السبت. أكتوبر 16th, 2021
أدين رفعت الأسد من القضاء الفرنسي بتهم الاحتيال (رمزي حيدر/فرانس برس)
+الخط

لم تكن عودة رفعت الأسد، عمّ رأس النظام السوري بشار الأسد، إلى العاصمة دمشق، يوم الخميس الماضي، بعد أكثر من 36 سنة على خروجه إلى فرنسا، مفاجئة لقطاع واسع من السوريين، خصوصاً أنه مهّد لهذه العودة في مايو/ أيار الماضي، حين شارك في التصويت في الانتخابات الرئاسية التي أجراها ابن أخيه، وأتبع ذلك برسالة تهنئة لبشار الأسد، بعد فوزه بهذه الانتخابات التي وُصفت بـ”المهزلة السياسية” من قبل المعارضة السورية. وذكرت صحيفة “الوطن” التابعة للنظام أنّ رفعت الأسد وصل ظهر الخميس الماضي إلى دمشق، وذلك هرباً من قرار السجن الذي صدر بحقه أخيراً في فرنسا، في قضية أصول جُمعت بالاحتيال تقدر قيمتها بـ90 مليون يورو، بين شقق وقصور ومزارع للخيول، وفق ما أوردته وكالة “فرانس برس”. وذكرت الصحيفة أنّ قدوم رفعت الأسد إلى سورية جاء منعاً لسجنه في فرنسا، بعد صدور حكم قضائي وبعد مصادرة ممتلكاته وأمواله في إسبانيا أيضاً، لافتة إلى أنّ بشار الأسد “ترفّع عن كل ما فعله رفعت في السابق، وسمح له بالعودة إلى سورية مثله مثل أي مواطن سوري آخر، على ألا يكون له أي دور سياسي أو اجتماعي”.

رفعت الأسد خطّط للعودة منذ أشهر، عندما شعر بأن القضاء الفرنسي جاد في إدانته

وتشير الوقائع إلى أن رفعت الأسد خطّط لهذه العودة منذ أشهر، عندما شعر بأن القضاء الفرنسي جاد هذه المرة في إدانته، فأدلى بصوته في باريس، في الانتخابات الرئاسية التي أجراها النظام أواخر مايو، ثم وجّه لابن أخيه رسالة تهنئة بعد ظهور نتائج الانتخابات التي ثبّتت بشار الأسد في السلطة حتى عام 2028. وجاء في البرقية التي نشرها دريد الأسد، نجل رفعت: “اليوم ينتصر الشريف وشعبه ولا يسعني بعد إذ رأيتك حبيباً كريماً وكما عهدتك بحمد الله إلا أن أبعث اليوم أصدق التهاني بمناسبة حصولكم على ثقة شعبنا العظيم بإعادة انتخابكم”.

رفعت الأسد، المولود في بلدة القرداحة في ريف اللاذقية في عام 1937، كان خلال الفترة الماضية حديث الإعلام، بعدما أدين من القضاء الفرنسي بتهم الاحتيال، بعدما عاش في أوروبا أكثر من ثلاثة عقود متنقلاً ما بين سويسرا وفرنسا وإسبانيا. وأعادت عودة رفعت الأسد إلى سورية الذاكرة السورية إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، حين كانت لهذا الرجل سطوة كبرى في النظام خلال 15 عاماً، ارتكب خلالها مجازر لا تزال هذه الذاكرة تئن تحت وطأتها. ولفت المحلل السياسي رضوان زيادة، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن “تفاصيل هروب رفعت الأسد من فرنسا إلى سورية لم تتضح بعد”، مضيفاً: “لا نعلم إن كان الحكم القضائي عليه في فرنسا تضمّن منعه من السفر أم لا، وهل تنازل عن أملاكه مقابل امتلاك حق السفر”. وأشار زيادة إلى أن “هروب رفعت الأسد حماية له من المحاسبة والسجن”، معرباً عن اعتقاده بأنه لم تكن هناك صفقة ما باريس طرف فيها. وتابع بالقول: “لا يوجد بلد يمكن أن يحمي عائلة الأسد إلا سورية التي باتت للأسف ملاذاً للمجرمين والفاسدين”.

رحلة صعود رفعت وشقيقه حافظ كانت قد بدأت في عقد الستينيات من القرن الماضي بعد قيام ضباط ينتمون إلى حزب “البعث” بانقلاب عسكري في مارس/ آذار 1963، ما فتح الباب أمام مجموعة من الضباط المنتمين إلى الأقلية العلوية في سورية للاستيلاء على السلطة في سورية على مراحل. وعمل رفعت، خريج الكلية الحربية في حمص، في كنف شقيقه حافظ الذي تدرج في المناصب العسكرية وصولاً إلى توليه منصب وزير الدفاع وهو ما مكّنه من القيام بانقلاب في عام 1970 على رفاقه فتولى السلطة لمدة 30 عاماً من دون منازع وبصلاحيات مطلقة تحت رداء حزب “البعث”. تقلّد رفعت، وهو الشقيق الأصغر لحافظ، العديد من المناصب العسكرية والحزبية في سبعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى تشكيل مليشيا داخل الجيش السوري هي “سرايا الدفاع” التي كانت تضم ضباطاً وعناصر من الطائفة العلوية حصراً، في سياق خطوات عدة قام بها حافظ الأسد لتشديد القبضة على السلطة واحتكارها له ولعائلته وللطائفة، والحيلولة دون قيام الجيش عليه، خصوصاً أن الجيش السوري يعد من أكثر الجيوش في العالم قياماً بانقلابات في القرن الماضي.

بعد تسلّمه قيادة “سرايا الدفاع” أواخر السبعينيات، تحوّل رفعت الأسد إلى “القائد” لدى مناصريه من الطائفة، وكان مطلق الصلاحية في الدولة والجيش والحزب. في منتصف عام 1980 نفذ رفعت الأسد مجزرة بحق أكثر من ألف معتقل في سجن تدمر الواقع في البادية السورية عقب تعرض شقيقه حافظ لمحاولة اغتيال. وكانت هذه المجزرة البداية الحقيقية لـ”التوحش” الذي أظهره رفعت الأسد بعد ذلك في تعامله مع السوريين، إذ أمر في فبراير/شباط 1982 بقتل 38 ألف مدني في حماة وسط سورية، بعد احتجاجات في المدينة، في واحدة من أكبر المجازر التي اقترفها رفعت وشقيقه. وتفاخر رفعت في اجتماع لما يُسمّى بـ”القيادة القطرية” لحزب “البعث” بهذا الأمر، فبدأت مرحلة الرعب المطلق في سورية خلال عقد الثمانينيات الذي يعد الأقسى على السوريين حيث تأسست جمهورية الخوف والفساد.

زيادة: لم تكن هناك صفقة ما لعودة رفعت الأسد، باريس طرف فيها

عام 1984 تطلع رفعت للسلطة عقب مرض شقيقه الذي شكّل مجلس حكم للبلاد لم يكن رفعت فيه، فحرك الوحدات العسكرية التابعة له للقيام بانقلاب يطيح من خلاله شقيقه، إلا أن حافظ استطاع احتواء الأمر بطريقة عائلية. وتشير مصادر مطلعة إلى أن أم حافظ ورفعت لعبت دوراً في ردع الأخير عن فعلته. بعد هذه الحادثة، حاول حافظ الأسد تقليم أظافر أخيه فأبعده عن الجيش، وعيّنه نائباً له، في خطوة سبقت قراره بنفيه عن سورية، فاشترط رفعت الحصول على ملايين الدولارات توضع في حساباته في مصارف سويسرية. وعندما لم يكفِ المبلغ الذي كان في المصرف المركزي السوري لإرضاء رفعت، لجأ حافظ الأسد إلى العقيد معمر القذافي الذي منحه هذا المبلغ الذي حاول حافظ الأسد التهرب من سداده، إلا أنه اضطر في التسعينيات إلى منح ليبيا استثمارات في سورية مقابل المبلغ، وفق مصادر متقاطعة.

انتقل رفعت الأسد إلى منفاه في أوروبا، ولم يُسمح له بالعودة إلى سورية إلا مرة واحدة في التسعينيات للمشاركة في جنازة والدته في بلدة القرداحة. حاول رفعت الأسد لعب دور المعارض للنظام في منفاه وأسس وسائل إعلام لم يكن لها شديد الأثر. بعد وفاة حافظ الأسد في منتصف عام 2000، ضيّق بشار الأسد الخناق على مؤيدي عمّه في الطائفة العلوية التي يقطن أغلب أفرادها في جبال الساحل السوري، ولم يسمح له بالعودة من منفاه.

الباحث السياسي في مركز “الحوار السوري” محمد سالم قلّل في حديث مع “العربي الجديد” من أهمية عودة رفعت الأسد إلى سورية، ورأى أنه “ورقة محترقة”، مضيفاً أن “لا أحد يراهن عليه في مستقبل سورية”. وأعرب سالم عن اعتقاده بأن النظام “يريد من هذه الخطوة تخفيف الاحتقان ضده داخل الطائفة العلوية بسبب الظروف المعيشية، ويمنع بذلك تطور معارضة داخل الطائفة ضده”.