بدأت نهاية “قسد” قبل إعلانها من القامشلي، عندما ظهر في تموز 2025 مشهد بدا في حينه مرتبطا بتركيا وحزب العمال الكردستاني أكثر من ارتباطه بسوريا، حيث وقف عدد من مقاتلي حزب العمال الكردستاني أمام أسلحتهم، ثم أشعلوا فيها النار. لم يكن المشهد مجرد إجراء رمزي داخل ملف تركي عمره عقود. إذ كشف حرق السلاح أن البيئة الإقليمية التي نشأت فيها وحدات حماية الشعب، ثم قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بدأت تتغير من أساسها، فالتجربة السورية ستندت منذ بدايتها إلى شبكة فكرية وتنظيمية تجاوزت الحدود السورية ووصلت إلى حزب العمال الكردستاني وجبل قنديل، لذلك اختصر مشهد تموز 2025 مسارا احتاجت سوريا إلى عام آخر حتى تظهر نتائجه كاملة.
مظلوم عبدي يعلن نهاية عملية الدمج بمؤسسات الدولة السورية
أعلن قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي خلال الاحتفال بمئوية مدينة القامشلي بريف الحسكة في 20 آب 2026 إنجاز عملية دمج المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية التابعة لـ”الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة السورية، منهيا بذلك مسارا عسكريا وسياسيا امتد أكثر من عقد في شمال شرقي سوريا.
أنهى إعلان عبدي عمليا تجربة بدأت بوحدات حماية الشعب، ثم اتسعت عام 2015 مع تأسيس “قوات سوريا الديمقراطية” بدعم أميركي، وسيطرت في ذروة نفوذها على مساحات واسعة من أربع محافظات سورية، وخاضت الحرب ضد تنظيم “داعش”، وأقامت مؤسسات إدارية وعسكرية وأمنية منفصلة، قبل أن تتراجع سيطرتها وتفقد القسم الأكبر من عناصرها العرب بعد التحرير، ثم تدخل في مسار تفاوض ودمج انتهى بحل هيكلها المستقل.
ولم يبدأ طريق النهاية في إعلان آب 2026 وحده. سبقت الإعلان تحولات سورية وإقليمية ودولية غيّرت الأسباب التي قامت عليها قوات سوريا الديمقراطية أصلا. وتقدمت القوات السورية في مناطق واسعة من الجزيرة، وانشق عشرات الآلاف من المسلحين العرب، وتغير الموقف الأميركي من المهمة التي أوكلتها واشنطن إلى القوات، في وقت بدأ حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا مسارا لإنهاء العمل المسلح.
وعاد بذلك السؤال إلى أصل التجربة: كيف ولدت قوات سوريا الديمقراطية؟ ومن شكّلها؟ وما علاقة قوات حماية الشعب بحزب العمال الكردستاني وجبل قنديل؟ وكيف انتقلت من قوة محلية في مناطق ذات غالبية كردية إلى شريك رئيسي للولايات المتحدة في الحرب على “داعش”، ثم إلى كيان عسكري وإداري يسيطر على نحو ثلث مساحة سوريا، قبل أن ينتهي داخل مؤسسات الدولة؟
كيف بدأت قصة “قسد”؟
أفرزت الثورة السورية منذ عام 2011 فراغا أمنيا وإداريا في مناطق عدة من شمالي وشمال شرقي سوريا. وبرزت في المناطق ذات الغالبية الكردية وحدات حماية الشعب، المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي “PYD”، باعتبارها القوة العسكرية التي سعت إلى تثبيت سيطرتها في تلك المناطق.
وتشكل حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2003، وتربطه جذور فكرية وسياسية بحزب العمال الكردستاني. وتتبنى القوى المرتبطة به أفكار زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وفي مقدمتها مفهوم “الأمة الديمقراطية” أو “الكونفدرالية الديمقراطية”.
وتقوم هذه الفلسفة على نموذج لامركزي يعتمد المجالس المحلية، ويشدد على المساواة بين الجنسين والتعددية العرقية والدينية. ونقلت قيادات وكوادر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني هذه الأفكار إلى التجربة السياسية والعسكرية التي تشكلت في شمال شرقي سوريا.
وبرزت وحدات حماية الشعب خلال السنوات الأولى للثورة عام 2012، أي قبل تأسيس “قوات سوريا الديمقراطية” بنحو ثلاث سنوات، كما ارتبط توسع دورها خلال عام 2014 بحزب الاتحاد الديمقراطي بوصفها ذراعه العسكرية.
في عام 2014 أعلنت القيادات الكردية تأسيس “الإدارة الذاتية” في مناطق الجزيرة وعفرين وعين العرب “كوباني”. وبدأت تبني مؤسسات مدنية وخدمية وإدارية مستقلة عن دمشق التي كانت خاضعة للنظام المخلوع.
وواجهت وحدات حماية الشعب في تلك المرحلة اتهامات من قوى سياسية كردية سورية بأنها قمعت منافسيها خلال العامين الأولين من الثورة السورية وأحكمت سيطرتها على معظم مدن وقرى الوجود الكردي في محافظة الحسكة.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت المواجهة مع تنظيم “داعش” تعيد رسم موازين القوى في المنطقة، وفتحت الحرب ضد التنظيم الباب أمام علاقة جديدة بين الوحدات والولايات المتحدة.
واشنطن تنشئ مظلة أوسع
أعلنت ثمانية فصائل عسكرية محلية في مدينة الحسكة في تشرين الأول 2015 تأسيس “قوات سوريا الديمقراطية”. وضمت التشكيلة الجديدة قوى كردية وعربية وسريانية وآشورية، وقدمت نفسها بوصفها تحالفا متعدد الأعراق والأديان هدفه مواجهة تنظيم “داعش”. وشكلت وحدات حماية الشعب عمودها الفقري والقوة العسكرية الأكثر تنظيما داخلها.
وجاء التأسيس في مرحلة شديدة التعقيد. كان تنظيم “داعش” يسيطر على مساحات واسعة من سوريا والعراق، وكانت الولايات المتحدة تبحث عن شريك بري يمكنه الاستفادة من الغطاء الجوي والدعم اللوجستي للتحالف الدولي والتقدم ضد التنظيم على الأرض.
واقترحت واشنطن إنشاء صيغة أوسع من قوات حماية الشعب تسمح بإدخال تشكيلات عربية وسريانية وآشورية تحت مظلة عسكرية واحدة، ووفرت للقوة الجديدة التمويل والتسليح والتدريب.
وضمت “قوات سوريا الديمقراطية”، مع اتساع العمليات، عشرات الآلاف من أبناء العشائر العربية في الجزيرة السورية، إلى جانب أعداد من السريان والآشوريين والسوريين الكرد.
لكن القيادة العليا ظلت ذات غالبية كردية، وحافظت قوات حماية الشعب على موقعها المركزي داخل البنية العسكرية.
وشارك في تأسيس وقيادة هذه البنية مقاتلون سابقون في حزب العمال الكردستاني، بينهم مظلوم عبدي، الذي عاد إلى سوريا بعد اندلاع الثورة السورية وتولى لاحقا القيادة العامة لـ”قسد”.
جبال قنديل داخل المعادلة السورية
شكّلت العلاقة بين “قوات سوريا الديمقراطية” ووحدات حماية الشعب من جهة، وجبال قنديل، المعقل التاريخي والقيادي لحزب العمال الكردستاني، من جهة أخرى، أحد أكثر الملفات حساسية في التجربة كلها.
وربطت القوات الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي بحزب العمال الكردستاني مظلة فكرية واحدة تستند إلى أفكار عبد الله أوجلان.
واستفادت الهياكل العسكرية والأمنية التي نشأت في شمال شرقي سوريا في مراحلها الأولى من خبرات كوادر قدمت من جبل قنديل. وتولت هذه الكوادر أدوارا في التدريب العسكري والتوجيه الفكري والتنظيم والهيكلة، داخل قوات حماية الشعب وفي أجهزة “الأسايش” ومؤسسات أخرى.
كما أرسل حزب العمال الكردستاني، عناصر قيادية من جبال قنديل إلى سوريا لضمان نفوذه في قرار “قسد” و”الإدارة الذاتية” وأصبحت هذه العلاقة لاحقا إحدى أهم نقاط الخلاف بين “قوات سوريا الديمقراطية” وتركيا.
واعتبرت أنقرة وحدات حماية الشعب و”قسد” امتدادا سورياً لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا تنظيما إرهابيا، واتخذت من وجود هذه القوات قرب حدودها الجنوبية سببا رئيسيا لرفض قيام كيان عسكري مستقل في شمال شرقي سوريا.
كما تحولت مسألة وجود قيادات وعناصر غير سورية مرتبطة بقنديل داخل المؤسسات العسكرية والأمنية إلى عقدة في مسارات التفاوض مع دمشق وفي محاولات الوصول إلى تفاهمات إقليمية.
الموقف التركي بدأ يتغير عقب مشهد تموز2025، والذي كان نتيجة لسياسة “تركيا من دون إرهاب”، وبرز أخيرا من خلال إزالة القيادي العسكري السابق في “قسد” سمير أوسو المعروف باسم “سيبان حمو” من قوائم الإرهاب، حيث يتولى حاليا منصب نائب وزير الدفاع السوري.
مكونات “قوات سوريا الديمقراطية”
جمعت قوات سوريا الديمقراطية قوى وأفرادا جاؤوا من خلفيات مختلفة، ولم تتطابق دوافعهم أو ولاءاتهم السياسية والعسكرية.
وضمت القوات سوريين كرد تلقى بعضهم التدريب والتثقيف داخل دوائر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، كما ضمت شبانا من السوريين الكرد والسريان دخل بعضهم التشكيلات العسكرية بسبب فرص العمل والرواتب والمكافآت المالية.
وشكل أبناء العشائر العربية كتلة بشرية كبيرة داخل القوات، ولا سيما بعد أن نظمت الولايات المتحدة تشكيلات محلية في الجزيرة السورية لمحاربة تنظيم “داعش”.
حافظ جزء كبير من هؤلاء المقاتلين العرب على روابطه العشائرية والمحلية، وهو ما ظهر بوضوح عندما تغير ميزان القوى لاحقا وبدأت الانشقاقات.
وكشفت الأحداث التي بدأت صباح 19 كانون الثاني عن هذه الهشاشة، حيث شهدت محافظتا دير الزور والرقة انشقاق أعداد متزايدة من أبناء العشائر العربية عن “قوات سوريا الديمقراطية”، وتوسعت الانشقاقات مع تقدم القوات السورية وتغير المعادلة العسكرية.
وبانشقاق عشرات الآلاف من المقاتلين العرب، فقدت “قسد” أحد أهم المكونات العددية التي سمحت لها خلال سنوات الحرب على “داعش” بالانتشار في مناطق ذات غالبية عربية واسعة.
الحرب على “داعش” وذروة القوة
خاضت “قسد” منذ تأسيسها معارك متواصلة ضد تنظيم “داعش” في شمالي وشرقي سوريا. وقدم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة دعما جويا ولوجستيا وعسكريا للقوات خلال العمليات. وساعد هذا الدعم على انتقالها من قوة تتركز في المناطق ذات الغالبية الكردية إلى قوة تسيطر على مدن ومناطق عربية واسعة.
وتقدمت القوات في الرقة والحسكة ودير الزور وأجزاء من ريف حلب، وخاضت سلسلة طويلة من المعارك انتهت بآخر معاقل التنظيم الجغرافية في منطقة الباغوز شرقي دير الزور.
وأعلنت في آذار 2019 انتهاء السيطرة الجغرافية لتنظيم “داعش” في سوريا بعد معركة الباغوز.
ومنحت هذه الحرب قوات سوريا الديمقراطية مكانة خاصة لدى الولايات المتحدة والتحالف الدولي، ورسخت وجودا أميركيا عسكريا في مناطق سيطرتها، وربطت استمرار القوات بوظيفة أساسية هي ملاحقة خلايا التنظيم وحراسة السجون والمخيمات التي تضم عناصره وأفراد عائلاتهم.
“قسد” تسيطر على قرابة ثلث سوريا
سيطرت قوات سوريا الديمقراطية كليا أو جزئيا خلال ذروة نفوذها على مناطق في أربع محافظات هي الحسكة والرقة ودير الزور وحلب. وبلغت المساحة التي خضعت لنفوذها نحو 60 ألف كيلومتر مربع من أصل مساحة سوريا التي تبلغ نحو 185 ألف كيلومتر مربع، ومنحت الجغرافيا هذه السيطرة أهمية تتجاوز مساحتها.
تضم الجزيرة السورية مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتشكل واحدة من أهم مناطق إنتاج القمح والحبوب في البلاد. كما تضم حقول نفط وغاز وثروات باطنية مهمة، وتركزت في مناطق سيطرة “قسد” نسبة كبيرة من موارد الطاقة السورية.
وأقامت “الإدارة الذاتية” في هذه المناطق نظاما إداريا وقانونيا خاصا بها، واعتمدت قوانين ومؤسسات وانتخابات محلية وصيغا دستورية خاصة، كما أنشأت نظاما تعليميا منفصلا في المدارس والجامعات.
وأصبحت “قوات سوريا الديمقراطية” بذلك أكثر من تحالف عسكري يخوض حربا ضد “داعش”. وفرت القوة العسكرية حماية لمشروع إداري وسياسي كامل امتد على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا.
علاقة معقدة مع المعارضة السورية
نشأت وحدات حماية الشعب في بيئة شهدت منذ البداية خلافات حادة مع أطراف من المعارضة السورية، وخصوصا بشأن طبيعة علاقتها بحزب الاتحاد الديمقراطي وبالنظام السوري المخلوع، وطبيعة المشروع السياسي الذي تبنته في المناطق التي سيطرت عليها.
واتهمت قوى معارضة القوات الكردية باستخدام الحرب ضد “داعش” لتوسيع السيطرة الجغرافية وإقامة كيان منفصل، في حين قدمت “قسد” نفسها قوة سورية متعددة المكونات ومهمتها الأساسية محاربة التنظيم وحماية المناطق التي تسيطر عليها.
وزادت العمليات العسكرية التركية والفصائل السورية المتحالفة معها التوتر بين الجانبين.
وأطلقت تركيا عملية “غصن الزيتون” في عام 2018، وانتهت بخروج وحدات حماية الشعب من منطقة عفرين. وفي عام 2019 أطلقت عملية “نبع السلام”، وخسرت “قوات سوريا الديمقراطية” بعدها السيطرة على تل أبيض ورأس العين ومناطق أخرى على الشريط الحدودي.
وأدت العمليتان إلى انكفاء السيطرة الكردية عن مناطق حيوية، ورسختا للمرة الأولى حدودا فعلية لقدرة “قوات سوريا الديمقراطية” على الاحتفاظ بالمناطق التي كانت تسيطر عليها تحت مظلة الدعم الأميركي.
معركة الباغوز 2019 وتغير الحسابات
واجهت “قوات سوريا الديمقراطية” بعد معركة الباغوز معضلة مختلفة، حيث انتهت المهمة العسكرية الأساسية التي تأسست من أجلها بصورتها الأولى، لكن القوات احتفظت بمناطقها ومؤسساتها وبالدعم الأميركي.
وفي المقابل، واصلت تركيا الضغط العسكري والسياسي، وربطت أمن حدودها بإنهاء وجود وحدات حماية الشعب قربها.
كما أصبحت العلاقة مع النظام المخلوع في دمشق أكثر إلحاحا، لأن المشروع الإداري والعسكري الذي تشكل خلال سنوات الحرب ظل خارج مؤسسات الدولة.
وزادت التحولات السياسية الكبرى في سوريا لاحقا من صعوبة استمرار الوضع السابق. وبعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة سياسية وعسكرية مختلفة، ولم تعد المعادلة التي سمحت لـ”قوات سوريا الديمقراطية” ببناء نفوذها بين دمشق وواشنطن وأنقرة قائمة بالشكل نفسه.
واستقبلت مناطق سيطرة “قسد”، أعدادا متزايدة من عناصر النظام المخلوع وأجهزته، وكان بعضهم قد قاتل إلى جانب تشكيلات “قوات سوريا الديمقراطية”.
وأصبحت مسألة مستقبل شمال شرقي سوريا مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل الدولة السورية الجديدة، وبالموقف الأميركي، وبالعلاقة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.
النفوذ ينحسر
بدأت خريطة السيطرة تتغير مع تقدم القوات السورية في مناطق كانت خاضعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، بعد استعادة الحكومة السورية للسيطرة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في كانون الثاني الفائت.
وظهرت نقطة التحول بوضوح في الأحياء والمناطق التي بدأت القوات تفقدها، قبل أن يمتد التراجع إلى أجزاء واسعة من الجزيرة.
وترافق التقدم العسكري مع انشقاقات كبيرة بين المقاتلين العرب، وكشفت الانشقاقات أن التركيبة العسكرية التي جمعت تحت مظلة واحدة مقاتلين كردا وعربا وسريانا وآشوريين لم تكن متماسكة بالدرجة نفسها في جميع المناطق.
وأصبح المقاتلون العرب، الذين شكلوا جزءا أساسيا من القوة البشرية في الرقة ودير الزور، أكثر ارتباطا بالتحولات المحلية والعشائرية عندما تغيرت موازين القوى.
وفقدت “قوات سوريا الديمقراطية” بذلك القسم الأكبر من قدرتها على العمل بوصفها القوة المسيطرة على مساحة متعددة المكونات تمتد من الحدود العراقية إلى ريف حلب.
وترافق ذلك مع تغير في الموقف الأميركي، إذ ربطت واشنطن دعمها لـ”قوات سوريا الديمقراطية” أساسا بمحاربة تنظيم “داعش”. ومع تغير الوضع السوري وتراجع الخطر الجغرافي للتنظيم، بدأت وظيفة التحالف القديمة تفقد المبرر الذي تأسست عليه.
وانتهت “قوات سوريا الديمقراطية” فعليا عندما تقدمت القوات السورية وسيطرت على معظم الجزيرة، وانشق عشرات الآلاف من المسلحين العرب، وأعلنت واشنطن انتهاء المهمة التي كانت أوكلتها إلى القوات.
وهو ما قاله توم باراك قال المبعوث الأميركي إلى سوريا وسفير واشنطن في تركيا، في تغريدة على إكس، مؤكدا أن الحاجة لوجود “قسد” انتهت، مشيرا إلى أن الحكومة السورية الجديدة مستعدة لتولي المسؤوليات الأمنية.
وأوضح باراك أن الشراكة مع “قسد” كانت ضرورة فرضها غياب الدولة المركزية سابقا، إلا أن الوضع اليوم “تغير جذريا، إذ أصبحت سوريا تمتلك حكومة مركزية معترف بها وانضمت إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بصفتها العضو التسعين”.
وفي 12 تشرين الثاني 2025، انضمت سوريا إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة عام 2014.
وأضاف باراك “هذا غيّر من مبررات الشراكة بين الولايات المتحدة وقسد، إذ إن الغاية الأصلية لقسد بوصفها القوة الأساسية على الأرض لمكافحة داعش قد انتهت صلاحيتها إلى حدّ كبير، بعدما أصبحت دمشق الآن راغبة وقادرة على تولّي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مرافق احتجاز داعش والمخيمات”.
اتفاق الدمج وفتح الطريق إلى الدولة
وقعت الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” في 31 كانون الثاني 2026 اتفاقا وضع إطارا لوقف إطلاق النار ودمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” بالدوة السورية.
وسبق اتفاق الدمج (31 كانون الثاني)، الاتفاق الذي وُقّع في العاشر من آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع و قائد “قسد” مظلوم عبدي، حيث مثّل في حينه بارقة أمل لتخفيف التوتر وفتح باب التعاون الأمني والعسكري والإداري.
ونص اتفاق الدمج، على الاعتراف بالحقوق الوطنية للسوريين الكرد ولغتهم، وربط تنفيذ هذه الحقوق بمؤسسات الدولة السورية.
كما وضع الاتفاق أساسا لإعادة هيكلة المؤسسات المدنية التابعة لـ”الإدارة الذاتية” وربطها بالوزارات والهيئات المركزية. وشمل المسار أيضا القوات العسكرية والأجهزة الأمنية، ونص على دمج عناصرها ضمن وزارتي الدفاع والداخلية.
وامتدت المفاوضات والحوارات على مدى نحو ثمانية أشهر، وناقش الطرفان خلال هذه الفترة مصير الوحدات العسكرية والمؤسسات الأمنية والإدارية، وشكل الإدارة في شمال شرقي سوريا، وآلية نقل المؤسسات والموارد والمعابر والمرافق إلى الدولة. وفرضت مسألة العناصر المرتبطة بقنديل نفسها في المفاوضات.
وارتبط تنفيذ الدمج، بفك الارتباط التنظيمي مع القيادات والأجندات الخارجية، وخروج العناصر غير السورية المرتبطة بجبل قنديل، ووضع جميع التشكيلات المسلحة تحت سلطة وزارتي الدفاع والداخلية. وهو ما أعلنه مظلوم عبدي في من القامشلي مشيرا إلى خروج القيادات الأجنبية وقال عبدي “جميع القوات الكردية التي ساعدتنا سابقا انسحبت من المنطقة”.
وأنهى الإعلان الصفة التنظيمية المستقلة لقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، ونقل القرار العسكري والأمني إلى مؤسسات الدولة.
ماذا يعني حل قوات سوريا الديمقراطية داخليا؟
أنهى الحل نموذجا إداريا وعسكريا استمر أكثر من عقد، وعادت مناطق كانت تعتمد قوانين ومؤسسات تعليمية وإدارية وأمنية خاصة إلى مسار الاندماج في مؤسسات الدولة.
كما أنهى الحل وجود قوة عسكرية موازية تسيطر على جزء كبير من موارد البلاد الزراعية والنفطية. وحول القضية الكردية من ملف يرتبط بقوة عسكرية وإدارة منفصلة إلى ملف سياسي ودستوري داخل مؤسسات الدولة، على أساس المعادلة التي حملها اتفاق الدمج: إنهاء السلاح والهيكل العسكري المستقل مقابل تثبيت الحقوق الثقافية والسياسية للسوريين الكرد.
ويحمل هذا التحول أثرا مباشرا على شكل الدولة السورية بعد سقوط النظام المخلوع. فقد أعاد مسألة احتكار السلاح والحدود والموارد والمؤسسات إلى الحكومة المركزية، ووضع تجربة “الإدارة الذاتية” أمام مرحلة مختلفة عن سنوات ما بعد 2014.
وماذا يعني خارجيا؟
يغلق الحل واحدا من أكثر الملفات توترا بين سوريا وتركيا، فأنقرة ربطت طوال السنوات السابقة وجود “قوات سوريا الديمقراطية” على حدودها بحزب العمال الكردستاني، واعتبرت تفكيك البنية العسكرية المرتبطة به شرطا لأمنها القومي.
كما أزال الدمج أحد أسباب العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي السورية، إذا اكتمل خروج العناصر غير السورية وانتهت البنية العسكرية المستقلة المرتبطة بقنديل، وتغيرت كذلك طبيعة الدور الأميركي.
اعتمدت واشنطن طوال نحو عقد على “قوات سوريا الديمقراطية” شريكا بريا رئيسيا في الحرب على تنظيم “داعش”. لكن استمرار دعم كيان عسكري مستقل أصبح أكثر صعوبة مع تغير السلطة في دمشق وظهور تفاهمات سورية وإقليمية جديدة.
فواشنطن دعمت في المرحلة الأخيرة التسوية والدمج داخل مؤسسات الدولة بوصفهما وسيلة تمنع فراغا أمنيا قد تستفيد منه خلايا تنظيم “داعش”.
كما أغلقت التسوية، المجال أمام أطراف إقليمية ودولية قد تحاول استثمار الخلاف بين دمشق والقوى الكردية، وهنا تبرز مخاوف سورية وتركية من محاولة الاحتلال الإسرائيلي استغلال أي كيان منفصل أو توظيفه ورقة ضغط في سوريا.
من حماية منطقة إلى عقيدة الدولة
أثار مسار الدمج سؤالا آخر يتعلق بالعقيدة القتالية للعناصر التي انتقلت من “قوات سوريا الديمقراطية” إلى الجيش والأجهزة الأمنية السورية.
وأبدى قيادي عسكري في “قسد” استعداد القوات المدمجة للتوجه إلى جبهة الجولان والقتال ضد الاحتلال الإسرائيلي إذا طلبت الدولة السورية ذلك.
وقال محمود برخودان، القيادي العسكري في عين العرب (كوباني)، في مقابلة مع صحيفة “تركيا”، إن قواته مستعدة للانتشار على محور الجولان والقنيطرة ودرعا، مؤكدا أنها لن تتردد في القتال إذا اندلعت مواجهة دفاعا عن البلاد.
ينقل هذا التصريح مركز القرار من قيادة محلية في شمال شرقي سوريا إلى القيادة المركزية للدولة، ويشير إلى تحول وظيفة القوات من حماية مناطق محددة و”إدارة ذاتية” إلى المشاركة في الدفاع عن كامل الأراضي السورية على وفق قرار المؤسسة العسكرية.
كما يوجه رسالة إلى دمشق وأنقرة بأن السلاح الذي كان يعمل ضمن بنية مستقلة أصبح خاضعا لقرار الدولة. ويغلق ذلك، نظريا، باب استخدام التشكيلات الكردية قوة مستقلة في صراعات إقليمية أو دولية خارج قرار دمشق.
الملف السوري وارتباطه بمسار “تركيا بلا إرهاب”
تزامن تحول قوات سوريا الديمقراطية مع مسار آخر بدأ داخل تركيا وحول حزب العمال الكردستاني. وأطلقت أنقرة مسار “تركيا بلا إرهاب”، الذي استهدف إنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني ودفع الملف إلى مسارات سياسية ومؤسساتية.
وأثر هذا التحول على حسابات شمال شرقي سوريا، لأن البنية الفكرية والتنظيمية لقوات حماية الشعب ارتبطت تاريخيا بحزب العمال الكردستاني.
ومع انتقال حزب العمال الكردستاني إلى مسار نزع السلاح وحل الأطر المسلحة، فقدت “قوات سوريا الديمقراطية” جزءا مهما من العمق السياسي والتنظيمي الذي استندت إليه طوال سنوات.
كما فقد استمرار كيان عسكري منفصل على الحدود التركية جزءا من منطقه في ظل تفاهم إقليمي يهدف إلى إنهاء الهياكل المسلحة المرتبطة بالحزب.
وفتح ذلك الباب أمام صيغة مختلفة: نقل المطالب السياسية والثقافية إلى المؤسسات الدستورية، وإنهاء الوجود العسكري المستقل.
تغيّر شكل المسألة الكردية
دفعت التحولات المتزامنة القيادات الكردية في سوريا إلى إعادة تقييم خياراتها، وأصبح استمرار “الإدارة الذاتية” بصيغة شبه مستقلة يحمل مخاطر أكبر، لأن الغطاء الأميركي لم يعد مفتوحا، ولأن الضغوط التركية استمرت، ولأن السلطة الجديدة في دمشق سعت إلى استعادة المؤسسات والحدود والموارد.
كما أدى تراجع خيار العمل المسلح لدى حزب العمال الكردستاني إلى إضعاف الأساس الذي سمح ببقاء شبكة عسكرية عابرة للحدود.
وتحولت المعادلة تدريجيا من حماية كيان إداري بالسلاح إلى البحث عن ضمانات سياسية ودستورية داخل الدولة.
ووضع اتفاق الدمج هذه المعادلة في صيغة واضحة: تنتهي التشكيلات العسكرية والهياكل الموازية، وتحصل الحقوق الثقافية والسياسية للسوريين الكرد على إطار داخل مؤسسات الدولة.
ويعني ذلك، انتقال القضية من مرحلة القوة المسلحة والأمر الواقع إلى العمل السياسي والمؤسساتي، وهو ما أكده عبدي حين قال إن قواته “ستكون في سوريا ضمن القانون، وسيستمر نضالنا السياسي”.
عقدة قنديل حتى المرحلة الأخيرة
شكّل إخراج العناصر غير السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني أحد أكثر الملفات حساسية. وأعلن مظلوم عبدي خلال مسار التفاوض مواقف تتعلق بمغادرة العناصر المرتبطة بقنديل وغير السوريين.
وحملت هذه التصريحات أهمية خاصة لأن أنقرة اعتبرت هذه العناصر طوال سنوات دليلا على الارتباط العضوي بين قوات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني.
كما رأت دمشق في استمرار قيادات عسكرية غير سورية داخل تشكيلات مسلحة تعمل على الأراضي السورية تعارضا مع مبدأ السيادة.
وجعل الدمج الكامل وخروج هذه العناصر القرار العسكري والأمني محصورا في مؤسسات الدولة السورية، وأنهى، على مستوى الهيكل التنظيمي، الصلة التي ربطت قوات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية بمراكز القرار في جبل قنديل.
بدأت “قوات سوريا الديمقراطية” عام 2015 حلا أميركيا لحاجة عسكرية محددة: إنشاء قوة برية واسعة تقاتل تنظيم “داعش” ولا تقتصر على قوات حماية الشعب.
ونجحت القوات، بدعم التحالف الدولي، في هزيمة التنظيم جغرافيا والوصول إلى الباغوز في 2019. ثم تحولت من أداة عسكرية إلى قوة تدير نحو 60 ألف كيلومتر مربع وتسيطر على النفط والغاز ومساحات واسعة من سلة الغذاء السورية، وتدير نظاما تعليميا وإداريا وأمنيا منفصلا، لكن القوة نفسها حملت منذ البداية تناقضاتها الداخلية.
ظلت القيادة الرئيسية كردية، وحافظت وحدات حماية الشعب على موقعها المركزي، واستمر حضور كوادر مرتبطة بقنديل، بينما شكل المقاتلون العرب كتلة واسعة احتفظ قسم منها بولائه المحلي والعشائري.
كما بقي المشروع معلقا بين الدعم الأميركي والضغط التركي والخلاف مع قوى المعارضة السورية والعلاقة المعقدة مع دمشق.
وأظهرت السنوات اللاحقة أن التحالف الذي صنعته الحرب على “داعش” لم يكن كافيا لضمان بقاء كيان سياسي وعسكري مستقل بعد تغير الحرب نفسها.
أنهت العمليات التركية جزءا من الامتداد الجغرافي. وأنهت هزيمة “داعش” الجغرافية المبرر الأول للتحالف مع واشنطن. وأنهى سقوط النظام المخلوع المعادلة السياسية القديمة في دمشق. وأضعفت انشقاقات أبناء العشائر العربية البنية العسكرية من الداخل. ثم أضعف مسار حزب العمال الكردستاني نحو ترك السلاح العمق الإقليمي الذي استندت إليه التجربة.
وجاء اتفاق الدمج ليضع النهاية القانونية والسياسية لهذه التحولات كلها.
ولذلك لا تختصر نهاية “قوات سوريا الديمقراطية” في قرار حل صدر في آب 2026، ولا تبدأ باتفاق وقع في كانون الثاني من العام نفسه.
بدأت النهاية عندما فقدت القوة بالتدريج الأسباب التي صنعتها: تغيرت الحرب، وتبدلت التحالفات، وانحسرت الأرض، وانقسم المقاتلون، وتراجع الغطاء الخارجي، وتغيرت سوريا، ثم بدأ يتغير حزب العمال الكردستاني نفسه.
وفي ذلك المشهد الذي أحرق فيه مقاتلون من الحزب أسلحتهم في تموز 2025، ظهرت الصورة الأولى لما سيحدث بعد ذلك في سوريا.
احترق السلاح في مشهد واحد، لكن ما انتهى لاحقا كان مرحلة كاملة امتدت من قنديل إلى الجزيرة السورية، ومن معارك “داعش” إلى مؤسسات الدولة، ومن قوة تأسست تحت مظلة التحالف الدولي إلى عناصر باتت تعمل، بعد الدمج، تحت سلطة الدولة السورية.
