ملخص
أشار معهد دراسات الحرب الأميركي إلى تصريح بوتين قبيل زيارته لهذه الجزيرة المتنازع عليها، بأن موسكو بحاجة إلى “ضمان أمن الدولة الروسية على جميع حدودها، وفي جميع أراضيها”، معتبراً ذلك جديراً بالملاحظة. ويكتسب هذا التصريح من جانب بوتين أهمية خاصة في سياق العمليات الجوية الروسية المتكررة، والتي، كما ورد في الكتاب الأبيض، تجبر اليابان على إرسال طائراتها رداً على ذلك، إذ إن موسكو تستخدم جزيرة إيتوروب (إيتوروفو) كقاعدة جوية رئيسة لها في المنطقة.
نكأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جراحاً قديمة غائرة في علاقات بلاده مع اليابان، بزيارته الأولى يوم الـ13 من أغسطس (آب) الجاري إلى جزر الكوريل، التي تعدها اليابان محتلة. ويبدو أن هذه الزيارة التي استدرجت ردود فعل صاخبة من طوكيو، لم تكن عفوية لا في توقيتها ولا في أهدافها ومراميها، لأنها اعتبرت رداً على سياسة العسكرة الأكثر حزماً التي تبنتها اليابان أخيراً، وعلى دعمها المتواصل لأوكرانيا وفرضها كثيراً من العقوبات على روسيا بالتساوق مع الغرب الجماعي، في موقفه الداعم لكييف بمواجهة العملية العسكرية الروسية الخاصة، وفق الاستنتاج الذي عبّر عنه معهد دراسة الحرب الأميركي في تقريره الجديد.
ويؤكد خبراء معهد دراسات الحرب (ISW) أن وزارة الدفاع اليابانية نشرت في الرابع من أغسطس (آب) كتاباً أبيض جديداً، وهو تقرير سنوي يحدد استراتيجية السياسة الدفاعية للبلاد. وقد أدرجت طوكيو في هذا الكتاب روسيا ضمن أبرز التهديدات الخطرة لليابان. بالتالي، يرى محللو المعهد أن زيارة بوتين إلى جزيرة إيتوروب، أكبر جزر الكوريل الأربع المتنازع عليها بين البلدين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، “من المرجح أن تكون جزءاً من رد الكرملين على الكتاب الأبيض. وتهدف إلى تقويض جهود رئيسة الوزراء اليابانية سناء تاكايتشي لتعزيز القدرات الدفاعية لليابان”.
وزار الرئيس الروسي، من بين أمور أخرى، مصنع “ياسني” لتعليب الأسماك، حيث قُدمت له أنواع مختلفة من الكافيار، لتبدو زيارة بريئة من الأهداف والمعاني السياسية. لكن هذه أول زيارة يقوم بها مسؤول روسي رفيع المستوى إلى جزر الكوريل منذ 16 عاماً، إذ زار الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف عام 2010 جزيرة إيتوروب، وذكرت وكالة “تاس” أن هذه هي أول زيارة يقوم بها بوتين إلى جزر الكوريل منذ وصوله إلى سدة الرئاسة عام 2000.
قلق روسي
وأشار معهد دراسات الحرب الأميركي إلى تصريح بوتين قبيل زيارته لهذه الجزيرة المتنازع عليها، بأن موسكو بحاجة إلى “ضمان أمن الدولة الروسية على جميع حدودها، وفي جميع أراضيها”، معتبراً ذلك جديراً بالملاحظة. ويكتسب هذا التصريح من جانب بوتين أهمية خاصة في سياق العمليات الجوية الروسية المتكررة، والتي، كما ورد في الكتاب الأبيض، تجبر اليابان على إرسال طائراتها رداً على ذلك، إذ إن موسكو تستخدم جزيرة إيتوروب (إيتوروفو) كقاعدة جوية رئيسة لها في المنطقة.
أدلى بوتين بهذا التصريح قبل يوم من رحلته إلى جزر الكوريل، خلال رعايته مناورات عسكرية لبحرية بلاده في سخالين يوم الـ12 من أغسطس. وهناك، اعتبر أن روسيا تعد إصرار اليابان على السيادة على جزر الكوريل تهديداً. كما انتقد الحكومة اليابانية الحالية ودعاها إلى العودة بالعلاقات مع موسكو إلى ما كانت عليه في عهد رئيس الوزراء السابق شينزو آبي. وصرّح بأن العلاقات بين موسكو وطوكيو في عهد آبي كانت بناءة، لكن موقف القيادة اليابانية قد تغيّر الآن. وذكرت وكالة “تاس” أن بوتين أعلن، خلال مناورات أسطول المحيط الهادئ، تغييراً في موقف اليابان من قضية جزر الكوريل. ووفقاً لبوتين، في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وقّع الاتحاد السوفياتي واليابان إعلاناً مهّد الطريق لمزيد من التقدم نحو اتفاق سلام. إلا أن طوكيو تخلّت لاحقاً عن الاتفاق. وأشار بعيد وصوله إلى الجزيرة المتنازع عليها إلى فرض طوكيو عقوبات غير مبررة على موسكو.
من جانبه، أكد قائد الأسطول الروسي في المحيط الهادئ فيكتور لينا، الذي استمع بوتين إلى تقريره، المبادئ الأساسية لخطاب الرئيس المناهض لليابان. وذكر معهد دراسات الحرب أن لينا انتقد تحديداً سياسة العسكرة اليابانية وميزانيتها. ويرى محللون أن هذه التصريحات من بوتين ولينا تهدف على الأرجح إلى تقويض جهود اليابان لتعزيز قدراتها الدفاعية ومعالجة مخاوفها الأمنية.
في غضون ذلك، سارع الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي الحالي ديمتري ميدفيديف، الذي زار جزر الكوريل أربع مرات في السنوات الأخيرة، إلى توجيه تهديدات ضد طوكيو رداً على الانتقادات اليابانية. وعلّق ميدفيديف على تصريح رئيسة الوزراء اليابانية بأن جزر الكوريل أراضٍ يابانية، وقال في منشور على شبكة التواصل الاجتماعي “إكس” بلهجة حادة “لن تُغيّر هذه التصريحات شيئاً”، واصفاً الجزر أيضاً بأنها “أراضٍ روسية”. وهدّد قائلاً “كل من لا يفهم هذا سيواجه العواقب الوخيمة لأوهامه”.
وجاءت زيارة بوتين لجزر الكوريل ورد فعل موسكو على الكتاب الأبيض في خضم رد فعل صيني حاد على سياسة العسكرة اليابانية الجديدة. إذ اتهمت بكين طوكيو بـ”تضخيم” التهديد الذي تشكله الصين واستخدامه ذريعة لإعادة التسلح. وفي تقريرهم أشار محللو معهد دراسات الحرب إلى أن بوتين ربما سعى إلى “الإشارة إلى ضرورة تعديل اليابان لسياستها الدفاعية والالتزام بسياسات عدم التسلح التي انتهجتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بما يتوافق مع المصالح الروسية، مع الحفاظ على مسافة خطابية معينة من رد الفعل الصيني الحاد على الكتاب الأبيض الياباني لعام 2026”.
وانحازت بكين إلى جانب موسكو في الجولة الأخيرة من النزاع على الجزيرة. ورداً على استياء طوكيو من زيارة بوتين إلى إيتوروب، ذكّر المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون، اليابان بالحدود التي رسمها الحلفاء بعد الحرب. وقال “لطالما دعت الصين إلى احترام نتائج النصر في الحرب العالمية ضد الفاشية والحفاظ عليها. وتحث الصين اليابان على الالتزام بالنظام الدولي الذي تم تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية، استناداً إلى الوثائق القانونية الدولية مثل إعلان القاهرة ومعاهدة بوتسدام”.
ردود يابانية
أثارت زيارة بوتين لجزر الكوريل غضباً عارماً في اليابان. فصرّحت رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي فور وصول الرئيس الروسي إلى الجزر المتنازع عليها، بأن زيارة بوتين “تُسيء إلى مشاعر الشعب الياباني، وهي غير مقبولة بتاتاً”. وأكدت قائلة “نأمل أن يُدرك الجانب الروسي تماماً خطورة هذا الأمر”. كما ذكّرت بأن جزر الكوريل هي أراضٍ يابانية خالصة “من منظور التاريخ والقانون الدولي”، ومن ثم فإن تصرفات بوتين “قد زادت من حدة الموقف الياباني تجاه روسيا”.
وفي حديثها عن حال العلاقات الثنائية عقب زيارة بوتين لجزر الكوريل، صرّحت تاكايتشي بأن الزيارة “زادت من حدة المشاعر المعادية لروسيا في اليابان، وعقّدت عملية إعادة بناء العلاقات على المديين المتوسط والطويل”. ودعت روسيا إلى “إدراك خطورة الموقف تماماً”.
وقبل ذلك، أكدت تاكايتشي استمرار مسار حل النزاع الحدودي من دون تغيير. إلا أن المتحدث باسم الرئيس الروسي، ديمتري بيسكوف أعلن في وقت لاحق، أن السلطات اليابانية الحالية اختارت طريق المواجهة.
بدوره، أعرب وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي عن احتجاجه الشديد على زيارة بوتين. وقال “إن الأراضي الشمالية (كما تسمي اليابان جزر الكوريل)، بما فيها إيتوروفو، هي أراضٍ يابانية غير قابلة للتصرف، تاريخياً وبموجب القانون الدولي. وتعترض اليابان بشدة على هذه الزيارة”. كما استدعت وزارة الخارجية اليابانية السفير الروسي في طوكيو لتقديم احتجاج رسمي.
وجزر الكوريل هي سلسلة جزر تفصل بحر أوخوتسك عن المحيط الهادئ. وتمتد هذه الجزر لمسافة 1300 كيلومتر تقريباً من جزيرة هوكايدو اليابانية الشمالية إلى الطرف الجنوبي لشبه جزيرة كامتشاتكا الروسية.
في القرن الـ19 وبعد نزاع حدودي طويل، أُبرمت سلسلة من المعاهدات الروسية اليابانية التي ضمنت سيطرة اليابان على جزر الكوريل. وبموجب معاهدة “سانت بطرسبرغ” لعام 1875، تنازلت روسيا عن جزر الكوريل الشمالية، التي كانت تسيطر عليها، لليابان مقابل الجزء الجنوبي من جزيرة سخالين الخاضع لسيطرة اليابان. في ذلك الوقت، رُسمت الحدود بين الإمبراطوريتين الروسية واليابانية في هذه المنطقة عبر المضيق الواصل بين رأس لوباتكا في كامتشاتكا وجزيرة شومشو في جزر الكوريل، مما يعني أن اليابان كانت تملك سلسلة الجزر بأكملها.
في نهاية الحرب العالمية الثانية، التي حاربت فيها اليابان إلى جانب ألمانيا النازية، احتلت قوات الجيش الأحمر السوفياتي جزر الكوريل، وضمت الإقليم بحكم الأمر الواقع، وقامت بترحيل نحو 17 ألفاً من السكان اليابانيين.
لذلك، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تُبرم اليابان وروسيا (وقبل ذلك، الاتحاد السوفياتي) معاهدة سلام بسبب النزاع الحدودي على جزر الكوريل. ولهذا السبب تحديداً لم يوقع الاتحاد السوفياتي ودول حلف وارسو على معاهدة “سان فرانسيسكو” لعام 1951، التي أبرمتها اليابان مع الولايات المتحدة و48 دولة حليفة أخرى، والتي أعادت لليابان بعد هزيمتها الساحقة في الحرب العالمية الثانية مكانتها كدولة كاملة العضوية في المجتمع الدولي.
بموجب هذه المعاهدة، وافقت اليابان على “التنازل عن جميع الحقوق والمطالبات المتعلقة بجزر الكوريل، وكذلك ذلك الجزء من جزيرة سخالين والجزر المجاورة التي اكتسبت اليابان سيادتها عليها بموجب معاهدة “بورتسموث” في الخامس من سبتمبر (أيلول) 1905 (بعد الحرب الروسية اليابانية الكارثية التي شنتها موسكو). ومع ذلك، اتفقت الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، على أنه لا يمكن الاعتراف رسمياً بالجزر اليابانية المحتلة كأراضٍ سوفياتية، إذ لا يحق للدول التي لم توقع على معاهدة “سان فرانسيسكو” (الاتحاد السوفيتي) المطالبة بأية أراضٍ. علاوة على ذلك، تُجادل اليابان منذ عقود بأن الجزء الجنوبي من جزر الكوريل لا ينتمي، جيولوجياً وتقنياً، إلى سلسلة جبال كوريل الكبرى، ولم تتنازل طوكيو قط عن سيادتها على هذه الجزر.
في عام 1956، وقع الاتحاد السوفياتي إعلاناً مع اليابان يتعهد فيه إعادة جزيرتي شيكوتان وهابوماي بعد إبرام معاهدة سلام، لكن المعاهدة لم تبرم قط بسبب الموقف الياباني المطالب باستعادة كل الجزر الأربع، وقامت موسكو لاحقاً بسحب التزاماتها. وهكذا، أصبحت جزر الكوريل الجنوبية الأربع الأقرب إلى اليابان محور نزاع طويل الأمد بين موسكو وطوكيو. إذ تعدها روسيا جزءاً من أراضيها، بينما تسميها اليابان أراضيها الشمالية.
وتقع أربع جزر في قلب النزاع بمنطقة كوريل الجنوبية، الأقرب إلى اليابان: إيتوروفو (تسميها روسيا إيتوروب، وهي الجزيرة التي زارها بوتين يوم الـ13 من أغسطس) وكوناشير وشيكوتان ومجموعة جزر هابوماي.
بعد ترحيل اليابانيين، يقيم نحو 20 ألف مواطن روسي في هذه الجزر الغنية جداً بمواردها السمكية ومادة الكافيار ومناظرها وطبيعتها الخلابة. وفي الوقت ذاته، لا تعترف اليابان أبداً باستيلاء روسيا الفعلي على الجزر، على رغم أنها لم تحاول قط استعادتها بالقوة. ومع ذلك، تدين طوكيو بشدة أي زيارات يقوم بها مسؤولون روس إلى جزر الكوريل.
مشاعر متناقضة
“يا له من طقس رائع هنا! إنه أشبه بمنتجع!” هكذا أعلن بوتين وهو يلتقي مجموعة من مواطنيه المقيمين في جزيرة إيتوروب، فمازحته إحدى النساء رداً على ذلك “كنا نظن أنك أنت من رتب هذا الأمر”. أعجب بوتين بالمزحة. وانتهت سلسلة قصيرة من المحادثات، بما في ذلك محادثة مع طفلين، بهتاف سكان جزر الكوريل قائلين “شكراً لك يا فلاديمير فلاديميروفيتش! نحن ندعمك”.
“من واجبنا المشترك ضمان أمن الدولة الروسية على جميع حدودها وفي جميع أراضيها”، هكذا حدد بوتين المهمة للجيش الروسي المرابط هناك، ولنفسه أيضاً. وبعد ذلك مباشرة، قرر أن يوضح بجلاء ما تعنيه عبارة “جميع الحدود وجميع الأراضي”.
صحيح أن برنامج زيارة بوتين لجزيرة إيتوروب كان مدنياً بامتياز، لكنه حمل دلالات عسكرية وسياسية بالغة الأهمية، إذ لم يكن من المتاح لليابانيين ألا يشعروا بذلك، وأن يفوتهم توقيت هذه الزيارة في وقت تمر علاقات روسيا مع الغرب الجماعي وحلف شمال الأطلسي والدول الآسيوية المؤيدة له بأسوأ أزماتها.
لذلك قال ماساتوشي إيشيغاكي، رئيس بلدية نيمورو، وهي مدينة ساحلية تقع شرق هوكايدو، الأقرب إلى الأراضي الشمالية، إن زيارة بوتين “تؤذي مشاعر الناس الذين يريدون استعادة الجزر”. كما دعا إيشيغاكي الحكومة اليابانية إلى بذل “كل جهد ممكن” لاستئناف مفاوضات معاهدة السلام.
وجمعت صحيفة “ماينيتشي شيمبون” اليابانية آراء سكان نيمورو. فقالت امرأة تبلغ من العمر 89 سنة، كانت تقيم سابقاً في إيتوروب “لماذا إيتوروفو؟ أشعر بالحزن والصدمة”. وأشارت إلى أن الزيارة، التي أتت قبيل 15 أغسطس (ذكرى استسلام اليابان، حيث يُحيي السكان ذكرى من قضوا في الحرب العالمية الثانية) “توحي بنوع من التخطيط المسبق”. واعترف أحد سكان نيمورو، البالغ من العمر 78 سنة، الذي وُلد على متن السفينة التي أجلت اليابانيين من إيتوروب بعد الحرب، بأنه “صُدم” من زيارة بوتين. وأوضح قائلاً “هناك شعور متزايد بأن الجزر قد لا تعود أبداً”.
وأوقفت موسكو رسمياً مناقشة معاهدة السلام في الـ21 من مارس (آذار) 2022، أي بعد أقل من شهر من شن عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا. وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية الروسية آنذاك، أنه “من المستحيل مناقشة توقيع وثيقة أساسية في شأن العلاقات الثنائية مع دولة تتخذ موقفاً عدائياً صريحاً”. كما أدى القرار نفسه إلى تقليص إمكانية سفر المواطنين اليابانيين إلى جزر الكوريل الجنوبية من دون تأشيرة، وتقييد الحوار حول الأنشطة الاقتصادية المشتركة.
توقفت رحلات سكان الجزر السابقين لزيارة قبور أجدادهم في وقت سابق عام 2020، أولاً بسبب جائحة كورونا، ثم بسبب الحرب. والآن، يُخلّد ذكرى الموتى عبر البحر: إذ تقترب مجموعات من السكان السابقين من الجزر بالسفن، في حدود ما يسمح به النظام الحالي، ويقيمون مراسم على متنها. وأوضح حاكم هوكايدو، ناوميتشي سوزوكي ، أن متوسط أعمار سكان تلك الجزر السابقين قد تجاوز الـ90 عاماً، وأن “الرغبة عميقة لديهم” في رؤية أوطانهم.
ولم تُبدِ موسكو أي استعداد للحوار. فعلى سبيل المثال، قدّم فلاديمير ميدينسكي، مساعد بوتين والمؤلف المشارك لـ”الكتاب المدرسي الموحد” للتاريخ، دورة مكثفة لقراء قناته على تطبيق “تيليغرام”، متوصلاً إلى استنتاج واضح بالنسبة إليه، ولكن ليس بالنسبة إلى اليابانيين “جزر الكوريل تنتمي إلى روسيا بحق لا جدال فيه في الاكتشاف والتطوير الرائد والانتصار في الحرب العالمية الثانية”.
موقف بوتين واضح، لا سيما من تصريحاته على متن حاملة الطائرات “فارياغ”، فقد استذكر أن اليابان، ولأول مرة، أدرجت روسيا ضمن المصادر الرئيسة للتهديدات في وثائق عقيدتها العسكرية (مع أن صياغة عام 2026 تُكرر في الواقع صياغة استُخدمت مراراً منذ عام 2022). وأضاف بوتين أن موسكو، مع ذلك، ليس لديها أي شكاوى ضد جارتها.
الوثيقة المعنية هي الكتاب الأبيض للدفاع عام 2026، الذي ينص على أن روسيا “تواصل نشاطها العسكري النشط حول اليابان، بما في ذلك نشر معدات متطورة في الشرق الأقصى”، وأن علاقاتها الوثيقة المتزايدة مع الصين وكوريا الشمالية تسبب “قلقاً بالغاً”.
تعقيد العلاقات
اتبعت اليابان سياسة العقوبات الغربية ضد روسيا. وقد فرضت عقوبات على روسيا بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014. ومع ذلك، أشار عديد من الخبراء في ذلك الوقت إلى أن حزمة العقوبات كانت رمزية بحتة، ولم تكن لدى القيادة اليابانية العليا نية حقيقية للتخلي عن التعاون الاقتصادي مع موسكو.
في عهد شينزو آبي، وبعد عام 2014، طبقت الدول خطة تعاون اقتصادي من ثماني نقاط. إلا أنه بعد 24 فبراير (شباط) 2022، أصبح رد الحكومة اليابانية أكثر صرامة بصورة ملحوظة، وأصبحت العقوبات الآن واسعة النطاق تقريباً كتلك التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، إلا أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تنهر تماماً.
ولا تعارض واشنطن هذا التعاون، وقد أدرجت استثناءات مناسبة في تشريعات العقوبات. في 11 يونيو (حزيران) 2026، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح بالنقل البحري للنفط المستخرج من مشروع “سخالين-2” حتى 18 ديسمبر (كانون الأول) 2026، شريطة أن تكون الشحنة متجهة إلى اليابان.
علاوة على ذلك، في ربيع عام 2026، أُضيف النفط إلى الغاز، وهو ابتكار مهم، وليس نتيجة سنوات من الركود، كما كانت الحال مع الغاز. قبل النزاع الإيراني، كانت أكثر من 90 في المئة من واردات اليابان من النفط تأتي من الشرق الأوسط، وقد أجبر حصار مضيق هرمز طوكيو على البحث بنشاط عن موردين بديلين، بما في ذلك روسيا. في الرابع من مايو (أيار)، وصل خام سخالين بلند إلى مصفاة شركة تايو أويل، بناء على طلب مباشر من وزارة الاقتصاد اليابانية. ثم قبلت شركة “فوجي أويل” النفط الروسي.
وأشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة “تمبل” باليابان، جيمس براون عبر مقال له في “كارنيغي بوليتيكا”، “في السياسة الخارجية، غالباً ما تتطلع اليابان إلى حليفها الرئيس، الولايات المتحدة”. شارحاً الأساس المنطقي وراء شحنات النفط التجريبية، وغير ذلك، بالقول “بالنظر إلى موقف ترمب الإيجابي تجاه بوتين، يمكن لطوكيو أن تثق بأنها لن تتعرض لانتقادات من واشنطن لمحاولتها إعادة التجارة جزئياً مع موسكو”.
ولكن، قبل الحرب الشاملة في أوكرانيا في فبراير 2022، كان نادي الأعمال الياباني في موسكو يضم حوالى 180 شركة كأعضاء. وبحلول أبريل (نيسان) 2026، انخفض عدد الشركات الأعضاء إلى 116 شركة، أي ما يعادل 64 في المئة من مستواه قبل الحرب.
واشتدت حدة الخطاب الدبلوماسي الياباني بعد العملية الروسية الشاملة ضد أوكرانيا في فبراير 2022. حينها، بدأت وزارة الخارجية اليابانية، ولأول مرة منذ نحو 20 عاماً، بالإشارة إلى جزر الكوريل بأنها “محتلة بشكل غير قانوني” في وثائقها الرسمية. وكان آخر استخدام لهذا المصطلح عام 2003. ومع ذلك، وفي خضم محاولات غير مجدية لحل النزاع الإقليمي ومفاوضات مع روسيا، خففت اليابان لاحقاً من لهجتها الدبلوماسية، واصفة النزاع بأنه “أكبر مشكلة بين اليابان وروسيا”، مع إصرارها في الوقت ذاته على سيادتها.
في الوقت ذاته، لا تعد روسيا جزر الكوريل جزءاً من أراضيها فحسب، بل حولتها على مر السنين إلى منطقة عسكرية ذات أهمية استراتيجية. فعلى مدى العقد الماضي، عززت روسيا وجودها العسكري في جزر الكوريل، وتستخدم موسكو جزيرة إيتوروب (إيتوروفو باليابانية) كقاعدة جوية رئيسة لها في المنطقة.
علاوة على ذلك، في يوليو (تموز) الماضي، وخلال مناورات بحرية روسية – صينية مشتركة، عبرت سفن حربية من كلا البلدين المضيق بالقرب من جزر الكوريل في إبحار استعراضي. وتُجري روسيا بانتظام مناوراتها العسكرية الخاصة في المنطقة، مما يُثير في كل مرة استنكاراً من اليابان. وتُولي روسيا اهتماماً بالغاً بالموقع الجغرافي الاستراتيجي لجزر الكوريل، باعتبارها طريقاً إلى قواعد أسطولها في المحيط الهادئ.
قبل زيارة بوتين، زار مسؤولون كبار في الكرملين جزر الكوريل خمس مرات. كان آخرها زيارة رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين، لجزر الكوريل عام 2021، وعقب هذه الزيارات تستدعي اليابان عادة السفراء الروس، معربة رسمياً عن احتجاج طوكيو، ومُدينة علناً هذه الزيارات الاستعراضية.
على رغم أن اليابان انحازت بوضوح إلى جانب الغرب في صراع أوكرانيا وانضمت إلى العقوبات الغربية، فإنها لم تقطع علاقاتها مع روسيا، سواء العلاقات التجارية والاقتصادية أو العلاقات الثقافية أو السياحة.
في ربيع هذا العام، زار وفد من طوكيو موسكو، وبدأت مصافي النفط اليابانية باستقبال نفط سخالين الروسي، إلا أنه لم تبرز بعد أي بوادر لتطبيع العلاقات بين البلدين في المستقبل القريب، بسبب تناقض السياسات وتعارض الإرادات، على رغم تقارب المصالح الاقتصادية والتجارية وتطابقها أحياناً.
