ملخص
ليس واضحاً ما ستسفر عنه التحركات الفرنسية- الإيطالية، فما يسعى إليه البلدان ليس نسخة عن “اليونيفيل” وليس بعثة تابعة للأمم المتحدة، رغم أنهما قد يسعيان إلى الحصول على تفويض منها كما فعلت بعثة هايتي، غير أن ما يجب أن تأخذه أية قوة دولية بديلة في الاعتبار هو أن ظروف المنطقة وحروبها تغيرت منذ طوفان “حماس” في غزة وما لحقه.
عبرت كثرة نيابية في لبنان فجأة عن رغبة عميقة في استمرار عمل وحدات قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان، ووجهت رسالة بهذا الخصوص إلى الأمم المتحدة، وقابلت مسؤولين لبنانيين على رأسهم رئيس الجمهورية جوزاف عون لتدعيم موقفها وموقف لبنان الراغب في حضور دولي يوازي غياب قوات الأمم المتحدة ابتداءً من نهاية هذا العام.
ومهما كانت الخلفية التي ينطلق منها هؤلاء النواب، أو غيرهم من المسؤولين، الذين يتمسكون الآن بالقوات الدولية، بعد قرار مجلس الأمن الدولي بإنهاء مهماتها نهاية هذا العام، فإن موقفهم يعبر عن مخاوف حقيقية من أن يترك الجنوب اللبناني وسكانه عرضة لتسلط جهتين تحكمتا بعمل القوات الأممية على مدى عقدين، إسرائيل من جهة و”حزب الله” من جهة ثانية.
يعود تاريخ وجود قوات الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني لما يقارب 50 عاماً ويمكن تقسيمه إلى مرحلتين، الأولى عندما قرر مجلس الأمن الدولي إرسال بعثته اثر الاجتياح الإسرائيلي الأول الذي استهدف “منظمة التحرير الفلسطينية” عام 1978.
وترافق قرار إرسال القوات مع تأكيد تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل بموجب القرار 425. والمرحلة الثانية أعقبت حرب يوليو (تموز) عام 2006 وعُدلت خلالها مهمات القوات الدولية بموجب القرار الدولي 1701 الذي نص على إمساك الجيش اللبناني والقوات الدولية بالأمن وحصر السلاح في الجنوب اللبناني بيد الجيش، كبداية لحصره تحت سلطة الدولة في كل الأراضي اللبنانية.
كانت إسرائيل انسحبت كلياً من لبنان عام 2000 بموجب القرار 425، إلا أن القوات الدولية بقيت على أراضيه لمتابعة مهماتها الأصلية، إلى مهمات أضيفت نتيجة التطورات، غير أن المشكلة التي رافقت وجود هذه القوات بقيت هي نفسها دائماً، إذ تحكمت بمصائرها ويومياتها فكرة الحرب المفتوحة من فوقها وتحتها وحولها، مما يعني أن القوة الشرعية الدولية التي يجب الاعتماد عليها لإشاعة الاطمئنان، تحولت عرضة لانتهاكات طرفي الحرب، وأحياناً هدفاً غير مفهوم لحملاتهما.
حتى عام 1982 كانت القوات الدولية واقعة بين رغبة “منظمة التحرير الفلسطينية” وحلفائها في الاحتفاظ بحرية الحركة ضد إسرائيل، وكانت هذه الأخيرة لا تمانع في إبقاء الجنوب ساحة مفتوحة للقتال ضد المنظمة الفلسطينية وقواتها المشتركة من اللبنانيين. وبعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 منعت السلطات اللبنانية من تحويل المناسبة إلى نقطة انطلاق لبناء الدولة وتوطيد مؤسساتها الشرعية في خطوة أساسية نحو الاستغناء عن خدمات الأمم المتحدة الأمنية. لم يكُن قيام الدولة مناسباً للنظام السوري، ولا للمشروع الإيراني، وتحت أعين إسرائيل والعالم والقوات الأممية بنى “حزب الله” قوته الإقليمية وحفر أنفاقه وأخذ البلاد إلى النقطة التي هي فيها الآن.
لم يُسمح للأمم المتحدة وقواتها القيام بما هو مطلوب منها، ولم يكُن ذلك جديداً على السياسات الدولية وموازين قواها، لكن أن تستمر أقدم قوة تابعة للأمم المتحدة، ربما بعد القوة التي أرسلت إلى قبرص، في المراوحة والعجز، فهذا ما كان إلا ليلفت المزيد من الانتباه إلى مكامن مهمة متجهة إلى الفشل.
خلال الأعوام الأخيرة ازداد الضغط في مجلس الأمن الدولي وعلى الأرض الجنوبية في شأن ما تقوم به بعثة الأمم المتحدة العسكرية الضخمة. وضمن منطقة عملها بدأت القوات تتعرض لمزيد من تحرشات أهالي “حزب الله”، وبلغ الأمر أحياناً حد الاعتداء ومقتل جنود دوليين، وفي المقابل لم تحترم إسرائيل مهمات الدوليين ولا مواقعهم.
كانت المهمة المنوطة بالقوات الدولية مساعدة الجيش في تنظيف الجنوب من السلاح غير الشرعي ووقف الخروق الإسرائيلية، إلا أن مشاريع القوى المعنية كانت تتقدم نحو مناطق أخرى. وبعد اغتيال قاسم سليماني صار خطاب “حزب الله” موجهاً نحو تحرير الجليل والقدس وإرسال الأميركيين قتلى إلى موطنهم، وباتت خطة إسرائيل مواجهة إيران وأذرعها على امتداد الإقليم، واختفت قوات الأمم المتحدة في المؤخرة، مجموعة إنسانية تحتاج إلى حماية ورعاية، مما جعل الولايات المتحدة تضغط قبل عام في مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار بإلغاء تفويضها نهاية هذا العام.
عارضت الولايات المتحدة وإسرائيل تمديد ولاية “اليونيفيل” إلى ما بعد عام 2026 بشراسة، على رغم أن 14 من أعضاء المجلس الـ15 يؤيدون تأجيل سحب “اليونيفيل”، بحسب دبلوماسيين تحدثوا إلى “هيومن رايتس ووتش” أخيراً.
وفي معطيات وزعتها المنظمة الإنسانية، قالت سفيرة الدنمارك لدى الأمم المتحدة ورئيسة مجلس الأمن الدولي لأغسطس (آب) كريستينا ماركوس لاسن خلال اجتماع مع منظمات المجتمع المدني إنه ينبغي للمجلس إعادة النظر في قرار إنهاء ولاية “اليونيفيل”، لأنه اتخذ قبل التصعيد الحالي للأعمال العدائية في لبنان.
ورأى مبعوث الصين لدى الأمم المتحدة فو كونغ في مايو (أيار) الماضي أن على مجلس الأمن إعادة النظر في قرار إنهاء ولاية “اليونيفيل”، لكن دولاً أخرى دخلت في البحث فعلاً عن بدائل للقوات الأممية تمنع قيام فراغ خلال المرحلة الانتقالية التي تغيرت معالمها تماماً بعد الحروب الأخيرة وانتظام لبنان مباشرة في مفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية لصيقة. لقد دعا قرار إنهاء المهمة في أغسطس (آب) عام 2025 الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى تقديم خيارات في شأن “مستقبل تنفيذ القرار 1701 (2006) بعد انسحاب ’اليونيفيل‘”.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، قدم غوتيريش مذكرة إلى المجلس تعرض ثلاث صيغ مختلفة لخيار قوة حفظ سلام صغيرة ومتوسطة وأكبر حجماً. وأكبر هذه الصيغ سيكون أصغر بكثير من “اليونيفيل” في حجمها الحالي. ولم يلمح غوتيريش إلى خيار تأجيل انسحاب “اليونيفيل” باعتبار الأمر محسوماً.
وتقدمت فكرة قوة دولية بديلة خلال الأشهر الأخيرة، والأسبوع الماضي كانت هذه الفكرة مدار بحث في روما بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وميلوني أعلنا مطلع الصيف الحالي أنهما سيشكلان ائتلافاً متعدد الجنسيات يتولى الحلول محل “اليونيفيل” بعد مغادرتها. ومن المعروف أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا من أكبر المشاركين في القوات الدولية (تضم حالياً نحو 7500 فرداً من 47 دولة).
ليس واضحاً ما ستسفر عنه التحركات الفرنسية- الإيطالية، فما يسعى إليه البلدان ليس نسخة عن “اليونيفيل” وليس بعثة تابعة للأمم المتحدة، على رغم أنهما قد يسعيان إلى الحصول على تفويض منها كما فعلت بعثة هايتي، غير أن ما يجب أن تأخذه أية قوة دولية بديلة في الاعتبار هو أن ظروف المنطقة وحروبها تغيرت منذ طوفان “حماس” في غزة وما لحقه.
وفي تقرير نشره “معهد واشنطن” أن بعثة أوروبية قد “تسهم في تعزيز جهود واشنطن في لبنان، شرط أن يحكم الأوروبيون تنسيق مقترحاتهم مع الحضور الأممي المقبل والأولويات الأميركية في السيادة ونزع السلاح”.
لقد رسم اتفاق الإطار اللبناني- الإسرائيلي برعاية أميركا جدولاً بالمحطات على طريق معاهدة سلام دائمة بين البلدين. وأقر اتفاق الإطار بحاجة لبنان إلى “الشركاء الدوليين” لإرساء سيادته كاملة. وطالب بيان “مجموعة السبع” خلال اجتماعها الأخير بـ”صون السلامة الإقليمية للبنان وسيادته مع ضمانات أمنية دولية ملائمة”.
بديهي أن الحضور الدولي في هذه الحال سيبقى أساسياً، لكن شروط حركته ستكون مرتبطة بمصير الاتفاق الذي ترعاه أميركا، وبموقف الولايات المتحدة في الدرجة الأولى ومدى سيرها في فرض تسوية قوامها الانسحاب الإسرائيلي الشامل وإنهاء “حزب الله” المسلح والدخول العميق في الإعمار وإعادة البناء.
