عمر قدور..كاتب سوري
بعد منتصف ليلة الأربعاء الفائت توغلت القوات الإسرائيلية في ريف القنيطرة، وحلّق طيران الاستطلاع الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية وصولاً إلى دمشق. يُفترض أن الانتهاكات الإسرائيلية الجديدة حدثت بعد اجتماع للرئيس الانتقالي أحمد الشرع مع مندوبين لصحف دولية، قال فيه تعليقاً على المفاوضات بينه وبين إسرائيل: “هي حالة صعبة أن تكون مفاوضات بين شامي ويهودي”!
لكن لا يُحتَّم وجود رابط بين حديث الشرع والتوغل الإسرائيلي الجديد، فالقوات الإسرائيلية توالي توغلاتها، ضمن المناطق منزوعة السلاح بموجب اتفاقية الهدنة لعام 1974 وخارجها أيضاً، ونُقل عن الشرع في اجتماعه مع الصحفيين أن عدد التوغلات زاد عن 400 منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر. والطيران الإسرائيلي ينفّذ طلعات استطلاعية بلا قيود، ويقصف أحياناً بعض المواقع بلا قيود أيضاً. وحسب ما نُقل عن الشرع، نفّذت إسرائيل أكثر من ألف غارة بدءاً من التاريخ نفسه.
مع ذلك، لا يجوز استبعاد الربط بين المفاوضات والتوغل الإسرائيلي، فالتوغل بحرية تامة يثبت قدرة إسرائيل على فرض الواقع الذي تريده على الأراضي السورية، ما يُضعف موقف الشرع في المفاوضات، وتحليق الطيران الاستطلاعي (لا الحربي) يثبت سهولة سيطرة تل أبيب على المجال الجوي، الذي يتحرك ضمنه طيرانها. النقطة الثانية تحديداً يبدو أن لها أهمية خاصة، فقد نقلت مندوبة رويترز عن الشرع في الاجتماع نفسه القول إنه “سيطلب احترام مجال سوريا الجوي ووحدة أراضيها، وأن يكون خاضعا لمراقبة الأمم المتحدة”.
التوقف عند بند احترام المجال الجوي يوحي بالتقدّم في باقي نقاط التفاهم الذي سُرِّبت بنوده الأساسية مؤخراً، وقد نُشرت في موقع أكسيوس وموقع معهد دراسات الحرب الأميركيين. حسب ما سُرِّب، تطالب تل أبيب بممر لطيرانها عندما تقرر قصف إيران، وبمنطقة حظر طيران ضمن الأراضي السورية تمتد إلى تخوم دمشق تحت مسمّى المنطقة الثالثة C. وهذه المنطقة هي الأوسع بعد منطقتَي A وB. المنطقة الأولى هي بعمق 2 كيلومتر بعد المنطقة العازلة بموجب اتفاقية الهدنة، وتُعدّ بمثابة توسيع للمنطقة المنزوعة السلاح أصلاً، والخاضعة لإشراف أممي بوجود قوات فصل دولية.
المنطقة الثانية، وتحديد مساحتها متروك للاتفاق، ستكون منزوعة السلاح، وممنوعة على الجيش، بينما يُسمح للشرطة والقوات الأمنية بالعمل فيها. والشرط نفسه موجود في اتفاقية الهدنة لعام 1974، لكن فيما يخص المنطقة منزوعة السلاح، أي أن المنطقة الثانية ستكون عملياً بمثابة توسيع للمنطقة الأولى، لكن بتسمية مختلفة، ومن دون إشراف أممي كما هو الحال في الاتفاقية القديمة.
التقسيم الإسرائيلي إلى ثلاث مناطق مستوحى مما هو مطبَّق على سيناء، بعد انسحاب إسرائيل منها بموجب اتفاقيات كامب ديفيد. المختلف في الحالة السورية أن تل أبيب تريد تطبيق النموذج نفسه على أراضٍ غير محتلة، أي أنها تريد الحصول على امتيازات أمنية إضافية، لتخلق واقعاً جديداً لا تستطيع أية سلطة سورية مقبلة التنصّل منه. جدير بالذكر أن الواقع الجديد، إذا وُقِّعت الاتفاقية حسب التسريبات، هو خارج الجولان السوري المحتل الذي أعلنت إسرائيل ضمّه رسمياً، ثم اعترف ترامب بسيادتها عليه أثناء ولايته الأولى. وهناك مناطق سيطرت عليها القوات الإسرائيلية على جبل الشيخ، وثمة تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تشير إلى النية في البقاء فيها على نحو مستدام، خارج التصنيف المذكور للمناطق الثلاث. يُذكر أن الشرع قال أمام الصحفيين في اجتماع يوم الأربعاء: “من المبكر للغاية مناقشة مصير هضبة الجولان المحتلة لأنها قضية كبيرة”.
مساء أمس الجمعة نقل موقع تلفزيون سوريا عن صحيفة ملييت التركية قولَ الشرع: “إن التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل لا مفر منه، بينما يبقى الالتزام الإسرائيلي بهذا الاتفاق موضع شك”. ونُقل عن الصحيفة التركية إشارة الشرع إلى أن “أحداث السويداء الأخيرة جاءت بمثابة “فخ مدبر خصيصاً” في وقت كانت المفاوضات مع إسرائيل على وشك الانتهاء”!
ما نشرته صحيفة ملييت يبدو للوهلة الأولى كتأكيد على ما صار مؤكّداً من وصول التفاوض إلى مرحلة متقدّمة، وهناك تكهنات تنص على توقيع الاتفاق على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بينما يصل بعضها إلى سيناريو توقيع الاتفاق بين الشرع ونتنياهو، بحضور ترامب في البيت الأبيض. لكن أبعد من الخبر نفسه، لا بد أن ترتسم علامة استفهام كبيرة حول الدافع إلى توقيع اتفاق لا ضامن موثوقاً له، والتزام تل أبيب به موضع شكّ.
فهل هناك مثلاً تهديدات إسرائيلية تتجاوز الانتهاكات الحالية، وتجبر الشرع على قبول “ما لا مفرّ منه”؟ ثم إذا كانت المفاوضات على وشك الانتهاء في شهر تموز الفائت، عندما جاءت “أحداث السويداء بمثابة فخ مدبَر”، فمن هي القوى التي لا مصلحة لها في الاتفاق، وقادرة على تدبير الفخّ لعرقلة الاتفاق؟ وإذا كان الهجري (ومن يمثّل) متهمين بالعمالة لإسرائيل، فهل يستطيع التحرك لإفشال اتفاق تريده الحكومة الإسرائيلية؟ أم هناك ضمن طاقم حكومة الشرع مَن حاول عرقلة الاتفاق الذي كان على بعد أربعة أو خمسة أيام قبل أحداث السويداء بموجب تصريح سابق للشرع؟
هكذا لن ينتهي يوم أمس قبل شيوع الأخبار عن أن الاتفاق صار جاهزاً للتوقيع، وفق البنود المسرَّبة سابقاً بعموميتها. في كل الأحوال، المعطيات المتوفرة حتى الآن تشير إلى أن السلطة الانتقالية ستوقع اتفاقاً له آثار مستدامة، أي بما يخالف طبيعتها لجهة مخالفة طبيعة المرحلة الانتقالية، ولجهة عدم حصولها على تفويض بموجب صناديق الاقتراع. هذا التجاوز يجعل الصفقة برمّتها خارج النقاش العام. فالسلطة لا تقدّم معطيات واضحة حول “المكاسب” من صفقة يُشكّ في التزام الطرف الآخر بها، حتى إذا كانت المكاسب مقتصرة على تفادي الأسوأ.
ولا يخفى أن السلطة في سلوكها تستفيد من تسامح واسع، يجعل تصرفاتها حتى الآن فوق النقد. إلا أن موجة التسامح لا تؤسس وعياً سياسياً، فمعظمها يعود إلى النقمة على العهد السابق وتسيّره الغرائز، فضلاً عن وعي شعبوي يستسلم لخلاصات من قبيل التفوق الإسرائيلي المطلق، من دون ما يُشاع عن حنكة الشامي ومرونته معاً في اغتنام الفرص، وفي تفادي الأسوأ. الحديث عما هو أقل من معاهدة سلام، بهدف التخفيف من أهمية الاتفاقيات، هو في الجوهر دلالة على كونها أدنى بكثير مما يمكن تقديمه للسوريين بمكاشفة حقيقية. إلا أن التهوين من شأنها على هذا النحو لا يستر الواقع لمن يريد رؤيته، فالحق أن اتفاق سلام نهائي، لا ينتقص من السيادة السورية، هو أهون من اتفاق سيكون ورقة قوة إضافية للمفاوض الإسرائيلي إذا حانت لحظة السلام يوماً.
بعيداً عن العواطف والغرائز الحالية، لنتخيّلْ ردود الأفعال لو أن هذا الاتفاق ببنوده المسرَّبة كان سيُوقَّع قبل الثامن من كانون الأول/ديسمبر، ولنتخيَّل كيف ستكون الانتقادات خصوصاً لتزامن التوقيع مع مرحلة جديدة من الإبادة في غزة. هذه المقاربة تفضح، على الأقل، نفاق الجمهور المؤيد للاتفاق؛ النفاق الذي يعرفه ويفهم دوافعه، ويستثمر فيه بسهولة، حكامُ تل أبيب
. المصدر المدن