لم تكن زيارة الوفد اللبنانيّ الرسميّ للعراق في 26 تمّوز الماضي زيارة سياسيّة ذات أبعادٍ اقتصاديّة وأمنيّة وحسب. كان لبنان يحاول التقاط فرصة إقليميّة غير مسبوقة، تحاول من خلالها الحكومة تسجيل خطوة تنفيذيّة في سياق الخروج من أزمة مزمنة مرتبطة بقطاع الفيول والكهرباء، وتحقيق تكامل اقتصاديّ مع العراق وسوريا.
في 18 تمّوز الماضي وقّعت بغداد مع واشنطن، خلال زيارة رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ للولايات المتّحدة الأميركيّة، 48 اتّفاقاً ومذكّرة تفاهم وتعاون اقتصاديّ وماليّ، من ضمنها اتّفاق تعاون وشراكة بين وزارتَي النفط والكهرباء العراقيّتين وكبرى الشركات الأميركيّة.
الخبر الأهمّ هو إعلان شركة “شيفرون” الأميركيّة اتّفاق مبادئ مع حكومتَي العراق وسوريا لدراسة إمكان تنفيذ مشروع خطّ أنابيب نفط عابر للحدود بين البلدين على خطّ البصرة – بانياس، و”هي تواصل محادثاتها مع بغداد لإعداد دراسات فنّيّة وتقويم مسارات محتملة لخطوط الأنابيب لنقل النفط الخام خارج العراق وتجاوز مضيق هرمز”.
دفع الخبر بالرئيس سلام إلى إجراء اتّصالات سريعة مع الجانب العراقيّ كلّف بها اللواء حسن شقير، فتمّ تحديد موعد في 26 تمّوز، وتحضير اجتماعات بين وفدَي البلدين بحضور رئيسَي وزراء البلدين نوّاف سلام وعليّ الزيديّ.
وفق المعلومات، عاد الوفد بغلّة يُبنى عليها، مع وعود جدّيّة بتشغيل خطّ أنبوب النفط البصرة – الحديثة – بانياس – البقيعة (على الحدود اللبنانيّة – السوريّة) فطرابلس. بالمنظار اللبنانيّ، سيوفّر الخطّ منفذ تصدير ثانياً للعراق، واستمراريّة الصادرات عبر خيار الصهاريج البرّيّة، بما يتناسب مع قرار العراق رفع إنتاجه النفطيّ من 4.4 ملايين برميل يوميّاً إلى 9.7 ملايين برميل.
بالنسبة للبنان هو الحلّ المنتظر منذ زمن طويل لمدّ الداخل اللبنانيّ باحتياجاته من النفط بكلفة أقلّ، وهو ما يمكن أن يُخرِج لبنان تدريجاً من جحيم “الصرف الخياليّ” على استيراد النفط بحراً ويخلّصه من كارتيلات النفط المهيمنة على الأسواق الداخليّة.
يُصدّر العراق نحو 4 ملايين برميل، 90% منها في البصرة. وقد طلب لبنان خلال لقاء سلام ووفده الوزاريّ والأمنيّ مع الجانب العراقيّ “شبك” لبنان مع خطّ البصرة -بانياس عبر طرابلس كي يُصبح جزءاً من شبكة تصدير النفط العراقيّ.
يقول مصدر وزاريّ لـ”أساس”: “الحكومة العراقيّة، التي كانت حاضرة بأغلبيّة وزرائها المعنيّين بالمحادثات مع لبنان، يفترض أن تصدر المراسيم قريباً، ومن جهتها ستصدر الحكومة اللبنانيّة المراسيم التطبيقيّة”، مشيراً إلى حماسة رئيسَي الجمهوريّة والحكومة للمشروع.
وفق مقتضيات هذا المشروع الحيويّ سيتمّ إنشاء محطّة تكرير للنفط الخام في منشآت طرابلس، حيث بدأ العمل لإعداد دفتر الشروط لتلزيمها، إضافة إلى إنشاء خزّانات سعة 500 ألف طن (تستوعب حاليّاً 150 ألف طن)، ويفترض مدّ خطّ الأنابيب وتأهيل البنى التحتيّة اللازمة. يقدّر معنيّون أن يستغرق تنفيذ المشروع، إذا سلك مساره بعيداً عن الاضطرابات في المنطقة، نحو سنتين، على أن يكون التمويل عبر الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ، أي PPP (private public partnership).
مشروع الحلم لبرّي
يتحدّث مصدر رسميّ عن “مشروع حلم” للرئيس نبيه برّي بربط طرابلس بالزهراني، في المرحلة الثانية من المشروع، بتتبّع خطّ القطار القديم، وهناك على ما يبدو دراسة هندسيّة قديمة تحقّق هذه الغاية، وهو ما يخلق آلاف فرص العمل، ويسمح أيضاً بالتصدير للخارج بحراً. يضيف المصدر: “برّي يعتبرها معركته، وعسى أن يسمح الظرف السياسيّ والأمنيّ بتحقيق هذا الأمر”. ويمكن من الزهراني مدّ خراطيم إلى بواخر لشحن الفيول إلى الخارج.
وفق المعلومات، قد يحضر قريباً إلى بيروت وفد عراقيّ تقنيّ للكشف على المنشآت النفطيّة في طرابلس، التي عاينها وزير الطاقة جو الصدي قبل أسبوع، ودراسة ربطها بخطّ الأنبوب، وأيضاً احتمال تأهيل العراق لهذه المنشآت، وإنشاء مصفاة جديدة لتكرار النفط الخام للاستهلاك المحلّيّ في الفترة الأولى.
في إطار متابعة هذا الملفّ، رأس سلام في الخامس من آب الماضي اجتماعاً في السراي خُصّص لمناقشة التحضيرات اللبنانيّة للترتيبات المرتقبة المتعلّقة بعبور النفط الخام والمشتقّات النفطيّة العراقيّة عبر لبنان. وقد بُحثت جهوزيّة مختلف القطاعات والإدارات المعنيّة، في ضوء الدور المرتقب في المرحلة الأولى للبنان، الذي سيكون مركزاً لتخزين النفط وإعادة تصديره، إضافة إلى دراسة الاحتياجات اللوجستيّة والبنى التحتيّة اللازمة.
“إنترنت” على خطّ الأنابيب
في المباحثات اللبنانيّة – العراقيّة تمّت أيضاً مناقشة إنشاء مسار من العراق عبر ممرّ IPC (مسار الألياف الضوئيّة)، على أن تكون سوريا جسر العبور، ولبنان البوّابة الرقميّة، والهدف المنشود أوروبا، فيتمّ توظيف الممرّ النفطيّ نفسه لتمديد شبكة ألياف ضوئيّة عالية السعة.
يهدف لبنان بذلك إلى تمديد شبكة ألياف ضوئيّة فائقة السرعة على امتداد خطّ أنابيب النفط العراقيّ، وهو ما يمنح بغداد مساراً رقميّاً مباشراً باتّجاه الغرب عبر البحر الأبيض المتوسّط، وصولاً إلى أوروبا. وبإمكان ذلك أن يحصل على المدى الفوريّ، أو المتوسّط، أو البعيد. وقد شُكّلت لجنة لبنانيّة-عراقيّة لمواكبة هذا الملفّ.
الفيول العراقيّ
على خطّ مواز، تمّ مجدّداً تفعيل العمل بعقد الفيول العراقيّ. حتّى الآن بلغت الكلفة ملياراً و250 مليون دولار لم تدفع منها الدولة اللبنانيّة قرشاً واحداً.
العقد الذي تمّ تجديده مرّات عدّة، آخِرتها مطلع 2025 مع إقرار توفير كمّيّات إضافيّة لستّة أشهر أخرى للحفاظ على الحدّ الأدنى من التغذية الكهربائيّة، قرّر وزير الطاقة جو صدي وقف الاستفادة منه “وعدم السحب من الاعتماد المفتوح” بسبب تراكم الفواتير.
وفق المعلومات، لا يزال العراق، بعد تعيين الزيديّ رئيساً للحكومة، “يطوّل باله على لبنان، ويمنحه مزيداً من الوقت لتسديد المتراكمات”، مع العلم أنّ العقد يوفّر كميّات شهريّة من الفيول أويل الثقيل” من العراق، وتعمل وزارة الطاقة على استبدالها بمادّة “الغاز أويل” لتشغيل معمليّ الزهراني ودير عمار، و”الفيول أويل” مناسِبة لتشغيل معملَي الذوق والجيّة.
