ينساق قادة إيران خلف ابتداعهم نظريّات التفوّق على إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في المبارزة الإعلاميّة التي يروّجون لها. يتّبع الرئيس الأميركيّ الأسلوب نفسه للترويج لانتصاره عليهم، وإعلانه اللاواقعيّ أنّ مضيق هرمز ملكيّة أميركيّة، لكنّهم يفعلون الشيء نفسه. يبنون سياساتهم على الدعاية التي يكونون قد أجادوا الترويج لها، بأنّهم هزموا أميركا، ويصرّون على ترجمتها سياسيّاً، وأنّ مضيق هرمز تملكه إيران. ويستنسخ قادة “الأذرع” الإيرانيّة نهج الدعاية نفسه، وخصوصاً “الحزب” في لبنان، فيغرقون بوهم الانتصارات، من دون حساب لاختلاف موقع بلدهم عن موقع إيران سياسيّاً وعسكريّاً.
رأى رموز التشدّد في طهران، بعدما اعتبر ترامب المفاوضات مع إيران “مضيعة للوقت”، أن لا فائدة من العودة إلى مذكّرة التفاهم التي وقّعها والرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان في 26 حزيران الماضي. لكنّهم لا يمانعون التواصل عبر الوسطاء، على الرغم من خطّة “الخنق الاقتصاديّ” للاقتصاد الإيرانيّ التي بدأتها واشنطن.
طهران تردّ على مبالغات ترامب بأفظع منها
حين أعلن ترامب منتصف الشهر الجاري أنّه سيعتبر هرمز ملكيّة أميركيّة، قال نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّ كاظم غريب أبادي: “لا يمكن السيطرة على مضيق هرمز بتغريدة أو حاملة طائرات أو بإصدار أمر أو بإلقاء خطاب انتخابيّ”.
بقدر واقعيّة الردّ الإيرانيّ، انتقلت المبارزة إلى تعداد ترامب ووزرائه عدد السفن التي استطاع الجيش الأميركيّ تمريرها يوميّاً عبر المضيق على الرغم من المنع الذي يطبّقه “حرس الثورة”، فيما دأب الأخير على التكرار أنّ المضيق مغلق، وواصل قصف سفن خليجيّة وآسيويّة، مستجلباً المزيد من العداء مع دول إمّا لعبت دور الوسيط أو فضّلت الحياد في المواجهة بين طهران وواشنطن.
هرمز وتوسيع جبهة الأعداء
لم تكتفِ السياسة الترويجيّة الإيرانيّة بوقائع التأثّر السلبيّ للاقتصاد العالميّ جرّاء نجاح “الحرس” في إحداث الاضطراب في سلاسل إمداد الاقتصاد العالميّ بالطاقة وبالبضائع التجاريّة على أنواعها. بل ذهب نائب رئيس البرلمان الإيرانيّ حميد بابائي إلى حدّ تهديد دول الجوار إذا التزمت العقوبات الأميركيّة القصوى بالقول إنّ “دول الخليج لا ينبغي لها إنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط حتّى لا يصبح مضيق هرمز بلا أهميّة”. لكنّ “الحرس” أعاد تشغيل “المراهقة” الحوثيّة ضدّ المملكة العربيّة السعوديّة مقابل نجاح القوّات الأميركيّة في تجديد الحصار البحريّ على الاقتصاد الإيرانيّ، وهو ما استدعى ردّاً عسكريّاً من الرياض ثمّ إعلان اتّفاق مكّة للدفاع المشترك مع كلّ من أنقرة وإسلام آباد.
من مظاهر الدعاية التي بنى عليها المتشدّدون و”الحرس” الاستناد إلى بعض الوقائع. هزأ الإعلام الإيرانيّ من تراجع ترامب عشر مرّات عن تهديداته بتوجيه ضربات مؤلمة لإيران.
النّجاح بـ”الفضاء الإلكترونيّ” يتحوّل لسياسة
لكنّ المتشدّدين في إيران الذين كانوا اعتبروا مذكّرة التفاهم مع أميركا انتصاراً، ذهبوا إلى حدّ القول، كما نقلت صحيفة كيهان المُتشدّدة، إنّ “طهران حقّقت تفوّقاً في معظم الجبهات. وتمكّنت من إلحاق خسائر بالقوّات الأميركيّة، وفرضت سيطرة مؤثّرة على مضيق هرمز، ونجحت في الحرب السيبرانيّة والعمليّات النفسيّة وإحباط محاولات تخريب داخليّة عبر تفكيك خلايا مرتبطة بخصومها. لا تقتصر الحرب على الجانب العسكريّ، بل تشمل أيضاً الفضاء الإلكترونيّ والإعلاميّ، حيث نجحت إيران في التأثير على الرأي العامّ وإرباك خصومها”.
تشويه الوقائع
يكشف ذلك مقدار الأهمّيّة التي يوليها هؤلاء للدعاية في قراءة ميزان القوى، لا سيّما العسكريّ والسياسيّ، وتفيد قناعتهم بأنّ كسب تأييد الرأي العامّ يمثّل شرطاً أساسيّاً لتحويل الإنجاز العسكريّ إلى نجاح سياسيّ، وأنّ ترامب لم ينجح في إقناع الأميركيّين بأنّ الحرب ضدّ إيران تخدم مصالحهم.
تشمل حرب الفضاء الإلكترونيّ أيضاً تشويه الوقائع. وتخفي الرواية الإيرانيّة السبب الأبرز الذي استدرج ترامب منتصف تمّوز الماضي إلى العودة لحملة القصف التي أمر بها على مدى أسبوعين. كانت ذريعة ترامب آنذاك أنّ “الحرس” قصف ثلاث سفن سعوديّة، قطريّة وقبرصيّة عبرت هرمز في السابع من تمّوز.
خالفت طهران البند الخامس من مذكّرة التفاهم، الذي يلزمها بـ”ضمان” فتحه، نتيجة تفسيرها الأحاديّ للنصّ. سبب تصرّفها أنّها لم تحصل على جزء من أرصدتها المجمّدة في قطر، والتي كانت مشروطة بالتفاوض عليها بعد فتح المضيق. فمن أصل 24 مليار دولار حصلت على ثلاثة في مرحلة أولى، وهو ما لم يكن كافياً لمواجهة تداعيات الحصار الأوّل لموانئها على اقتصادها المتراجع.
العين على القمّة الأميركيّة الصّينيّة
من يتابعون مدى تأثير الاعتداد بـ”النجاح” في استخدام “الفضاء الإلكترونيّ” لديهم الكثير من النماذج عن استسهال قادة “الحرس” بناء سياساتهم وتضخيم تطلّعاتهم وتسخيف قدرات الخصوم.
هذا النهج الدعائيّ والتعبويّ لا يمنع طهران من المناورة ويدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت مشاركة الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القوميّ محسن رضائي في تهديد دول الخليج استباقاً لقمّة ترامب مع الرئيس الصينيّ شي جين بينغ في 24 أيلول المقبل في واشنطن. همُّ طهران أن تمتنع بكّين عن تطبيق العقوبات الجديدة، وأن يعمل الزعيم الصينيّ على تسوية ما تفادياً لمزيد من التصعيد الإقليميّ الذي يضرّ الاقتصاد الصينيّ بقدر الحصار الأميركيّ على إيران… ولهذا حديث آخر.
تسليف “الحزب” لإيران… وانحناء أمام إسرائيل
أمّا في لبنان فـ”الحزب” لا يواجه مبالغات شبيهة بتلك التي يرتكبها ترامب كي يسعى إلى مقارعتها. فطهران تتكفّل بـ”الفضاء الإلكترونيّ” نيابة عنه وعن سائر الأذرع. جلّ ما تطلبه طهران من “الحزب” أن يقف ضدّ خيارات السلطة اللبنانيّة في سعيها إلى الإمساك بقرار البلد لإنهاء حقبة هيمنة إيران التي أوصلته إلى النكبة التي يعيشها راهناً. فمنذ اتّفاق “الإطار” الذي رسم خريطة التفاوض اللبنانيّ الإسرائيليّ برعاية أميركيّة، يمتنع “الحزب” عن تسليف الدولة اللبنانيّة أيّ موقف يعينها على الحدّ من “العقوبات” الإسرائيليّة المدعومة أميركيّاً ضدّ الجنوب واللبنانيّين والطائفة الشيعيّة خصوصاً.
في لعبة تشويه الحقائق خذل “الحزب” رئيس البرلمان نبيه برّي ثلاث مرّات بشأن التزام وقف النار والاستعداد لبحث مسألة السلاح. يدّعي “الحزب” في ترويجه الدعائيّ أنّه سلّف الدولة اللبنانيّة امتناعه عن الردّ على الانتهاكات الإسرائيليّة الفاضحة لوقف العمليّات القتاليّة، في وقت كان ذلك التزاماً بقرار إيرانيّ، وانحناءً بوجه التغوّل الإسرائيليّ.
يزيّن “الحزب” لجمهوره التحاقه الكامل بمناورات طهران، غير آبه بعبثيّة حشر رأسه في لعبة الأمم وأضرارها على بيئته. الآن يناور بالحوار مع أميركا. وهو ما تقوم به السلطة اللبنانيّة.
