لا تَعتبِرُ الدراساتُ الحديثةُ الترجمةَ مجرد عملية يقوم فيها المترجم بنقل الكلمات والجمل من لغة إلى أخرى، بل هي فعل ثقافي معرفي يسهم في تشكيل الوعي وإعادة إنتاج الأفكار، بل وحتى مُساءلتها. ومن هذا المنطلق برز مفهوم الترجمة النسوية باعتباره مُمارسة واعية تتعامل مع النصوص بوصفها حاملة لرؤى اجتماعية وثقافية، تسعى إلى تغيير النظام الاجتماعي السياسي القائم والمتصف بالهيمنة الذكورية، وذلك بنقل الفكر النسوي إلى لغات وثقافات مختلفة ترفد الحركات النسوية فيها بمزيد من المعرفة، كما تسهم في تبادل التجارب والخبرات بين الحركات النسوية في العالم كله.

في السياق العربي، اكتسبت الترجمة النسوية أهمية خاصة بسبب محدودية الإنتاج النسوي العربي خلال العقود السابقة، ونُدرة الترجمات الدقيقة لأمهات الكتب النسوية العالمية. وقد جعل ذلك من الترجمة وسيلة لتطوير المعرفة النسوية، وإغناء النقاش الفكري حول قضايا المرأة والجندر، وربط الحركة النسوية العربية بالحركة النسوية العالمية.

بدأت الحركة النسوية العربية تكتسب ملامحها الفكرية والتنظيمية خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث انتقلت تدريجياً من المطالب الحقوقية، التي ميزت الموجة النسوية الأولى، إلى تبني خطاب نسوي متكامل، يقوم على تحليل علاقات القوة والتمييز بين الجنسين. وكان امتلاك المعرفة النسوية الخطوة الأولى في هذا التحول، تلاه تأسيس المنظمات النسوية، والعمل على نشر الإنتاج الفكري النسوي داخل المجتمعات العربية.

ومع مرور الوقت انتقلت الحركة النسوية العربية من الحقل النظري إلى العمل الميداني، فركَّزَت على تغيير الصور النمطية عن المرأة من خلال تطوير المناهج التعليمية، وتأسيس أقسام للدراسات النسوية والجندرية في بعض الجامعات، والدورات التدريبية، والمدارس النسوية، والإعلام، والحوارات المجتمعية، إلى جانب برامج تمكين النساء، والمناصرة المحلية والدولية.

المعرفة النسوية ودَور الترجمة

شكّلَ تطوير المعرفة النسوية أحد أهم أهداف الحركة النسوية في المنطقة العربية، إذ لم يكن بالإمكان بناء خطاب نسوي متماسك دون الاطلاع على الفكر النسوي العالمي، والاستفادة من الأدبيات النسوية العالمية.

ولهذا اتجهت الجهود إلى ترجمة الكتب النسوية، واستخدامها مراجعَ في الدراسات والأبحاث النسوية التي صدرت باللغة العربية، والاستفادة منها على الصعيد العملي أيضاً، باستلهام التجارب في تصميم وتنفيذ المشاريع على الأرض.

ومن هنا أصبحت الترجمة النسوية أكثر من مجرد نشاط ثقافي؛ بل غدت وسيلة لإنتاج المعرفة، وإعادة صياغة المفاهيم، ونقل التجارب العالمية بما يتلاءم مع الواقع العربي.

يمكن النظر إلى الترجمة النسوية باعتبارها فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية، فالمكتبة العربية عانت طويلاً من فقر واضح في المؤلفات النسوية، إذ لم تُعنَ دور النشر الكبيرة في العالم العربي بترجمة الكتب النسوية التي أسَّست لتيارات ومدارس نسوية عدة، وشَكَّلت معالم طريق للحركة النسوية العالمية.

من ناحية ثانية، لُوحظَ غياب الرجوع إلى مراجع نسوية لدى غالبية المفكرين العرب، حتى التقدميين واليساريين منهم، عند تناولهم لقضايا المرأة. فقد تناولوا هذه القضية كجزء من إيمانهم بحقوق الإنسان ككل، ولكن دون أن يطّلعوا على الفكر النسوي الذي يُعطي خصوصية لهذه القضية، ويُحلِّل عوامل الهيمنة الذكورية، وجوانب التمييز ضد النساء في كافة مفاصل الدولة والمجتمع.

هل توجد ترجمة نسوية؟

تُعَدُّ الترجمة اليوم جنساً أدبياً قائماً بذاته، وهي كما قلنا ليست مجرد نقلٍ للكلمات والجمل من لغة إلى أخرى، فالمُترجِم يتدخل أثناء ترجمة النص في صياغة الفكرة التي ينقلها، باستخدام طريقته في توظيف اللغة خدمةً لتلك الفكرة. وبذلك يُعَدُّ المترجم، بنقله الفكرة، جزءاً من عملية إيصالها إلى المتلقي، وهنا لا بد أن تتدخل رؤيته وفكره في صياغة الجمل، خاصة إذا كان يمتلك من البراعة ما يُمكِّنه من تطويع اللغة، بما يحافظ على الأمانة المطلوبة في نقل النص المترجم، وإسباغ فكر المترجم على النص في آنٍ معاً.

تطرح الترجمة النسوية سؤالاً جوهرياً حول طبيعة عمل المترجم.

وليس من الضروري أن تتم الترجمة النسوية على يد امرأة؛ فقد يكون المُترجِم رجلاً، ولكن على من يقوم بفعل الترجمة النسوية أن يكون حاملاً لفكر نسوي، بحيث يترجم النص بما يلائم فكره، فيبتعد عن الصيغ المُذكَّرة الموجودة في كل اللغات عند الحديث عن الإنسان بشكل عام، ويستخدم في الترجمة مفردات وجملاً تعبر عن الإنسان، رجلاً كان أم امرأة. ويمكن للمُترجِم أو المُترجِمة النسوية أن يتدخل أو تتدخل، عند الضرورة، فيما لو مرت فكرة تحمل في طياتها أفكار الهيمنة الذكورية أو التمييز ضد النساء، بأن يعبر أو تعبر عن رأيه أو رأيها بذلك في هامش أو ضمن أقواس، ينهيها أو تنهيها بصفة المُترجِم أو المُترجِمة، خارج سياق النص الأصلي، حفاظاً على الأمانة في الترجمة.

تجربة مركز مساواة

مثّلت تجربة «مساواة/مركز دراسات المرأة»، ودار «الرحبة» التابعة له، نموذجاً عملياً في مجال الترجمة النسوية، حيث عمل، منذ تأسيسه عام 2012، على ترجمة أمهات الكتب النسوية بطريقة احترافية، بالحصول على حقوق النشر من دار النشر الأصلية أو مؤلف/ة الكتاب، وترجمته ترجمة دقيقة، مع شروحات في المقدمة والهوامش تشرح التعابير النسوية الجديدة على الساحة الفكرية العربية. وقد فاقت دار النشر الصغيرة هذه، بعدد الكتب النسوية التي ترجمتها وأهميتها، أكبر دور النشر في العالم العربي، واستطاعت إقصاء الترجمات التجارية غير الشرعية لتلك الكتب، التي كانت مطروحة في سوق الكتب العربية، كما في كتاب الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار، والمرأة المخصية لجيرمين غرير، وغيرها.

وقد سبقت جهودَ الترجمة هذه رحلةُ بحثٍ طويلة شملت دراسة تاريخ الفكر النسوي، وموجاته المختلفة، ومدارسه الفكرية، وأبرز المؤتمرات العالمية الخاصة بالمرأة، إضافة إلى مراجعة أهم الكتب والمقالات التي أسهمت في تشكيل الحركة النسوية العالمية.

ساهمت هذه الترجمات، وغيرها من الترجمات النسوية، التي ساهم فيها أيضاً المشروع القومي للترجمة التابع للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، ومن ثم دار هنّ المصرية التي تأسست عام 2017، في إغناء الحركة الفكرية النسوية في المنطقة العربية، خاصة بعد أن تأسست مراكز أبحاث نسوية في عدد من الدول العربية، وبعد إدخال الدراسات النسوية والجندرية بوصفها فروعاً تُدرَّسُ في بعض الجامعات العربية.

تحديات الترجمة النسوية

تواجه الترجمة النسوية إلى اللغة العربية مجموعة من التحديات:

أولاً: بُعد الفكر النسوي عن الثقافة السائدة

تُعَد الثقافة العربية السائدة ثقافةً ذكورية بامتياز، تُعزِّز الصورة النمطية للمرأة في المجتمع، وتُكرِّس الأدوار الجندرية بحزم، إذ تُوكِلُ للنساء الدور الرعائي، وللرجال الدور الإنتاجي. وقد سادت في أغلب الدول العربية، بعد انحسار التيارات القومية واليسارية لصالح التيارات الدينية، المتشددة غالباً، محاربةُ دعاة تحرر المرأة، واتهامُهم أحياناً بالإلحاد، وشيطنةُ الكلمات والتعابير المستخدمة في وصف حركة الدفاع عن حقوق النساء، مثل كلمتي «نسوية» و«جندر»، في ظل منظومة قانونية مُميِّزة ضد المرأة، مُقصِّرة في الدفاع عن حقوقها، أو حتى عن حمايتها من العنف المُمارَس ضدها، ومُشجِّعة للثقافة المجتمعية المغالية في التمييز ضد النساء.

ثانياً: عدم وجود كلمات مقابلة في اللغة العربية لبعض المصطلحات

لا توجد في اللغة العربية كلمات مقابلة لبعض المصطلحات التي أصبحت شائعة عالمياً، والمعبرة عن النضال النسوي، وعلى رأسها كلمة «الجندر». إذ اقترح البعض ترجمتها إلى «النوع الاجتماعي»، لكن هذه الترجمة ليست معبرة بدقة عن مفهوم مصطلح الجندر، إضافة إلى صعوبة تصريفها لكونها مؤلفة من كلمتين. لذا اكتفت أغلب الترجمات بالحفاظ على المصطلح كما هو باللغة الإنكليزية، وكتابته بالأحرف العربية، بل وتصريفه كما يُصرَّف أي مصدر باللغة العربية، مثل:  جندرَ، يُجندر، مُجندَر… إلخ، مع وضع مقدمة أو هوامش في بداية كل كتاب تشرح معنى المصطلح، ثم هوامش أخرى تشرح المصطلحات المشتقة منه، كالأدوار الجندرية، فضلاً عن شرح بقية المصطلحات النسوية، مثل: الدور الرعائي، والهيمنة الذكورية، والبطريركية… إلخ.

ثالثاً: ذكورية اللغة

وهي صفة تشمل معظم لغات العالم، بحكم نظام الهيمنة البطريركي الذي ساد العالم. وهنا يواجه المترجم/ة النسوي/ة تحديات كبيرة في تطويع اللغة كي تصبح أكثر تعبيراً عن الفكر النسوي، كاستخدام (/) لتأنيث وتذكير الأفعال والصفات والضمائر، مثل: لهم/ن، له/ا، أو ذكر الصفة المذكرة والمؤنثة، تيمناً بالآية الكريمة:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

وكذلك تأنيث الصفات الوظيفية، خلافاً لما كان شائعاً، مثل: وزيرة، نائبة، رئيسة… إلخ. كما يمكن اللجوء إلى صيغة المبني للمجهول، واستخدام كلمة شخص أو إنسان، عند ترجمة نص يتحدث عن الإنسان بشكل عام لكنه يستخدم كلمة Man مثلاً.

رابعاً: جمود اللغة العربية

تُعاني اللغة العربية من بطء وصعوبة تطورها، بسبب تشدد مُجمَّع اللغة العربية في مُسايرة العصر وتطوير اللغة، مما اضطرنا جميعاً إلى تجاوز بعض قراراته أحياناً في كتاباتنا، واستخدام كلمات أجنبية نكتبها بأحرف عربية، مثل: الكمبيوتر والتلفزيون وغيرهما.

خامساً: الترجمات الشائعة غير الدقيقة

سبقتنا أجيالٌ من المترجمين في ترجمات أصبحت شائعة رغم عدم دقتها. وأبرز مثال في عالم الترجمة النسوية ترجمة صفة patriarchal  إلى «ذكوري»، ومنها: النظام الذكوري، والهيمنة الذكورية، والتسلط الذكوري… إلخ. وهذا غير دقيق؛ فالذكر في اللغة العربية يعبر عن جنس المولود، كما في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ…﴾

ثم يتحول، بحسب النظرية الجندرية، إلى رجل يحمل صفات رجولية. والأصح لغوياً أن يُقال: النظام الرجولي، والهيمنة الرجولية… إلخ، ولكننا اتّبعنا في ترجماتنا قاعدة «خطأ شائع خير من صواب مهجور».

سادساً: الأمانة مقابل المهمة النضالية

يعاني الكثير من المُترجمات والمُترجمين النسويين صراعاً أخلاقياً بين المحافظة على الأمانة في نقل النص الأصلي، وقناعة المترجم بخطورة تكريس أفكار الهيمنة الذكورية، وعدم المساهمة في نشر الأفكار التي تعزز التمييز ضد النساء، بدلاً من الإسهام في بناء مجتمع العدالة والمساواة. لذا يحاول المُترجِم/ة الحفاظ بأمانة على النص الأصلي، وتطويع اللغة لخدمة ذلك، مع استخدام الهوامش والأقواس لشرح الأفكار المغلوطة، والحرص على أن تُنسَب هذه التعليقات إلى المترجم/ة، لا إلى كاتب النص الأصلي.

سابعاً: السرقة الأدبية

تُعاني دور النشر في العالم كله من السرقة الأدبية، خاصة بعد تطور خصائص الإنترنت. وإذا كانت هناك في العالم الغربي بعض القوانين التي لا تزال قادرة على الحد من ذلك، فإن السرقة الأدبية في العالم العربي أصبحت منتشرةً بشكل لا يمكن ضبطه، لا أخلاقياً ولا قانونياً. وأصبحنا نجد كتبنا كلها منشورة بصيغة PDF، يمكن لأي شخص تنزيلها وقراءتها، مما يسبب خسائر فادحة لدُور النشر.

ثامنًا: سوق الكتاب العربي

وإذا أضفنا إلى موضوع السرقة الأدبية معاناة دور النشر حالياً من بطء حركة بيع الكتب في جميع الدول العربية، أدركنا الصعوبات التي تُعاني منها الترجمة النسوية بشكل خاص والحركة الفكرية بشكل عام، إذ يكاد يقتصر بيع الكتب على معارض الكتب، بحيث باتت دور النشر تكافح من أجل الاستمرار في ظل سوق لا تكفي حركته لتغطية كلفة ترجمة الكتاب وطباعته، بحيث لم يَعُد يقتني الكتاب إلا من يعشق ملمسه واقتناءه وتزيين مكتبته به.

والخلاصة أن الترجمة النسوية لا تقتصر على ترجمة النصوص، بل تشمل بناء المفاهيم، وإنتاج خطاب نقدي، وتوسيع دائرة النقاش حول قضايا المرأة والمساواة. فالترجمة النسوية ليست ممارسة لغوية فحسب، بل مشروع ثقافي يهدف إلى إثراء المكتبة العربية، وتعزيز الحوار مع الفكر الإنساني المعاصر، والمساهمة في بناء مجتمعات أكثر عدلاً ومساواة. ورغم التحديات اللغوية والثقافية والاقتصادية التي تواجه هذا المشروع، فهنالك الكثير من المناضلات والمناضلين الذين لن يتخلوا عن هذا المشروع الثقافي الجليل، لإيمانهم بأنه أحد أهم أدوات تطوير المعرفة النسوية وربطها بالسياق العربي.