لم تترك إسرائيل أيّاً من الغموض حول رسالة قصف مطار “أبو الظهور” العسكريّ في ريف إدلب الشرقيّ. فقد أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المسؤوليّة عن الضربة، وربطها مباشرة بمنع انتشار قوّات تركيّة في القاعدة، بعد تحذيرات قالت تل أبيب إنّها وجّهتها إلى دمشق من أنّ مثل هذا الانتشار سيُعدّ تهديداً لأمنها. بذلك لم يعُد الحديث عن “رسالة إلى رجب طيّب إردوغان” استنتاجاً من توقيت الغارة أو من التحرّكات التركيّة، بل أصبح جزءاً من التبرير الإسرائيليّ الرسميّ للعمليّة.
يشرح المحلّل العسكريّ الإسرائيليّ رون بن يشاي ما وراء هذا التبرير. بحسب قراءته، لا تخشى إسرائيل وجوداً تركيّاً رمزيّاً في “أبو الظهور”، بل احتمال تحوّله إلى بنية عسكريّة قادرة على تغيير قواعد العمل في السماء السوريّة، عبر رادارات ومنظومات دفاع جوّيّ تركيّة يمكن أن تكشف الطائرات الإسرائيليّة أو تقيّد حركتها، وربّما تؤثّر في المسارات الجوّيّة التي تستخدمها إسرائيل باتّجاه العراق وإيران.
من هنا تتجاوز أهميّة “أبو الظهور” مدرجاً أو قاعدة عسكريّة واحدة، فالضربة ترسم خطّاً إسرائيليّاً أمام الدور التركيّ في إعادة بناء الجيش السوريّ: تستطيع أنقرة أن تدرّب وتدعم، لكنّ إسرائيل تريد أن تحدّد بنفسها اللحظة التي يتحوّل فيها هذا الدعم إلى تهديد. ولم يكن المطار منشأة مهجورة بالكامل، فقد أصبح بعد سقوط النظام مقرّاً لفرقة إدلب (الفرقة 64) في الجيش السوريّ الجديد، وهو ما يجعله جزءاً من إعادة بناء المؤسّسة العسكريّة السوريّة، لا مشروعاً تركيّاً محتملاً للمستقبل.
تياس و”أبو الظّهور”
لا تأتي ضربة “أبو الظهور” من فراغ. ففي نيسان 2025 قصفت إسرائيل قاعدة تياس الجوّيّة (T4) في ريف حمص الشرقيّ، بعدما تفقّدتها فرق عسكريّة تركيّة في إطار دراسة مواقع يمكن استخدامها ضمن التعاون الدفاعيّ مع دمشق. يومها بدت الرسالة الإسرائيليّة واضحة: الحضور العسكريّ التركيّ، وخصوصاً في مجالَي الطيران والدفاع الجوّيّ، سيصطدم بخطوط حمر إسرائيليّة.
هذا هو الرابط بين تياس و”أبو الظهور”: اهتمام تركيّ بمنشأة عسكريّة سوريّة، واحتمال إدخالها في مشروع أوسع لإعادة بناء القدرات الدفاعيّة، ثمّ ضربة إسرائيليّة تسبق اكتمال هذا المسار. وتزداد حساسيّة الدور التركيّ لأنّ أنقرة لا تقدّم تدريباً أو دعماً سياسيّاً فقط، بل تمتلك قدرات عسكريّة وتقنيّة يمكن أن تسرّع إعادة بناء الرادارات والدفاعات الجوّيّة السوريّة.
لكنّ “أبو الظهور” أضاف عنصراً جديداً: الولايات المتّحدة. ففي 11 آب، أفادت هيئة البثّ الإسرائيليّة “كان” بأنّ المؤسّسة الأمنيّة أبلغت واشنطن بمخاوفها من تسارع إعادة بناء سلاح الجوّ السوريّ، بما في ذلك تجنيد طيّارين واستئناف التدريب بالمقاتلات. وبعد ثلاثة أيّام، كشفت القناة 13 الإسرائيليّة أنّ واشنطن اعترضت على ضرب مواقع داخل سوريا مرتبطة بتوسّع الدور التركيّ. وبعد أربعة أيّام، في 18 آب، قُصف مطار “أبو الظهور”، وسط تقارير عن زيارة وفد عسكريّ تركيّ للموقع والعمل على إعادة تأهيله.
إذاً خلال أسبوع واحد، انتقل الخلاف من تحذير إسرائيليّ لواشنطن، إلى اعتراض أميركيّ على توسيع الضربات، ثمّ إلى قصف موقع ارتبط مباشرة بالدور التركيّ.
خلاف واشنطن وتل أبيب
بعد الغارة، وصف المبعوث الأميركيّ توم بارّاك الضربة بأنّها “تصعيد غير ضروريّ”. وكشف أنّ تركيا لم تتلقَّ تحذيراً مسبقاً، وأنّها رصدت الطائرات الإسرائيليّة وهي تتّجه شمالاً نحو مجال قريب من أراضيها، وكان من الممكن أن تستعدّ لردّ عسكريّ، قبل أن تمنع “العقول الهادئة” الموقف من التدهور. وبذلك أظهرت حادثة “أبو الظهور” أنّ غياب التنسيق قد يحوّل التوتّر الإسرائيليّ التركيّ في سوريا إلى مواجهة مباشرة. ونقلت القناة 15 الإسرائيليّة عن بارّاك قوله: “كنّا على بعد خطوة واحدة من مواجهة عسكريّة مباشرة بين تركيا وإسرائيل”.
الأهمّ أنّ بارّاك قدّم تفسيراً أميركيّاً لدافع الضربة، قائلاً إنّها عكست تصوّراً إسرائيليّاً، سواء كان دقيقاً أم خاطئاً، بأنّ تركيا قد تزيد وجودها في “أبو الظهور” قريباً. ويبدو أنّ الخلاف لا يتعلّق فقط بالمعلومات، بل بتعريف التهديد وحدود الردّ عليه. إذ ترى إسرائيل في احتمال نشر رادارات ودفاعات جوّيّة تركيّة خطراً ينبغي منعه قبل اكتماله، فيما تبدو واشنطن أقرب إلى التعامل مع إعادة بناء القدرات السوريّة بوصفها جزءاً من تثبيت الدولة ومؤسّساتها.
لا توجد معلومات علنيّة تثبت أنّ واشنطن اعترضت تحديداً على ضرب “أبو الظهور”، لكنّ الحادث كان خطِراً بما يكفي لدفعها إلى العمل على آليّة لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، إضافة إلى قناة الحوار وتبادل المعلومات القائمة أصلاً.
صراع على السّماء
هنا يتجاوز النقاش مطاراً واحداً إلى سؤال أكبر: ما شكل القوّة التي يُسمح لسوريا الجديدة بامتلاكها؟
ترى دمشق أنّ إعادة بناء المطارات والرادارات والدفاع الجوّيّ جزء طبيعيّ من إعادة بناء الدولة، وتريد تركيا أن تؤدّي دوراً أساسيّاً في هذه العمليّة. أمّا إسرائيل فلا تنظر فقط إلى نيّات الحكومة السوريّة الحاليّة، بل إلى القدرات التي يمكن أن تصبح في حوزتها مستقبلاً.
من هذا المنظور، لا تحتاج منظومة دفاع جوّيّ سوريّة إلى مهاجمة إسرائيل كي تتحوّل إلى تهديد، إذ يكفي أن تصبح قادرة على كشف الطائرات الإسرائيليّة أو تقييد حركتها. وهنا يقع جوهر التناقض: ما تراه دمشق استعادةً لسيادتها على مجالها الجوّيّ تراه إسرائيل تقليصاً لـ”حرّية العمل” التي اعتادت التمتّع بها في الأجواء السوريّة.
لذلك تبدو رسالة “أبو الظهور” موجّهة أساساً إلى إردوغان، ومفادها أنّ تركيا تستطيع المساعدة في إعادة بناء الجيش السوريّ، لكنّ إسرائيل تريد الاحتفاظ بحقّ تحديد المستوى الذي تصبح عنده هذه المساعدة غير مقبولة.
غير أنّ الرسالة تتجاوز أنقرة إلى دمشق بشأن حدود القوّة التي يمكنها إعادة بنائها، وإلى واشنطن بشأن قدرتها على التوفيق بين تثبيت دولة سوريّة ذات مؤسّسات عسكريّة وبين المطالب الأمنيّة الإسرائيليّة.
يتّضح من تياس إلى “أبو الظهور” أنّ الصراع المقبل في سوريا لن يدور حول من يسيطر على الأرض فقط، بل وحول سؤال أكثر حساسيّة: من يملك حقّ تحديد ما يمكن لسوريا أن يطير في سمائها؟
