أثارت أحكام الإعدام التي أصدرتها محكمة الجنايات الرابعة في دمشق في 11 من آب/ أغسطس 2026 بحق بشار الأسد وعاطف نجيب وستة متهمين آخرين مسألة قانونية كثيرًا ما تُختزل في بُعدها الأخلاقي. فالسؤال المطروح هنا فيما إذا كانت عقوبة الإعدام وسيلة مشروعة لتحقيق تلك المساءلة بموجب القانون الدولي الملزم لسوريا. ولم يُنشر علنًا حتى الآن الحكم المعلل المؤلف من 396 صفحة. واستنادًا إلى المعلومات المتاحة حاليًا، لا يُلزم القانون الدولي سوريا بإلغاء عقوبة الإعدام باعتبار ذلك شرطًا للمساءلة، كما لا يعتبر كل حكم بالإعدام يصدر في دولة تُبقي على هذه العقوبة حكمًا غير مشروع تلقائيًا. غير أنَّه يُخضع هذه الأحكام لشروط تراكمية بالغة الصرامة، تتجاوز بكثير مجرد استيفاء الإجراءات الشكلية.
يبدأ الإطار القانوني بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه سوريا في نيسان/ أبريل 1969، ودخل حيز النفاذ بالنسبة إليها في آذار/ مارس 1976. وسوريا ليست طرفًا في البروتوكول الاختياري الثاني المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، ومن ثم فإنَّ العهد لا يُبطل، في حد ذاته، كل حكم بالإعدام يصدر فيها. وتحمي المادة 6 الحق في الحياة، وهو حق لا يجوز الانتقاص منه بموجب المادة 4(2)، وتقصر سلطة الدول التي تُبقي على عقوبة الإعدام على نطاق استثنائي وضيق. فلا يجوز فرض حكم بالإعدام إلا على أشد الجرائم خطورة، وبموجب قانون كان نافذًا وقت ارتكاب الجريمة، وبما يتفق مع سائر أحكام العهد، وبناءً على حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة، مع إتاحة فرصة طلب العفو أو تخفيف العقوبة. كما تنص المادة 66 على أنَّه لا يجوز التذرع بأي حكم من أحكام هذه المادة لتأخير إلغاء عقوبة الإعدام أو منعه.
وتفسر اللجنة المعنية بحقوق الإنسان عبارة «أشد الجرائم خطورة» تفسيرًا تقييديًّا. ففي التعليق العام رقم 36، حصرت اللجنة هذه العبارة في الجرائم البالغة الخطورة التي تنطوي على القتل العمد، وقررت أنَّ السلوك الذي لا يؤدي بصورة مباشرة ومتعمدة إلى الوفاة لا يمكن أن يشكل، بمفرده، أساسًا لحكم بالإعدام. وهذا القيد مهم بالنسبة إلى أحكام دمشق. فالمتهمون أُدينوا بالقتل العمد، وقتل عدة أشخاص وأطفال، والتعذيب، والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، والخطف، والتحريض على القتل العمد، مع توصيف جانب كبير من هذه الأفعال بأنَّها جرائم ضد الإنسانية، وبالنسبة إلى الأسد، جرائم حرب أيضًا. غير أنَّ توصيف الفعل بأنَّه جريمة ضد الإنسانية أو جريمة حرب لا يكفي، في حد ذاته، لاستيفاء متطلبات المادة 6(2). والسؤال الإضافي هنا؛ ما إذا كان كل حكم بالإعدام، على نحو فردي، يستند إلى إثبات قضائي للمسؤولية الفردية عن قتل عمد، بدلًا من أن يستند إلى الخطورة العامة للسياق الإجرامي الأوسع أو إلى المكانة السياسية البارزة للمتهم.
وتكفل المادة 14 من العهد الحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة، كما تحمي قرينة البراءة، والحق في الإخطار بالتهم في الوقت المناسب، والحصول على الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع، والاستعانة بمساعدة قانونية، ومناقشة الشهود، ومراجعة الحكم أمام محكمة أعلى، وهي ضمانة دأبت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على اشتراط أن تكون فعالة في الممارسة العملية. وفي قضايا الإعدام، لا تنفصل المادة 14 عن المادة 6، إذ إنَّ الحكم بالإعدام الصادر عقب إجراءات لا تستوفي متطلبات المادة 14 يكون متعارضًا مع الحق في الحياة ذاته. والمحكمة في دمشق بحسب مراقبتنا لجلساتها قد استمعت إلى شهود الدفاع واعتمدت تدابير لحماية الشهود، لكنَّها لا تكفي بمفردها. فتقييم مدى الامتثال لضمانات المحاكمة العادلة يتطلب الوقوف على كيفية تطبيق هذه الضمانات عمليًا، بما في ذلك الكشف عن الأدلة، واستقلال محامي الدفاع.
وتثير إدانة الأسد مسألة إضافية تتعلق تحديدًا بالمحاكمة الغيابية. إذ تحمي المادة 14(3)(د) حق المتهم في أن يُحاكم حضوريًا، وإن كانت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لا تعتبر الإجراءات الغيابية محظورة بصورة مطلقة، بل تقبل بها عندما يكون المتهم قد أُبلغ على نحو كافٍ وفي الوقت المناسب واختار عدم الحضور. وفي قضية مبينغي ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية (Mbenge v. Democratic Republic of the Congo)، خلصت اللجنة إلى وجود أوجه قصور في الإخطار وحقوق الدفاع بلغت حد انتهاك المادة 14(3)، وقررت، بناءً على ذلك، أنَّ أحكام الإعدام الصادرة في إطار تلك الإجراءات المعيبة انتهكت أيضًا المادة 6(2). ومحكمة دمشق استندت إلى المادة 322 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، وأبقت على إمكانية إبطال الأحكام الصادرة بحق الفارين عند إلقاء القبض عليهم أو تسليم أنفسهم. غير أنَّ هذه الضمانات لا تحسم المسألة بموجب العهد الدولي.
من زاوية أخرى، يُبرز نظام العقوبات لدى المحكمة الجنائية الدولية المسألة الأوسع نطاقًا. فالمادة 77 من نظام روما الأساسي تحصر العقوبات التي يجوز للمحكمة فرضها في السجن لمدة محددة لا تتجاوز ثلاثين عامًا أو -في ظروف استثنائية- السجن المؤبد، إلى جانب الغرامات والمصادرة. وتحافظ المادة 80 على قوانين العقوبات الوطنية، ومن ثم فهي لا تُبطل حكمًا محليًا بالإعدام في سوريا، لكنَّها لا تضفي، في المقابل، المشروعية على العقوبات الوطنية التي تتعارض مع التزامات دولية أخرى واجبة التطبيق. وتكمن الدلالة في الجانب العملي، إذ جرى إعمال المساءلة الجنائية الدولية عن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان من دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام. ويدعو قرار الجمعية العامة 79/179، الذي اعتُمد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 بأغلبية 130 صوتًا مقابل 32 وامتناع 22 عضوًا عن التصويت، الدول التي تُبقي على عقوبة الإعدام إلى فرض وقف اختياري لتنفيذها وتقليص عدد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام. ولا يشكل القرار قانونًا ملزمًا، لكنَّه يعكس تأييدًا مؤسسيًا مستمرًا لتقييد عقوبة الإعدام وإلغائها في نهاية المطاف. وفي ضوء ذلك، يصعب الدفاع عن القول إنَّ المساءلة عن الجرائم الفظيعة تتوقف على عقوبة الإعدام.
وقد تكتسب أحكام دمشق أهمية في سياق العدالة الانتقالية، لا سيما لأنَّها تعرض أمام محكمة جنائية سورية سلوكًا مرتبطًا بالقمع المبكر في درعا وبالهياكل الأوسع لعنف الدولة، إلى جانب ما أفادت به التقارير من مشاركة الضحايا والمدعين بالحق المدني والحكم بالتعويض في المطالبات المقبولة. غير أنَّ هذه الأهمية ستتوقف، إلى حد بعيد، على عدالة الإجراءات وشفافيتها وسلامة تسبيبها القانوني، ولا ينبغي الخلط بينها وبين التوصل إلى نتيجة بشأن الامتثال للقانون الدولي. فلا تسهم العملية الجنائية في تحقيق المساءلة ومشاركة الضحايا وجبر الضرر إلا إذا حافظت على مبدأ المسؤولية الفردية، والمساواة أمام القانون، والعدالة الإجرائية، وأقامت سجلًا معللًا للأدلة.
وفي جميع الأحوال، لم تصبح الأحكام نهائية بعد. ووفقًا لما نُقل عن الحكومة السورية، فإنَّ أي حكم بالإعدام سيخضع كذلك لمراجعة محكمة النقض، وللنظر فيه من جانب لجنة خاصة بالعفو، وللتصديق الرئاسي قبل التنفيذ، في حين يجوز إبطال الأحكام الصادرة بحق الفارين عند إلقاء القبض عليهم أو تسليم أنفسهم. ولا يحظر القانون الدولي كل حكم محلي بالإعدام، لكنَّه يُخضع كل حكم منها لشروط تراكمية صُممت لتكون بالغة الصرامة، تشمل المسؤولية الفردية عن قتل عمد، ومراعاة مبدأ الشرعية وقت ارتكاب الأفعال، وضمان محاكمة عادلة بالكامل، وإتاحة مراجعة فعلية، وإمكانية اللجوء إلى الرأفة أو العفو. وأي إخلال بضمانات المحاكمة العادلة في قضية تنطوي على عقوبة الإعدام يمس الحق في الحياة ذاته. وإلى أن يُتاح للجمهور الحكم المعلل والمواد المتعلقة بالإخطار والتمثيل القانوني والأدلة والمراجعة الاستئنافية، فإنَّ الموقف المناسب لا يتمثل في الإقرار بصحة الأحكام ولا في إدانتها، بل في الإصرار على تطبيق المعايير التي يفرضها القانون الدولي نفسه على أي دولة تواصل إنزال العقوبة القصوى.
