
ظلمة السجون الأسدية في سورية (رويترز..
سناء عبد العزيز…ناقدة.. المصدر اندبندنت عربية
ملخص
مع سقوط النظام السوري، انتبه الجميع إلى أن الحرية لا تزال حلماً بعيد المنال، على رغم تحطم أبواب الزنازين. فالمعتقل لم يكن يوماً رهين سجنه وحده، بل امتدت أغلاله إلى خارجه، لتطوق الأمهات في طوابير الانتظار، والأطفال الذين جنحوا بخيالهم إلى إحاطة صور آبائهم الغائبين بهالات من النور. من هذه الزاوية، تلج الباحثة ريبيكا طالقاني هذا العالم المقبض في كتابها “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان” (ترجمة حازم نهار، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات).
يوثق كتاب ريبيكا طالقاني أهوال السجون في عهدي الأسد الأب والابن عبر بوابة الأدب، ليعيد للسجناء كينونتهم، بعد أن اختزلتها المعتقلات والتقارير الحقوقية إلى مجرد أرقام.
بدأ اهتمام ريبيكا طالقاني، الأستاذة المساعدة في دراسات الشرق الأوسط في كلية كوينز، جامعة مدينة نيويورك، بقضايا حقوق الإنسان في مقتبل شبابها. غير أن هذه الحماسة سرعان ما تبددت عقب أحداث الـ11 من سبتمبر، وما تلاها من استغلال واشنطن لمفهوم “محاربة الإرهاب”. حينذاك انتابها شعور بالارتياب حيال ازدواجية الخطاب الغربي، وبدلاً من مواصلة شغفها بالعمل كناشطة ميدانية، انعطف مسارها نحو أروقة الجامعات لدراسة أدب السجون، لا سيما بععدما التقت بالروائي اللبناني إلياس خوري في إحدى قاعات الدراسات العليا في جامعة نيويورك، لتتفتح بصيرتها على عوالم هذا الأدب المهمش عبر ديوان فرج بيرقدار “حمامة مطلقة الجناحين”.
كان المقصد من غوصها في هذا النوع من الأدب هو تغيير طريقة التفكير السائدة حول ماهية حقوق الإنسان، وإجبار المدافعين عن القانون الدولي على مواجهة توثيقهم للانتهاكات، الذي غالباً ما يغفل الضحايا في التقارير الرسمية. من هنا صاغت أطروحتها في كتاب مؤلف من ستة فصول تقع في نحو 300 صفحة، فضلاً عن مقدمة وخاتمة وقائمة رسوم وصور توضيحية.
تستهل ريبيكا كتابها بسؤالين جوهريين: ما الذي يمكننا استخلاصه من قراءة أدب السجون السوري؟ وكيف تعيد هذه النصوص تعريف مفاهيمنا حول الإنسانية وحقوق الإنسان؟ وقبل أن تشرع في الإجابة، تتوقف في الفصل الأول عند حدود هذا النوع الأدبي، متبنية مصطلح “أدب السجون” كضرورة سياسية واعية تكرم حرية المعتقلين في تعريف إبداعاتهم، وتعوض غياب الدعم الرسمي لمثل هذه الكتابات داخل سجون المنطقة، وذلك على رغم غموض هذا المفهوم وتحفظ بعض الكتاب على استخدامه في السياقين العربي والغربي.
والجديد أن طالقاني لا تحصر أدب السجون في النصوص التي كتبها المعتقلون داخل الزنازين، بل توسع دائرته لتشمل كل كتابة تتناول تجربة السجن، حتى لو كان صاحبها لم يدخل السجن قط. وفي المقابل، قد تنتمي إلى هذا الأدب نصوص كتبت من داخل المعتقل من دون أن تتناول تجربة السجن بصورة مباشرة. وبذلك لا يتحدد هذا الأدب بموضوعه وحده، ولا بظرف إنتاجه، وإنما بتقاطعهما معاً.
تستفيض الكاتبة في مناقشة الجدل الدائر حول اعتباره جنساً قائماً بذاته، فبينما يرى بعضهم هذه النصوص مجرد شهادة مقاومة، يجدها آخرون عملاً أدبياً يفرض لغته وبنيته السردية من قلب المعاناة. إذ تصطدم هذه الأعمال بحدود الذاكرة والموضوعية لاعتمادها على استدعاء صدمات الماضي، مما يصعب الفصل بين الواقع المعيش والخيال السردي المستخدم لتعبئة الفجوات الزمنية، ليتحول النص من شهادة موثوق بها إلى إعادة تخييل للتجربة. وأخيراً، تنطوي هذه الأعمال على خصوصية في شروط إنتاجها، فهي تكتب غالباً في ظروف سرية وقاسية (كتهريب القصاصات أو الحفر على الجدران، أو حتى النقل الشفاهي)، مما يفرز لغة مشظاة ومتوترة قد لا ترقى إلى مستوى الإبداع.
بويطيقا الاعتراف والهشاشة الإنسانية
يتناول الكتاب، الذي رحلت مؤلفته عام 2023، أي قبل صدور ترجمته العربية، الآثار المدمرة التي تخلفها منظومة الاعتقال في المعتقلين وذويهم، كما نتبين في قصة “أصابع الموز” لغسان الجباعي. ترصد القصة أباً يحتفظ لابنه بعدد من أصابع الموز، انتظاراً لزيارته، حتى تسود الثمار وتتعفن من دون أن يأتي الطفل، بينما ينمو الشك تدريجاً في وجود الابن أصلاً خارج أسوار المعتقل.
تتنوع صور التشوه التي يخلفها الاعتقال كما في نصوص القاص السوري إبراهيم صموئيل، ففي أحدها ينشغل الابن بصورة أبيه الغائب، وحين يخرج من السجن، لا يستطيع التعرف إليه. وفي قصة “الزيارة”، يرصد صموئيل لحظة ترقب مشحونة بأمل اللقاء، حين يستعد سجين طال غيابه لاستقبال طفله الذي ولد خلف الأسوار، قبل أن يصطدم بخوف الطفل ونفوره منه، فضلاً عن طلبه من أمه أب آخر.
من زاوية أخرى، تتجسد قسوة الصحراء وسطوة الموت الممنهج في أدب السجون السوري في ثلاثية توثيقية عن سجن تدمر. ففي “تدمر: شاهد ومشهود” لمحمد سليم حماد، يأتي السرد بوصفه توثيقاً مبكراً لواقع التعذيب المنهجي وحفلات الموت اليومية. أما “من تدمر إلى هارفارد” لبراء السراج، فيزاوج بين السرد الذاتي والتوثيق المكاني، مستعينًا بصور “غوغل إيرث” لتصوير مباني السجن وزنازينه والكشف عن البنية المكانية لمنظومة القمع. وفي “القوقعة”، يقتحم مصطفى خليفة هذا الجحيم الأرضي، غائصاً في تفاصيل اليوميات الرتيبة والمرعبة، ليكشف كيف يحول السجن الحياة إلى انتظار دائم للموت، وكيف تعمل منظومة الاعتقال على سحق كينونة الإنسان تدريجاً.
في المقابل، تنشغل رواية “الشرنقة” لحسيبة عبدالرحمن بتفكيك البنية الاجتماعية داخل المهجع الواحد. وتبرز طالقاني من خلالها كيف تتجاور داخل السجن مسارات أيديولوجية متباينة، من اليساريات إلى الأصوليات، قبل أن تتجاوز السجينات خلافاتهن الفكرية نحو تضامن إنساني تفرضه قسوة التجربة. ومن هنا تصبح “الشرنقة” استعارة لمقاومة يومية تتشكل داخل فضاء الإذلال، ويتحول السجن إلى فضاء للمقاومة وإعادة تشكيل الذات.
سينما الطوارئ
يضم الكتاب أيضاً نماذج أخرى من أدب السجون، بدءاً من كتاب “بالخلاص يا شباب: 16 عاماً في السجون السورية” لياسين الحاج صالح، الذي يجمع مقالات ومقابلات عن تجربة السجن وأحوال المعتقلين السياسيين، إلى “توقاً إلى الحياة” لعباس عباس، وقصص جميل حتمل التي تمزج مرارة السجن بحنين المنفى الفرنسي، وفانتازيا “دوار الحرية” لمالك داغستاني. كما تتوقف طالقاني عند الشهادات النسوية، فتستحضر “نيغاتيف” لروزا ياسين حسن، و”خمس دقائق وحسب” لهبة الدباغ، إذ تتخذ تجربة “الرهينة” شكلاً آخر من أشكال الألم والاحتجاز.
ويمتد الكتاب، في الوقت نفسه، إلى تجارب أدب السجون خارج سورية والعالم العربي، ليؤكد أن الكتابة من خلف القضبان ليست ظاهرة محلية، بل تجربة أدبية عابرة للحدود. فيستعرض نماذج من كتابات السجناء السياسيين وأفراد الأقليات في الولايات المتحدة، ومعتقلي غوانتانامو، إلى جانب تجارب المهاجرين، ومن بينها تجربة الكردي الإيراني بهروز بوجاني في كتابه “لا صديق إلا الجبال”، الذي حاز جائزة أدبية مرموقة.
ولا تتوقف مقاربة طالقاني عند الأدب المكتوب، بل تمتد إلى الصورة بوصفها وسيطاً آخر لاستعادة ما تحجبه الروايات الكبرى عن الصراع. فوسط التغطية الإعلامية الكثيفة للحرب السورية، التي أغرقتها صور القصف ومخيمات اللاجئين والأجساد المنهكة، سعى فنانون سوريون إلى تجاوز لغة التقارير التي تختزل الحرب في أرقام ووقائع، وإعادة الانتباه للأفراد وتفاصيل حياتهم. ومن هنا ظهرت “سينما الطوارئ”، التي اعتمدت أفلاماً قصيرة وسريعة الإنتاج، تتناول بسخرية ومباشرة جوانب من التجربة السورية المعاصرة، من الثورة والنزوح إلى الرقابة.
وتحتفي طالقاني بسلسلة “سجن صيدنايا: كما يرويها السوري الذي أراد الثورة”، التي تقرأها لا بوصفها نقداً للنظام الدولي لحقوق الإنسان، الذي أخفق في منع الفظائع المرتكبة في سورية، بل باعتبارها دعوة لإصلاح النظام، وإعادة ابتكاره، وجعله أكثر فعالية، وإعادة تصوره ضمن إطار عالمي أكثر شمولاً. كما تتوقف عند الفيلم الوثائقي “رحلة في الذاكرة” لهالة محمد، باعتباره محاولة استقصائية لنبش الأرشيف الصامت لسجن تدمر. وفي المقابل، يكتسب فيلم “تدمر” للقمان سليم ومونيكا بورغمان خصوصيته من اعتماده على سجناء لبنانيين ناجين يعيدون تمثيل أهوال تجربتهم داخل المعتقل، فتتحول أجسادهم وأصواتهم إلى شهادة مادية في مواجهة محاولات طمس التاريخ الرسمي.
كما تلتفت الباحثة إلى تجربة مجموعة “أبو نضارة”، التي دشنت نمطاً سينمائياً مغايراً عبر إنتاج مئات الفيديوهات القصيرة منخفضة الكلفة، لالتقاط نبض القمع والثورة في تفاصيلهما اليومية، وصياغة أرشيف بصري مواز يوثق لحظات التهجير والتحول السياسي.
وتختتم طالقاني جولتها بفيلم “سلم إلى دمشق” لمحمد ملص، إذ يغدو البيت القديم الذي يجمع شباناً وشابات من خلفيات متباينة صورة مصغرة لدمشق المتشظية في بدايات الثورة. ومن خلال حكاياتهم الشخصية، ينسج ملص سردية تصل تطلعاتهم وأسئلتهم الوجودية بالانهيار الذي يحيط بهم، لنكتشف في نهاية المطاف، أن الفن، صورة وكتابة، بوسعه أن يستعيد صوت الضحية المغيب ويحمي الكائن الهش من قبضة النسيان.