ملخص
اللافت في هذا القانون ما تضمنه من إعادة تعريف لمفهوم التجسس التقليدي، ومن ينطبق عليه اتهام الجاسوسية، ليتوسع ويشمل كل من يتواصل مع وسائل إعلام غير إيرانية أو سفارات أجنبية أو دبلوماسيين أجانب أو مؤسسات دولية من دون الحصول على إجازة وموافقة رسمية من وزارة الخارجية.
بموازاة الحرب التي يخوضها النظام الإيراني ومعه الدولة بكل مؤسساتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع الإدارة الأميركية، وحجم الصعوبات التي يواجهها في إدارة حرب الإرادات العسكرية والاقتصادية والسياسية. فإن حرباً من نوع آخر لا تزال مستمرة وتشتد على المستوى الداخلي، بين التحولات التي بدأتها القيادة الجديدة مع المرشد مجتبى خامنئي، والجماعات الراديكالية التي تتمسك بموقفها الرافض للتسوية والتفاوض مع واشنطن، وتدعو إلى العودة لخيار الحرب حتى إلحاق الهزيمة “بالعدو الأميركي”. ولا تفوت فرصة إلا وتحاول توظيفها في خدمة هدفها الاستراتيجي، المتمثل في السعي إلى إسقاط الرئيس مسعود بزشكيان والفريق المفاوض بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وعلى رغم الانتكاسات السياسية والفكرية المتوالية التي لحقت بهذه الجماعة “الراديكالية”، إلا أنها لا تزال تحاول العمل من أجل ترميم قدراتها ونفوذها، لإعادة توجيه سياسات النظام في سياق خطابها الأيديولوجي، فهي لم تستسلم أمام قرار الحكومة التي امتنعت عن إصدار المراسيم التطبيقية لقانون إعادة فرض الحجاب. وأيضاً لم تتراجع بعد فشل حملة التشكيك التي روجت لها حول قرار التفاوض، متهمة رئيسي الجمهورية والبرلمان بالتواطؤ مع المجلس الأعلى للأمن القومي وقيادة حرس الثورة بعزل المرشد ومحاصرته، وصولاً إلى إجباره على القبول بخيار التفاوض بناء على الصورة التي قدمت له عن الأوضاع الداخلية الاقتصادية والمعيشية والعسكرية.
آخر إبداعات هذه الجماعة ومعها قوى محافظة تقليدية، هو تمرير التصويت بصورة سريعة على الصيغة العامة لقانون “مواجهة نفوذ أجهزة الاستخبارات والدول أو المؤسسات الأجنبية” في البرلمان في جلسة افتراضية، بواقع 183 صوتاً من أصل 258 نائباً شاركوا في الجلسة من أصل 290 عدد نواب البرلمان الكلي.
وعلى رغم أهميته في معالجة الخروقات الأمنية والاستخبارية التي نخرت البنية الأمنية والمخابراتية والشعبية وكشفت بنيتها التحتية العسكرية والأمنية أمام الهجوم الأميركي والإسرائيلي، وأدت إلى إلحاق أضرار كبيرة، وسهلت عمليات اغتيال واستهداف كبار قادة النظام السياسيين، “المرشد علي خامنئي” والقادة العسكريين والأمنيين خصوصاً من حرس الثورة وعلماء الذرة. إلا أن هذا القانون في حال إقراره، قد يتسبب في إثارة جدل كبير وعميق وحساس، في ما يتعلق بمسار السياسة الخارجية لإيران ومسائل الأمن القومي وحقوق المواطنة والمواطن الإيراني في حقه بممارسة حرياته بالتعبير عن آرائه ومواقفه.
والقانون الجديد يدخل في إطار سلسلة قوانين متسرعة سبق للبرلمان أن أقرها وشكلت عائقاً أمام الحكومات السابقة، وتحديداً حكومة الرئيس السابق حسن روحاني، في إعادة إحياء الاتفاق النووي والعودة للتفاوض مع الإدارة الأميركية لإبعاد شبح الحرب من إيران. وكلفت إيران بالتالي أثماناً دبلوماسية واجتماعية، ويهدف هذه المرة إلى ضرب حالة التعاطف السياسي والفكري والاجتماعي مع حكومة بزشكيان والفريق المفاوض الذي يعمل على إبعاد إيران
من حافة الهاوية وإنهاء حالة المراوحة بين الحرب والسلم التي تحولت إلى استنزاف لمقدرات البلاد الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية والبنى التحتية بأبعادها الأوسع اجتماعياً.
واللافت في هذا القانون ما تضمنه من إعادة تعريف لمفهوم التجسس التقليدي، ومن ينطبق عليه اتهام الجاسوسية، ليتوسع ويشمل كل من يتواصل مع وسائل إعلام غير إيرانية أو سفارات أجنبية أو دبلوماسيين أجانب أو مؤسسات دولية من دون الحصول على إجازة وموافقة رسمية من وزارة الخارجية. وأن كل من يخالف هذا الأمر يحكم عليه بالسجن وتصدر في حقه عقوبات قد تصل إلى 30 عاماً، بحال الاتهام بالتواصل مع الأجهزة الأجنبية، وستة أشهر للإعلاميين الذين يتواصلون مع وسائل الإعلام الأجنبية.
حصر الحصول على موافقة من وزارة الخارجية، يعني أن القانون الجديد قد عمد إلى توسيع صلاحيات وزارة الخارجية في إصدار تأشيرات دخول خاصة بالصحافيين بعد التنسيق مع الأجهزة الأمنية، وبالتالي أوجد نوعاً من تنازع في الصلاحيات بين هذه الوزارة ووزارة الثقافة والإرشاد (الإعلام) التي تشرف على عمل الإعلاميين الداخليين والأجانب، بالتنسيق مع وزارة الاستخبارات من خلال المكتب الدائم لجهاز الاستخبارات داخل هذه الوزارة.
إقرار هذا القانون يكشف عن حجم المخاوف التي باتت تسيطر على التيار المحافظ بكل تنوعاته المعتدلة والتقليدية والراديكالية من حجم الحريات التي انتزعها المجتمع الإيراني في مسألة حرية التعبير والتعددية السلوكية والآراء، منذ انتفاضة مهسا أميني عام 2022، مروراً بأحداث 2025، وصولاً إلى الحرب الأميركية 2026. وبالتالي لم يجد هذا التيار خياراً سوى الذهاب إلى مواجهة تنامي هذه الظاهرة التي من المفترض أن تكون طبيعية في أي نظام جمهوري ديمقراطي، من خلال ملاحقة كل الإعلاميين في مجال السياسة الخارجية، والخبراء في العلاقات الدولية والمترجمين والناشطين الاقتصاديين وحتى الباحثين الأكاديميين، الذين يفترض أن يكونوا على تواصل مع مراكز دراسات جامعية وأكاديمية أجنبية، ووضعهم في دائرة الاتهام الدائم في حال لم يحصلوا على موافقة وزارة الخارجية.
التيار الراديكالي تحديداً، والمحافظ عامة، باتا يشعران بتراجع تأثير خطابهم في الشارع الإيراني، خصوصاً في ظل تراجع الثقة في خطاب وأداء المؤسسة الرسمية للإعلام، تحديداً مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وبالتالي لم يجدوا وسيلة لمنع اتساع هذه الخسارة سوى إعادة تأميم الخطاب الإعلامي والأكاديمي والسياسي من خلال إخضاعه لمزيد من الرقابة الأمنية والسياسية، بخاصة في ما يتعلق بالخطاب الموجه إلى الخارج.
وعلى رغم أن القوى المحافظة قد كشفت عن حجمها داخل البرلمان من خلال عدد الأصوات التي حصل عليها هذا القانون، وهي قد تكون مرشحة للتراجع عند التصويت النهائي عليه، إلا أن هذه الكتلة البالغة 183 نائباً لا تشكل كتلة منسجمة حول جميع القضايا والهواجس التي تشغل هذه القوى. وعلى رغم اجتماعها وإجماعها على ضبط وفرض رقابة على الخطاب الإعلامي والسياسي والأكاديمي والاقتصادي، إلا أنها لا تبدو موحدة حول الخطاب الرسمي الذي تقدمه مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.
فقد كشفت حملة جمع التواقيع النيابية لدعم رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون “صدا وسيما” بيمان جبلي ونائبه وحيد جليلي، عن فرز واضح داخل البرلمان في أوساط التيار المحافظ من جهة، وبينه وبين القوى الأخرى التي تميل نحو الاعتدال، إذ كشف حجم التواقيع على هذه الحملة عن وجود كتلة داخل التيار المحافظ، تدفع لإعادة حصر الخطاب الإعلامي في هذه المؤسسة على حساب الأصوات الاخرى. وأن كتلة جديدة داخل هذا التيار متشكلة من الراديكاليين وبعض المحافظين التقليديين. وأن الموقعين البالغ عددهم 71 نائباً كشفت عدم وجود كتلة صلبة تدعم توجهات رئاسة هذه المؤسسة والسياسات التي تمارسها في التعامل الإعلامي مع التحديات التي تواجهها إيران وما فيها من أخطار.
الدافع وراء موقف الراديكاليين الذين لا يتجاوز عدد نوابهم الـ30 إلا قليلاً، هو محاولة الدفاع وصد الهجوم الذي يتعرض له أحد أهم المواقع الإعلامية داخل تركيبة السلطة، الذي يوفر لهم منبراً لإيصال أصواتهم إلى الشريحة الشعبية التي ما زالت تؤمن بخطاب هذه المؤسسة ومن يقف وراءها. فالأصوات الأخرى التي أضيفت لهم في التواقيع، قد لا تكون منسجمة مع هذا الخطاب المتطرف والمتشدد، بل قد يكون من باب الدفاع عن إحدى مؤسسات النظام الأخطر، ومن أجل قطع الطريق على الدخول في عملية تغيير لا تلبي طموحاتهم أو قد تفتح الباب أمام أصوات تعد نقيضاً لها على الساحة السياسية.
