سامان بريفكاني.كاتب كردي
.سامان بريفكاني
تشهدالساحة السياسية التركية حالة من الترقب والجدل المحتدم حول إمكانية التوجه إلى صناديق الاقتراع قبل موعدها المقرر دستوريًا في عام 2028. هذا الحديث ليس مجرد تكهنات صحفية، بل يعكس عمق التحديات الداخلية التي يواجهها تحالف “الشعب” الحاكم بقيادة الرئیس التركي رجب طيب أردوغان وتشتت المعارضة، والأهم من ذلك، التغيرات الجوهرية في خريطة التحالفات وولاءات الناخبين، لاسيما الناخب الكوردي الذي أصبح رقماً صعباً في معادلة أي فصول انتخابية مقبلة.
هنا يكمن السؤال.. لماذا الحديث عن انتخابات مبكرة؟
يقف قرار إجراء انتخابات مبكرة أمام معادلة معقدة تحوي عوامل كثيرة منها، هل باستطاعة أردوغان الترشح لولاية ثالثة متتالية؟ وهل بمقدوره النجاح بدون الاعتماد على تحالفات؟ وهل سيلعب بخطة التحالف مع الكورد للظفر بولاية أخرى قبل موعد الانتخابات؟.
ومِن أهم الأسباب لطرح هذا السؤال هي: صدمة الانتخابات المحلية 2024.. الخسارة المدوية لبلديات إسطنبول وأنقرة وديار بكر التي كشفت عن تراجع خطير في الشعبية، خاصة في المدن الكبرى ومعاقل الحزب التقليدية لصالح حزب الشعوب الديمقراطي المدعوم من الكورد.
كذلك التكلفة الاقتصادية الباهظة، حيث تتطلب الحملات الانتخابية ضخ أموال طائلة في مشاريع ودعم لضمان الرضا الانتخابي، وهو أمر شبه مستحيل في ظل سياسات التقشف وضغوط الخزينة العامة، مما يجعل التوقيت غير ملائم.
من الناحية الدستورية، يملك أردوغان الحق في الترشح لفترة رئاسية جديدة. فالمحكمة الدستورية والهيئة العليا للانتخابات تعتبران أن فترته الأولى (2014-2018) كانت في ظل النظام البرلماني السابق، وبالتالي فإن فترته الحالية (2018-2023) هي الأولى في ظل النظام الرئاسي الجديد، مما يمنحه الحق في الترشح لفترة ثانية حتى عام 2033.
أما القرار الشخصي والسياسي لأردوغان، فيرتبط بتقييم وضعه الصحي (الذي يبدو جيدا)، ورغبته في خوض معركة شرسة جديدة، وقناعته بقدرته على قيادة البلاد حتى سن 79 عاماً.
الناخب الكوردي.. الركيزة واللعبة الصعبة
تراجع الدعم الكوردي لحزب أردوغان وسطوع نجم حزب دام بارتي هما العاملان الأكثر خطورة في المعادلة. هنا يكمن جوهر الإشكالية لأي معركة انتخابية مقبلة. إذ لا يمكن فهم المشهد دون تحليل الدور المحوري للناخب الكوردي.
يجب على أردوغان العمل على إنجاح عملية السلام: مفاوضات الحل السلمي مع حزب العمال الكوردستاني والاهتمام بإنجاز الخدمات في كوردستان تركيا.
فقدان الحزب لبلديات كبرى مثل ديار بكر لصالح حزب الشعوب والديمقراطي ( دام بارتي)، هو شهادة على ضعف في إدارة الخدمات محلياً، كون حزب دام بارتي هو الخصم والورقة الضاغطة في هذه الرقعة.
إذن كيف يلعب أردوغان على الورقة الكوردية لتحقيق مكاسب انتخابية؟ هذه قضية حاسمة ومفتاحية لفهم الاستراتيجية الانتخابية للرئيس التركي أردوغان وحزبه.
إن لعبه على “الورقة الكوردية” هو مناورة سياسية معقدة ومحفوفة بالمخاطر، لكنه يُجيدها إلى حد كبير. يعتمد أردوغان على استراتيجية مزدوجة و”مشي على حبل مشدود” لتوجيه المشاعر الكوردية لصالحه، وهي تقوم على عدة محاور رئيسية:
يقوم خطاب أردوغان على أن يقدم نفسه وحزبه كضامن للأمن والاستقرار. وهو ما يهم شريحة كبيرة من الناخبين الكورد الذين تعبوا من سنوات الصراع، لذلك سوف يخلق حالة من “الخيار الاضطراري” بالنسبة للعديد من الناخبين الكورد المحافظين، بمفهوم أن التصويت لحزب العدالة والتنمية يعني الاستقرار.
من جانب آخر العلاقة المميزة بين أردوغان وإقليم كوردستان انعكست إيجاباً على تعامل أنقرة مع الملف الكوردي الداخلي، حيث شهدت السياسة التركية تحولاً ملحوظاً من الإنكار إلى الاعتراف بالهوية الثقافية الكوردية، تحت قيادة أردوغان وحزب العدالة والتنمية، الذي سمح بتعليم اللغة الكوردية واستخدامها في المجال العام، كما أن فتح قنوات حوار سلمي مع الكورد في تركيا (مثل عملية السلام مع حزب العمال) يهدف إلى حل النزاع عبر الوسائل السياسية وليس العسكرية، مما يعكس سعياً لتحقيق استقرار داخلي يعزز من مكانة تركيا الإقليمية ويخدم مصالحها الاقتصادية الطموحة.
ترتسم علاقات إستراتيجية متينة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وإقليم كوردستان العراق متمثلا بالرئيس مسعود بارزاني ورئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني الذي لديه علاقات شخصية متينة مع الرئيس رجب طيب أردوغان.
كذلك التطرق إلى مبدأ الخطاب الديني والمحافظ من قبل حزب العدالة والتنمية، بتجاوز الانقسام العرقي. هذا هو الجانب الأكثر ذكاءً في استراتيجيته.
بتطرقه هذا، يجمع الخطاب الإسلامي المحافظ بين الناخبين الأتراك والكورد في قالب مشترك، يتجاوز الهوية العرقية. بشعارات مثل “الأمة الواحدة” و”أخوة الإسلام”.
بهذه الطريقة، يحول النقاش من “كوردي مقابل تركي” إلى “محافظون أتراك وكورد” مقابل علمانيين وليبراليين وانفصاليين، لكن هذه اللعبة خطيرة للغاية ولم تعد ناجحة كما في السابق. لذا من المرجح أن أردوغان يلعب على الورقة الكوردية بمهارة، لكن لم يعد الأمر سهلاً كما كان في الماضي. نجاحه في أي انتخابات قادمة، وخاصة مبكرة منها، مرهون بقدرته على إقناع عدد كافٍ من الناخبين الكورد، بأن مصلحتهم معه.
كما أن تحقيق توازن بين إرضاء قاعدته القومية (بعدم منح تنازلات للكورد) وبين استقطاب الناخب الكوردي (بمنحه وعوداً وتنازلات) هو أمر ليس من السهولة تحقيقه. المصدر .رووداو ديجيتال