ملخص
يتناول الكاتب المغربي عبدالسلام بنعبد العالي في كتابه “عبدالكبير الخطيبي، نحو فكر مغاير”، الصادر حديثاً عن دار المتوسط، مشروع “الفكر المغاير” لدى المفكر وعالم الاجتماع المغربي، صاحب كتاب “الاسم العربي الجريح”.
لا جدال في أن للفلسفة الحديثة والفكر بعامة دوراً في النهضة، سواء في الغرب أم في الشرق، وأن إنكار فضلهما في تقدم الشعوب والمجتمعات من شأنه أن يسرع دخولها في متاهات الظلامية واللامعنى، وعبثية السعي إلى المال والسلطة ومآلاتهما المأزومة. وفي هذا الشأن، لا ينقطع سيل الكتابات والأبحاث، في الغرب، لاستعادة آثار الفلاسفة القدامى منهم والمحدثين، ومعاودة النظر في جزئيات كانت لا تزال طي الكتمان، أو غير معروضة للبحث من وجهات نظر حديثة أو محدثة. وفي هذا التواصل الفكري والفلسفي خير دليل على العرفان الذي يكنه المحدثون للفلاسفة الأقدمين أو السابقين.
يجري الكاتب المغربي عبدالسلام بنعبدالعالي تعريفاً مختصراً عن المفكر المغربي، وعالم الاجتماع، والناقد الأدبي، والروائي الناطق بالفرنسية عبدالكبير الخطيبي (1938-2009) الذي لم يحسب نفسه فيلسوفاً، وإنما هو ناقد للفلسفة الغربية، وعاملاً على بناء “الفكر المغاير”. ولئن قال الخطيبي عن نفسه “لا أعتبر نفسي فيلسوفاً ولا مفكراً، وبالأحرى عالم اجتماع” (ص:8)، فإنه لا يني يستخدم التفكير الفلسفي بمثابة عناصر كتابة، وقد يكون فكره فلسفة جديدة أو رداً على نموذجين فلسفيين؛ ماركسي قديم وبال، ومشرقي تقليدي وإيماني ومتشبث بالتقاليد.
يشرح الكاتب بنعبدالعالي، بإيجاز بليغ فكر عبدالكبير الخطيبي، بلسان المفكر، المدرك لمكانته، وللواقع الفكري “المغربي” الذي يتحرك فيه، بالقول: “حقاً، يكون المحاضر غربياً وشرقياً في مسألة المغرب. لماذا؟ لأن وجود المغرب بين الغرب والشرق، بين المغرب والمشرق، بين التاريخ وما قبل التاريخ، بين الميتافيزيقا وما يناقضها، بين العرب والبربر، بين الدين والسحر، بين القبيلة والإقطاعية من جهة، والرأسمالية من جهة أخرى، بين- بين…”. (ص:12)
وبهذا الشأن يمكن القول إن ثمة تقاطعات مهمة بين المفكر المغربي الخطيبي والمفكرين العرب أمثال: ناصيف نصار، ورينيه حبشي، وجورج قرم، ومهدي عامل، وعبدالرحمن بدوي، وعبدالوهاب المسيري، ومراد وهبة وآخرين ممن طرحوا إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب في أعمالهم الفكرية والفلسفية.
في الاختلاف
كان عبدالكبير الخطيبي، بحسب الكاتب عبدالسلام بنعبدالعالي، من أكثر المفكرين المغاربة الذين اختاروا الانخراط في الثقافة الغربية والكتابة بالفرنسية، أوضحهم انهماماً بقضايا المجتمع المغربي، على ضوء الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وأكثرهم انشغالاً في البحث عن موقع للفلسفة العربية عموماً، والفلسفة المغربية خصوصاً، وسط المجال الفلسفي المعاصر. ولكن الخطيبي لم يكن ليجادل في الفلسفة، ولا يتشدد في استخدام المصطلحات الفلسفية الصارمة، أو يعمل على تفكيك المفاهيم الفلسفية، ولا نجد لديه الصبر الفلسفي في ملاحقة الطرح ونقيضه، ولا نرى لديه النزعة إلى مناقشة المفاهيم، على نحو منطقي، متأن.
والأجدر تسميته بأنه مفكر يؤرخ للفلسفة، والفكر المغربيين، ويجهد في فهم الذات (المغربية) في مختلف مكوناتها، وعناصرها والعوامل الفاعلة فيها، علاقاتها مع الآخر المختلف لغة وأدباً وتاريخاً ومفاهيم. ومن أجل هذا رأى الخطيبي أن يوسم فكره بالاختلاف نقيضاً للانغلاق في ذاتية محصورة الحدود، أحادية اللغة والتراث والتاريخ والجغرافيا.
وبناء عليه، يُعد فكر الخطيبي معادياً للاختزالية والانغلاق على الذات. ولئن اختار محاورة الغرب بذكاء، فإنه مدرك أن مسألة الآخر ماثلة بقوة في مخيال المغرب ومعيشه وتكوينه الفكري، على حد سواء. لذا نجد أن أعمال الخطيبي تهدف إلى إعادة اكتشاف صورة الغرب، بخلاف ما ورثه عنه من التاريخ الاستعماري. وبالتالي، يتمثل لديه هذا الآخر على صورته الواقعية، أو المثالية، ولكن غير المشوهة. ولعل هذا ما يخلص إليه من يتتبع أعماله السردية في الذاكرة الموشومة، وصيف في ستوكهولم، وكتاب الدم، وغيرها.
من الوحدة اللاهوتية إلى التعدد
وبهذا الشأن، يميز الخطيبي بين مفهومين عن الاختلاف، متعارضين عن الوحدة والتوحيد؛ فالتوحيد، بحسب المفهوم التقليدي الميتافيزيقي، هو إرجاع العناصر كلها إلى عنصر أساس، بحيث تغيب كل تفردات العناصر الأخرى. وهذا ما يؤدي، بحسبه، إلى إلغاء التعدد واختزاله. ونقيض التوحيد هو التعدد بلا شك، وهو المسار الأصوب والأقدر على البقاء، والأقرب إلى طبيعة المجتمعات المتعددة، ومنها المجتمع المغربي.
فعلى سبيل المثال، يتابع الخطيبي، “لنأخذ الإنسان العربي، وعلى وجه الخصوص الإنسان المغربي، فإننا نلاحظ أنه يحمل في أعماقه كل ماضيه قبل الإسلامي والإسلامي والبربري والعربي والغربي. أهم شيء إذاً هو ألا نغفل هذه الهوية المتعددة التي تكون هذا الكائن. ومن ناحية أخرى، يجب أن نفكر في الوحدة الممكنة بين هذه العناصر جميعاً”. (ص:29)
في التقنية
ومن أهم النقاط في فكر الخطيبي، بحسب الكاتب بنعبدالعالي، إصرار المفكر على اعتبار مسألة التقنية غير ثانوية، باعتباره أن على الخطاب العربي المعاصر أن يتحرر من سجنه اللاهوتي، ويدخل في حوار حقيقي مع الخارج (الآخر)، وأن يأخذ مسألة “الوجود-في العالم” على محمل الجد؛ وبالتالي، يصير عليه أن يعيد النظر في مسألة التقنية، فلا تعود شأناً عملياتياً، أو مصدراً لآلات تخدم أغراضاً مادية قليلة الاعتبار، وإنما يرى إلى “تبنيها على أنه تبن للقيم التي تجسدها”.
ويناقش المفكر الخطيبي مسألة التقنية، متبنياً الموقف الهايدغري منها، إذ التقنية باتت نمطاً لتجلي الموجود، وأن الإنسان نفسه أُدرج في مخططات هذه التقنية الهادفة إلى الإنتاج. ولئن يُعاب على هذه الرؤية جعل الإنسان جزءاً من مخططات التقنية، وبالتالي تغييبه عن رؤية كونية أشمل تعود فيها التقنية خادمة لخير الكون، لا الإنسان فحسب، فإن المفكر الخطيبي شاء التدليل على قصور في نظرة العرب (ومنهم المغاربة) إلى مسألة التقنية ذات الحضور القوي، ولكن بغائية قاصرة، لا سيما في الفكر السلفي والتقليدي.
في التراث والثقافة الشعبية
ويناقش الخطيبي، في كتاباته، مسألة التراث، فيعرفه بأنه “الرجوع إلى ما نسيناه، وهذا الرجوع هو تحرك الجسم وتحرك العقل، أي الجذور الطبيعية والتاريخية التي تحدد كيان الإنسان” (ص:32). ولا يكتفي بذلك، بل يدعو إلى النظر في التراث المغربي، العائد إلى التاريخ البربري والروماني والفينيقي، بمقدار ما يُنظر إلى تاريخ الإسلام والاستعمار الفرنسي والإسباني. أما الثقافة الشعبية- وهي جزء من التراث- التي لطالما كانت مستبعدة من البحث، فيرى وجوب تجديد النظر اليها باعتبارها “جسد الشعب” يتجلى في الأدب الشعبي، وآداب الصوفية وفي الوشم والرسم التشكيلي والغناء والرقص”. (ص:35)
يعد الخطيبي الازدواجية اللغوية مبدعة في ذاتها وخلاقة، لأنها تدفع الكاتب إلى اكتشاف لغته الخاصة. ذلك أن الكتابة، بنظره، هي فقدان ما نملك. وفي هذا السياق، يُعرف الخطيبي أنه من الكتاب الفرنكوفونيين الذين اختاروها للتعبير عن رؤيتهم للعالم، على الرغم من الاختلافات الكثيرة بين اللغة الأصل، العربية، واللغة الفرنسية أو الإسبانية ذات الجذر اللاتيني. وفي اعتباره أن كل لغة تصير أجنبية عن نفسها حالما تتجسد في الكتابة، إذ تنغرس (اللغة) في شجرة أنساب نصية تتجاوز صاحبها.
على أن الثنائية اللغوية، التي يفضلها الخطيبي على الأحادية، شأنه في النظر إلى هويته الثقافية والفكرية، تضع الكاتب دوماً في وضعية الترجمة، لأن هناك على الدوام حركة انتقال وترجمة بين لغتين، وحواراً خفياً بينهما يصعب رصده، وفهمه. ولا يعني هذا أن الازدواجية اللغوية هي مجرد علائق خارجية بين لغة وأخرى، بين المصدر والهدف، وفق ما يقول اللسانيون.
وفي موضع آخر من الكتاب الموجز (87 صفحة) يتحدث الكاتب عبدالسلام بنعبدالعالي عن نظرة الخطيبي إلى الثقافة الشعبية فيقول إن التراث “ثقافة عالمة” ومتون مكتوبة، وأخرى شفهية، و”آثار على الجسد”. وبهذا جمع في تعريفه بين الآثار المكتوبة، والتي تُعد بنظره خازنة للمعرفة المتراكمة عبر الزمن، متمثلاً في “الأدب الشعبي، وآداب الصوفية، وفي الوشم، والرسم التشكيلي الذي يستعمله الحرفيون، وفي روعة الغناء والرقص” (ص:35). ويضيف الكاتب أن “جسد الشعب” هذا (تراثه الشعبي) لطالما تناساه المثقفون العرب، باعتباره نامياً إلى الماضي البعيد. ولعل اعتراف رولان بارت بفضل الخطيبي عليه لتنبيهه إلى التراث الشعبي على هذه الصورة، ما يدل على أصالة النظر التقييمي للتراث عند الخطيبي، وعمق تحليله للنتاج المغربي غير المادي.
وفي كتابه المعنون “العربي الجريح” يتناول الخطيبي مكونات محددة من الثقافة الشعبية والعالمة، وهي: الوشم والأمثال، والحكاية الشعبية، والخط.” ويكون بذلك قد رسم جغرافية جديدة للثقافة والمتخيل الشعبي من خلال تحويل هذه الثقافة إلى موضوع للبحث. وبهذا يكون الخطيبي قد تجاوز المفهوم اللاهوتي الذي يتأبى النظر في الجسم (البدن) باعتباره حاملاً دلالة ثقافية، وحث الآخرين (من قومه) على التحرر من النظرة الدونية إلى الجسم.
وفي الختام، قد لا تكفي الالتفاتة إلى نتاج الخطيبي الرائد والمجدد في النقد والفكر المصاحب للإبداع. وإنما يحسن بالأجيال معاودة النظر في أعماله من وجهات علمية بينية للإفادة منها، ورسم آفاق أحدث انطلاقا منها، على ما كان يرغب.
