في لحظة سياسية ودستورية تتجاوز في دلالاتها حدود الخلاف الذي رافق جلسة إقرار قانون العفو العام، اتخذ نواف سلام موقفاً يستحق التوقف عنده، ليس فقط لأنه دافع عن صلاحياته كرئيس لمجلس الوزراء، بل لأنه وضع حداً، للمرة الأولى منذ عقود، لوهمٍ ترسّخ في الحياة السياسية اللبنانية منذ العام 1973، ومفاده أن الجيش يمكن أن يتحول إلى مؤسسة قائمة بذاتها، منفصلة عن القرار السياسي الذي تتولاه السلطة التنفيذية.
ما فعله نواف سلام لم يكن مجرد اشتباك شخصي مع وزير الدفاع ميشال منسى، ولا محاولة لفرض نفوذ سياسي على مؤسسة عسكرية. المسألة، في جوهرها، هي دفاع عن قاعدة دستورية أساسية: الجيش مؤسسة وطنية عريقة، لكن القرار المتعلق بالسياسة العامة للدولة لا يصدر عنها، بل عن السلطة السياسية صاحبة الصلاحية الدستورية.
لذلك فإن إصرار سلام على أن يتحدث باسم مجلس الوزراء، وأن تكون للحكومة كلمة واحدة أمام السلطة التشريعية، يستحق التهنئة لا الانتقاد. ففي بلد اعتاد على تعدد مراكز القرار، وعلى تحويل كل مؤسسة إلى مساحة نفوذ مستقلة، جاءت هذه المواجهة لتقول إن الدولة لا يمكن أن تُدار بمنطق الجزر المنفصلة، وإن المؤسسات، مهما بلغت أهميتها ومهما كانت صفتها، لا تستطيع أن تحل محل المؤسسات الدستورية المنتخبة.
سلطة متعددة الأصوات
الأهم أن سلام لم يدخل في سجال حول موقف الجيش من قانون العفو العام، بقدر ما دخل في نقاش حول من يملك حق التعبير عن موقف الحكومة أمام البرلمان، وهذه نقطة جوهرية في النظام البرلماني اللبناني.
فالمادة 64 من الدستور واضحة في تحديد موقع رئيس مجلس الوزراء. فهو الذي يمثل الحكومة ويتكلم باسمها، وهو الذي يتولى تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء. وهذه الصيغة ليست تفصيلاً شكلياً، بل تعكس مبدأ التضامن الوزاري الذي يقوم عليه العمل الحكومي في الأنظمة البرلمانية. الحكومة، عندما تقف أمام السلطة التشريعية، لا تتحول إلى مجموعة وزارات تتحدث كل واحدة منها بلغتها وموقفها، بل تظهر كسلطة تنفيذية واحدة، لها رئيس يمثلها ويتحدث باسمها.
هنا تحديداً تكمن المشكلة في السلوك الذي أقدم عليه وزير الدفاع، فحق الوزير في حضور جلسات مجلس النواب وطلب الكلام، وهو حق كرسته المادة 67، إلا أن ذلك لا يعني امتلاكه حق تقديم موقف حكومي مستقل أو مناقض للموقف الذي تمثله الحكومة. فالحديث هنا ليس عن حرمان الوزير من إبداء رأيه داخل مجلس الوزراء أو الدفاع عن مؤسسته أمام المرجعيات المختصة، بل عن محاولة نقل هذا الخلاف إلى المنبر التشريعي، بما يوحي بأن هناك سلطة تنفيذية بأكثر من صوت.
هذا التفسير يكتسب أهمية أكبر إذا جرى التمييز بين استقلال الوزير في إدارة شؤون وزارته اليومية وبين استقلاله في رسم موقف سياسي أو سيادي باسم الدولة. الوزير ليس موظفاً تابعاً لرئيس الحكومة بالمعنى الإداري الضيق، لكن ذلك لا يعني أن لكل وزير سياسة خارج إطار السياسة العامة التي يقرها مجلس الوزراء. وإلا انتقل النظام اللبناني من حكومة واحدة إلى مجموعة حكومات داخل الحكومة.
أما القول إن وزير الدفاع يستطيع أن يتحدث باسم المؤسسة العسكرية أمام مجلس النواب، بمعزل عن القرار الحكومي، فيفتح الباب أمام سابقة شديدة الخطورة. فإذا كان وزير الدفاع يستطيع أن يقدم موقفاً مستقلاً باسم الجيش، فلماذا لا يستطيع وزير الداخلية أن يفعل الأمر نفسه باسم قوى الأمن؟ ولماذا لا يستطيع وزير الخارجية إعلان سياسة خارجية مغايرة للسياسة التي قررتها الحكومة؟ ولماذا لا يستطيع أي وزير تحويل وزارته إلى مركز قرار مستقل؟
كان بإمكان رئيس الحكومة أن يترك المسألة تمر، وأن يتجنب المواجهة حفاظاً على الهدوء السياسي. لكنه اختار أن يضع حدوداً واضحة، لأن التنازل عن الصلاحية في هذه اللحظة قد يتحول إلى عرف دستوري في المستقبل، وما يبدو اليوم تفصيلاً إجرائياً قد يصبح غداً قاعدة سياسية تسمح بتشظي السلطة التنفيذية.
الجيش ليس طرفاً
تزداد قوة هذا الموقف عند العودة إلى قانون الدفاع الوطني. فالمؤسسة العسكرية، رغم خصوصيتها، تعمل ضمن منظومة الدولة وتحت سقف السياسة العامة التي تضعها السلطة السياسية. وإذا كانت هناك تحفظات مبدئية على قانون العفو العام، وخصوصاً ما يتعلق بموقوفين أدينوا أو اتهموا بالاعتداء على الجيش، فإن المكان الطبيعي لطرح هذه التحفظات هو مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للدفاع والمؤسسات الدستورية المختصة، لا تحويل جلسة نيابية تشريعية إلى ساحة مواجهة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية.
المشكلة إذاً لم تكن في مضمون التحفظ على العفو، إذ يمكن أن يكون هذا التحفظ مشروعاً ومفهوماً، بل في المكان والطريقة والمرجعية التي اختيرت للتعبير عنه.
فالجيش ليس طرفاً سياسياً، ولا يجوز أن يتحول إلى طرف في التجاذب السياسي. وقوة الجيش لا تُصان بإخراجه من منظومة القرار الدستوري، بل على العكس، تُصان بتأكيد تبعيته للدولة ومؤسساتها الشرعية. وكلما كان الجيش بعيداً عن التجاذبات السياسية، كان أكثر قوة وهيبة واحتراماً.
لذلك، فإن موقف نواف سلام لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره معركة مع وزير الدفاع، ولا باعتباره محاولة للحد من دور الجيش. العكس هو الصحيح. إنها معركة لتحديد موقع الجيش الصحيح داخل الدولة، وموقع الوزير الصحيح داخل الحكومة، وموقع رئيس الحكومة الصحيح داخل منظومة الحكم والتشريع.
لقد وضع سلام إصبعه على جرح مزمن في النظام، وهو كثرة المرجعيات وتعدد مراكز القرار. فمنذ عقود، تعايش لبنان مع فكرة أن بعض المؤسسات أو القوى تستطيع أن تملك هامشاً خاصاً يتجاوز القرار الحكومي، لكن بناء الدولة يبدأ من مكان آخر، وهو الاعتراف بأن المؤسسات كلها، على اختلاف أدوارها، تعمل ضمن دستور واحد وسلطة عامة واحدة.
إذا كان لبنان يريد فعلاً أن يبني دولة مؤسسات، فإن الخطوة الأولى ليست في رفع الشعارات حول سيادة الدولة، بل في احترام قواعدها. وما فعله نواف سلام هو دفاع عن هذه القواعد: مجلس الوزراء يضع السياسة العامة، ورئيس الحكومة يمثلها ويتحدث باسمها، والوزراء يمارسون صلاحياتهم ضمن هذا الإطار، والجيش يبقى مؤسسة وطنية، لكن تحت سقف الدولة وقرارها الدستوري.
في هذه المعادلة، لم يكن سلام يدافع عن صلاحياته فقط، بل كان يدافع عن رئاسة الحكومة، وعن التضامن الوزاري، وعن جوهر اتفاق الطائف، وعن فكرة الدولة التي لا يمكن أن تستقيم ما لم يكن قرارها واحداً، ومرجعيتها واضحة، وصلاحيات مؤسساتها محددة، وهذا ليس تفصيلاً أو مماحكة سياسية، بل خطوة تأسيسية تستحق التهنئة.
