللافت أكثر هو غياب أيّ توجّه رسمي من السلطة لكبح الجموع أو وضع حدّ للقرارات العشوائية التي تصدر هنا وهناك، وهو ما يثير أسئلة عن النوايا الحقيقية للسلطة وراء هذا التساهل أو التجاهل، فهل هي إدارة المجال العامّ “بالمجّان” وعن طريق مؤيّديها؟ بخاصّة أن عدم اتّخاذ السلطة قراراً أو تحرّكاً قد يكون بحدّ ذاته قراراً.
حدود الجسد تحت أنظار السلطة
ما يحدث ليس سابقة في التاريخ. فقد منعت الثورة الإسلامية في إيران الرقص أيضاً، استناداً إلى تفسيرات للشريعة الإسلامية، ليفقد الراقصون والراقصات مساحات الرقص الخاصّة بهم، ولعقود طويلة بقي هذا الفنّ مهمّشاً، ووُصم الراقصون والراقصات بالانحلال الأخلاقي، كما حظرت “طالبان” مع وصولها مجدّداً الى الحكم في أفغانستان الرقص والموسيقى.
فالرقص بالنسبة إلى هذه الأنظمة حركة جسدية تعجز هي عن السيطرة عليها، تمنح ممارسيها قوّة وفهماً لأنفسهم وتجعلهم أقرب إلى أجسادهم.
قد يقول قائل إنه لا توجد قرارات رسمية تمنع الرقص في سوريا، وهناك فعّاليات ثقافية تشمل الرقص وترعاها الدولة.
لكن من المهم التفريق بين تنظيم السلطات الفنّ والثقافة وتقنينهما، وبين حرمانهما من أن يكونا جزءاً طبيعياً من المجال العامّ، وأن يتطوّرا خارج أسوار الرعاية الرسمية، ومن المفيد هنا استذكار الطريقة التي قنّن بها نظام الأسد إنتاج الدراما السورية، وحرصه على إبقائها ضمن قوالب محدّدة لا تتجاوز الحدود التي رسمها، وعلى الرغم من أن الدراما تحت حكم الأسد حصدت نجاحاً واسعاً، فقد كانت تملك حدودها القاسية أيضاً.
في النهاية، فإن ممارسة السلطة هي، كما يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، “إدارة سلوكيات الأفراد”، أي إدارة مجال المتاح لهم، والحدود التي يستطيعون التحرّك ضمنها، ويصبح الجسد أحد أهمّ ميادين هذه الإدارة.
وهنا، لسنا في وارد ذكر أهمّية الرقص، لكن من المفيد استذكار رقصة زوربا الشهيرة المستوحاة من رواية “زوربا اليوناني” لنيكوس كازانتزاكيس.
زوربا الذي قال إن هناك أشياء إذا حاول شرحها بالكلمات فإنه يخونها، لذلك يرقص. فالرقص بالنسبة إليه ليس هروباً من الواقع، بل غوص أعمق فيه، إنه احتفاء بالوجود، وبقيمة الجسد بوصفه وسيلة للشعور بالحياة والتفاعل معها.
ومن هنا، فإن استهداف حرّية النساء في تعلّم الرقص والخروج واللباس، داخل مساحات نسائية مغلقة، يكشف أن القضيّة لا تتعلّق فقط بالفضاء العامّ، بل بالرغبة في السيطرة على حركة الجسد الأنثوي ذاته، حتى حين يكون بمفرده، سعياً الى تقليص علاقة الفرد بجسده وتغريبها عنه.
وعبر قرارات وملاحظات وتوجيهات متفرّقة، تتسرّب القواعد الاجتماعية والدينية إلى الجسد لتصبح ممارسات تلقائية أكثر صعوبة، حتى يغدو رقص فتاة بمفردها أمراً غير مريح لها، فالسلطة لا تحتاج الى قواعد نظرية، إذ وبحسب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، يتمّ كل ذلك عبر “الهيكلة الجسدية”، حيث تتسرّب القوانين والترتيبات الطبقية والسلطوية إلى أجساد الأفراد من خلال حركاتهم، وهيئاتهم، وأسلوب كلامهم، وكيفية تحركهم في الفضاء العامّ، وهكذا لا تحتاج السلطة إلى ردع الجسد بشكل مباشر، يكفي أن تكتسب العادة سلطتها، فتصبح السيطرة على المجال العامّ أكثر سهولة، بعدما بدأت بالفعل من المساحة الأكثر خصوصية: جسد الإنسان نفسه.
في النهاية، قد تبدو القرارات صادرة بشكل عشوائي لكنّ العشوائية هنا قد تكون مقصودة، لأنها تعيد تخطيط المجتمع ورسم علاقته مع نفسه برويّة ومن دون استعجال. من يتكلّم الآن بقرار الكحول أو يعلم ما الذي حصل حوله؟ ماذا عن قرار منع النساء من وضع مساحيق التجميل في اللاذقية؟ هل نعلم ما حصل؟
إذاً، كل قرار يمهّد لقرار لاحق والقرار الذي كان “مبالغاً” فيه أو غير مقبول قبل أشهر يبدو “منطقياً” الآن. لنصل إلى نتيجة واحدة: المستهدف الحقيقي ليس الرقص الشرقي أو المكياج أو الفنّ أو الكحول بشكل منفرد، بل المنظومة الثقافية برمّتها والحرّيات الشخصية والنساء بالدرجة الأولى.