مساعد رئيس التحرير ومحرر اقتصادي سابق في “الاندبندنت”.
.شون أوغرايدي
ملخص
ستارمر يواجه أخطر لحظاته السياسية وسط تمرد داخلي وضغوط للإطاحة به، فيما تمنحه زيارة ترمب فرصة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، مع غياب بديل واضح قادر على توحيد الحزب. وبرغم ضعفه الجماهيري، فإن صموده في وجه أزمات سابقة يمنحه فرصة للبقاء، خاصة إذا تحسنت أوضاع الاقتصاد والخدمات.
ما يميز كير ستارمر هو أنه على رغم الصراع الذي يخوضه حفاظاً على وجوده السياسي، فهو لا يظهر شيئاً من الضغوط النفسية والعاطفية التي لا بد أنها تعتمل داخله. إنه أمر جيد، وفي الواقع قد يعد ذلك الجانب الإيجابي لكونه أشبه بـ”عمود بشري بلا جدوى”، على حد وصف بوريس جونسون.
خلال الوقت الحالي، يذكرني ستارمر بلعبة أطفال انتشرت منذ أعوام تسمى “ويبلز” Weebles، وهي شخصيات ممتلئة الجسم قاعدتها مستديرة وثقيلة تحول دون سقوطها بأية صورة من الصور، فتترنح مهما دفعتها لكنها تعود دائماً إلى وضعها المستقيم. وكان شعار اللعبة “الويبلز تترنح لكنها لا تسقط”.
لكن الخطر الذي يواجه ستارمر حقيقي. فعندما يبادر نواب حزب “العمال” إلى مصارحة المراسلين البرلمانيين داخل مجلس العموم بمدى سوء أداء رئيس الوزراء، فإن ذلك يعد، بحسب خبراء الاقتصاد، مؤشراً مبكراً على اقتراب الإطاحة به.
وبلغت الأمور درجة من السوء دفعت ستارمر، على غير عادته، إلى ارتياد غرف الاستراحة في مجلس العموم، وتناول الطعام مع نواب من حزب “العمال” لا يعرفهم على الأرجح، ومواساة وزراء سابقين متأثرين بخسارتهم بعدما طلب من مسؤول الانضباط الحزبي إقالتهم خلال التعديلات الوزارية.
لكن ما يساعد ستارمر هو قلة خصومه الحقيقيين من اليسار المعتدل داخل الحزب القادرين على التغلب عليه على أرض الواقع في أي تحدٍ على رئاسة الحزب، على افتراض أنه لن يقبل بالتنحي طوعاً.
البديل الطبيعي لستارمر هو بلا شك ويس ستريتينغ، الذي يتمتع بقدرة على التواصل قلَّ أن نجد مثلها لدى قيادات الأحزاب. غير أن مواقفه السياسية [اليمينية] تضعه في الموقع الخاطئ، إلى درجة تجعل ستارمر يبدو وكأنه أقرب إلى ديانا أبوت [النائبة العمالية البارزة المعروفة بتوجهاتها اليسارية].
حتى وقت قريب، كانت رايتشل ريفز تعد المرشحة المفضلة، لكننا جميعاً نعرف ما جرى لاحقاً. ومن حسن حظها أنها ما زالت تحتفظ بمنصبها في وزارة الخزانة.
بعد كل هذا، لا يبقى سوى آندي بورنهام الخصم الأبرز من جناح اليسار المعتدل، الذي لا يبذل جهداً كبيراً لإخفاء تحركاته الطامحة. لكن مشكلته الأساس أنه لا يشغل مقعداً في البرلمان، ولم يعد هناك ما يعرف داخل حزب “العمال” بالمقعد “الآمن” [الدائرة المضمونة الفوز للحزب] الذي يمكن أن ينقل إليه فجأة.
خلال الوقت الحالي، من المرجح أن تهدئ زيارة دونالد ترمب من التكهنات المحمومة في شأن مستقبل ستارمر، وتبعد بورنهام من الأضواء لبضعة أيام. صحيح أن الزيارة قد تنقلب بصورة سيئة للغاية – فنحن نتعامل هنا مع سيد فن المراوغة والالتفاف. لكن الإشاعات تقول إن ترمب، الذي يبدي تعاطفاً حقيقياً مع ستارمر، لن يهاجمه بشدة في موضوع حرية التعبير، ولن يحرجه أمام الملك بالخوض في قضايا مثل بيتر ماندلسون [السياسي العمالي المثير للجدل، وأُقيل حديثاً من منصبه كسفير بسبب علاقاته بجيفري إبستين] أو حقوق المتحولين جنسياً أو الطاقة الخضراء. ومن المتوقع أن تسفر الزيارة عن أخبار إيجابية تتعلق بالتجارة والتكنولوجيا والاستثمار – فضلاً عن المراسم الاحتفالية الباذخة ذات الطابع المسرحي – والكفيلة بإبقاء بورنهام بعيداً من الواجهة لأيام عدة.
ربما جرى الاستخفاف بما يتمتع به ستارمر من مرونة وصمود. فقد تولى زعامة حزب “العمال” في أحلك الفترات، بعد تجربة انتخابية عام 2019 كادت تقضي على الحزب. قد يصعب تذكر ذلك الآن، لكن جونسون كان آنذاك يتصرف كـ”ملك الشمس” في السياسة البريطانية [لويس الـ14 ملك فرنسا كان يلقب ملك الشمس في تعبير عن الهيمنة والسلطة المطلقة]، ويخطط لعقد كامل في السلطة بدا مضموناً، فيما جرى التعامل مع حزب “العمال” وكأنه خارج الحسابات لجيل كامل.
بلغ الحزب أدنى مستوياته خلال مايو (أيار) 2021 حين خسر مقعد هارتلبول (الذي شغله ماندلسون سابقاً) لمصلحة المحافظين الجامحين بزعامة جونسون. لكن ستارمر صمد وثابر، وكان لمزيج من فوضى “المحافظين” وانضباط “العمال” أثره في تحقيق انتصار الحزب خلال يوليو (تموز) 2024.
لكن النتيجة في الحقيقة كانت رفضاً لـ”المحافظين” بقدر ما كانت منح ثقة لحزب “العمال”، ولم تكن شعبية ستارمر الشخصية مرتفعة أصلاً – فهو يفتقر إلى لمسة النجومية التي تميز بها توني بلير. ومع ذلك، لم يكن فوز “العمال” أمراً مفروغاً منه، إذ يعزى جانب كبير من ذلك الانتصار إلى عناد ستارمر وإحساسه بالواجب.
فاراج يشبه بريطانيا بكوريا الشمالية وستارمر يراه خائنا
ربما تظهر نتائج استطلاعات الرأي التي تنتشر كل يوم تقدم حزب “ريفورم” البريطاني بفارق كبير، إنما ليس من المقرر عقد أية انتخابات عامة عما قريب. فهي لا تزال على بعد زمن سياسي طويل، والأمور قابلة للإصلاح – وعلى نواب الحزب ألا ينسوا ذلك.
فإن نما الاقتصاد وتحسنت الخدمات العامة وتوقف ارتفاع الضرائب وأوقفت القوارب الصغيرة وأفرغت فنادق طالبي اللجوء، لا بد أن تتحسن مكانة الحكومة. سبق أن حدث هذا الأمر مرات عدة لحكومات كانت تبدو محاصرة وبلا أمل.
وعلى ستارمر أيضاً أن يذكر نوابه بما حققوه بالفعل في هذا العهد: من تقليص فترات الانتظار على قوائم هيئة الخدمات الصحية العامة، وإبرام اتفاقات تجارية وطرح مشروع قانون حقوق المستأجرين وتحسين حقوق العمال وطرح مشروع قانون هيلزبورو (وهو مطلب رئيس لبورنهام) لإقراره في مجلس العموم. صحيح أنه يجب فعل مزيد، كما يقولون، لكن لا حاجة للتخلي عن برنامج الحزب والزعيم الذي قاد حزب “العمال” إلى الفوز قبل أكثر من عام بقليل.
السياسة بطبيعتها متقلبة ومتغيرة – لكن ذلك سيف ذو حدين، وقد يترك مجالاً لتعافي حزب “العمال”. فإذا أصبح بورنهام رئيساً للوزراء غداً، فلن تتوافر أموال إضافية، وستظل الخدمات العامة في حاجة إلى إصلاح، ولن تتوقف القوارب الصغيرة فجأة عن عبور القنال الإنجليزي.
يقع على عاتق منتقدي ستارمر أن يثبتوا بأن اتخاذ خطوة جذرية مثل عزل رئيس الوزراء الحالي كفيل بتحسين أوضاع الشعب البريطاني، وليس جعلهم هم – أعضاء الحزب في البرلمان – يشعرون بأنهم أفضل حالاً. لا يمكنهم إثبات ذلك، أو أقله لم يفعلوا حتى اللحظة، وقد يكون ذلك أكبر نقاط القوة بالنسبة إلى ستارمر. إنه يترنح، لكنه لن يسقط.
© The Independent.. المصدر اندبندنت عربية