لم اكن اعلم أن الاسفنجة الطويلة التي كسرتها من منتصفها أسوةً بِأجيالٍ ستبدو كاستشرافٍ مُبكّر لوطنٍٍ مكسور؛ أطرافهُ العلوية مضغوطة نحو الأعلى، و اطرافه السفلية تهتز حسب شدة الحركة في الداخل. تلك الخيمة الطفولية كانت كوطنٍ صغير، وكبير، وكوطنٍ لضحكاتِ أجيالٍ بينما كانت الدنيا في سوريا تبدو ضاحكةً جداً. أمّا أنا فلم أَتوقع أن إرتفاع رأسي تحت تلك الخيمة يعادل حاجة سوريا الى أعمدة ترفعها، و سيعادل يوماً ما سوريا بمستقبلٍ مقصوف الرقبة، و بكرامات مهدورة، ولاعبين على المكشوف. فكيف تخيلتم تلك الخيمة الآن كوطن طفولي؟ أم جسد أم مكسورة الأجنحة؟!؟ قرابة ٢٠ عام، ونحن نلوك الخسائر، و نُدَرب قلوبنا على الصَدَعات، و نَهُز برأسنا للأجاويد الذين امتطوا صهوة الحقيقة في سورية باقلامٍهم الجريئة حتى صار عالم الكتابة كمضمار للرمي؛ بمتفرجين يرغبون بالتعلم والفائدة، و بمتبارين يرغبون بالمنافسة وبالشهرة، والحق يقول كَل الرُماة من داخل سوريا وخارجها لا قدرة لهم على تحقيق رغبة كافية ووافية في ظل غياب الوطن. منذ عام وأكثر، ومع صدورٍ انتفخت من الحال، صير الكثيرون اوطاناً لهم، فضاقت حدودُ الوطن، وقصرت أسقف الوطن، وتمحورت أرضية الوطن، وتكورت زواياه، بات الوطن بمفاهيم لولبية، بات بمجموعة نشاطات تتفعل حسب الطقس، بشبكات نسويّة تستجدي الأمم المتحدة، ببؤر شابهتها الوساطة، بتعداد يجتر تعليمات دونما إرادة مطلقة بل بانغماس أكثر من ذي قبل، تماماً كما سيبقى مفهوم النشاط والطاقة، والعلاقات والشراكات لدى معظم العرب رهينة محصورة بين اربع افخاذ. والسؤال اليوم: ـ هل هناك شخصيه سورّية تتجرأ أن تبحث مع مسؤول سوري عن اصله و فصله ؟ وهل هناك تجمع سوري استطاع ان يغير قراراً جديداً يتنافى مع لقمة العيش، أو المصلحة العامة؟ نحن كُنّا تُجّار كلام فقط، و صِرنا تُجّار أدب اصطناعي مُنقّط. نحن لا زلنا نَبرُم في اماكِننا، وبيدنا نفس الحبل، نَلُفّه على اجسادنا، وكل هَمٍنا ألا يُسبب لنا الحصر. ذلك الحبل هو انعدام المسؤولية، و هو ذاته، و منذ عصور بعيدة من أقسى افعالنا الخبيئة.