السبت. أكتوبر 16th, 2021
صباح ناهي/ باحث وكاتب عراقي
اندبندنت عربية:
حصد “الصدريون” المرتبة الأولى في عدد مقاعد البرلمان كما تؤكد الماكينات الانتخابية التابعة لهم وأطراف قريبة من المفوضية، تاركين وراءهم الأحزاب والقوى والكتل الشيعية التي توقعت الكثير للفوز وفي مقدمهم ما يعرف بـ “الولائيين” من الساسة الشيعة الذين نالوا مقاعد لافته في الانتخابات الماضية.
من هم الصدريون الذين نالوا مقعد رئاسة الحكومة وحقائب وزارية محتملة، وفق عدد المقاعد التي أرادوها وزارة صدرية بتصريح زعيمهم مقتدى الصدر؟
يعود تاريخ الصدريين إلى منتصف التسعينات من القرن الماضي إلى مرجعية السيد محمد صادق الصدر في النجف، وهو الذي يؤمن أن تكون المرجعية عربية مقرها النجف، وبدأ يخرج عن المرجعيات الأعجمية التي سادت تاريخ تلك المؤسسة الدينية منذ الصفويين، وقد شهدت مدينة الثورة (1959-1980) شرقي بغداد الرصافة، حراك الصدريين من أتباع المرجع محمد الصدر قبل اغتياله، والتي أصبحت في ما بعد تسمى مدينة صدام (1980-2003) ثم مدينة الصدر (2003-2021) حتى اللحظة، حيث فارقت هذه المدينة النظام العراقي السابق بعد اغتيال زعيمها محمد الصدر ونجليه عام 1999 في مدينة النجف، واختفى أتباعه ودخلوا خنادق العمل السري (1999-2003) بعد أن شن نظام صدام حسين حملة شعواء لتصفية واعتقالات أتباع الصدر، وظل ولده الوحيد مقتدى الذي كان بعيداً عن موقع الجريمة ولم يكن له أي نشاط سياسي حينها.
ظل الصدريون ملتصقون بالفقراء العراقيين رغم أنهم أسرة ميسورة، ولها شأن بين الأسر العراقية، وكان المبدأ الذي استندوا إليه هو العيش في الأوساط الشعبية وظل ابنهم المفجوع باغتيال والده وأشقائه بمنزل والده في (حي الحنانة) في النجف، محاطاً بقوة معنوية من مريدي أبيه حيث تغلغلت قواعد التيار في المناطق الشعبية الفقيرة.
سقوط النطام البعثي وعودة الحياة للصدريين
وبعد 2003 الذي شهد سقوط النظام السابق وغزو العراق، بدأ (عصر الشيعة) الذي وجد في المناطق الوسطى الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية مرتعاً للتيارات الدينية الشيعية ومحبينها الصدريين، وفي مقدمها مدينة الصدر التي تضم حوالى ثلاثة ملايين نسمة وتدين بالولاء لآل الصدر، ومعظمهم منحدرين من المناطق الجنوبية، التي نزحت إلى بغداد خلال حقبة الإقطاع وانهيار القطاع الزراعي في العراق.
العهد الجمهوري عصر الشعبوية العراقي
وعند قيام ثورة 1958 التي أصدرت قانون الإصلاح الزراعي، الذي وبموجبه سحبت الأراضي الأميرية التابعة للدولة والممنوحة من الحقبة الملكية للإقطاعيين المقربين من النظام السياسي والاجتماعي الملكي، حيث كانوا يسخرون الفلاحين ويجبرونهم على كري الأنهر يدوياً ويفتحون الأنهر ويزرعون ويحصدون، مقابل مردود بسيط يكاد يسد رمق العيش.
وبعد (ثورة تموز) ألغي النظام الإقطاعي إلى الأبد في العراق، وسلمت الأرض للفلاحين غير المهيئين لإدارة المشاريع الزراعية فانعكست على الزراعة وتحولت الإرض إلى ما يطلق عليه العراقيون (البور)، وما زاد الطين بلة، تناقص كميات المياه الواصلة لأرض الجنوب، بسبب إنشاء السدود التركية على منبع نهري دجلة والفرات، اللذين يقطعان الأرض العراقية، كذلك في سوريا على نهر الفرات، المورد الرئيس للمياه في العراق.
واضطر الفلاحون النزوح إلى مراكز المدن، خصوصاً بغداد بحثاً عن العمل والعيش وتغطية نفقات معيشتهم، وتمركزوا في أطراف العاصمة ومركزها، حيث عمدّ عبد الكريم قاسم (أول رئيس وزراء للعراق بعد الإطاحة بالنظام الملكي) إلى إنشاء مدينة الثورة في الرصافة، والشعلة في الكرخ، لإسكان فقراء العراق ووضع سقوف فوق رؤوسهم، في بيوت من الطابوق بعد أن كانوا يسكنون بيوت الطين في تجمعات عشوائية.
ومن تلك المناطق الفقيرة تغلغلت الأحزاب السياسية وفي مقدمهم الحزب الشيوعي العراقي الذي تأسس مطلع الثلاثينات في العراق، والأحزاب القومية والدينية الأخرى، حيث استغلت حاجات معيشية الشعب وضعف ثقافة العامة السياسية وانتشار الأمية بينهم، استغل الجمهور الشيعي من قبل الأحزاب لضمهم إلى التنظيمات التي نفذت إلى السلطة وأنشأت ميليشيات عسكرية للدفاع عن نفسها ونشر أفكارها بقوة السلاح.
وبعد تفرد البعث وصدام بالسلطة ومحاصرة المرجعيات الدينية الشيعية ومنعهم من ممارسة طقوسهم بحرية مما اضطر رجال الدين ومن أبرزها مرجعية محمد باقر الصدر في النجف الذي أعدم لاحقاً، من قبل نظام صدام، بتهمة التحريض على النظام والدعوة لتنظيمات مناهضة للنظام في بغداد، وكان أبرزها حزب “الدعوة الإسلامية” بزعامة المرجع محمد باقر الصدر والذي انبثق عنه تيارات دينية بصبغة سياسية منادية بسقوط نظام البعث، ومن أبرزها حزب الدعوة الإسلامي، والمجلس الأعلى الإسلامي، بعد ثورة الخميني في إيران لكن النظام شن حملات عنيفة لتفكيك وتصفية الخلايا الدعوية.
بروز نجم المرجع العربي محمد الصدر
خلال هذه الحقبة برز في النجف عالم دين عربي وهو محمد الصدر والد مقتدى الصدر الذي تجمع حوله الكثير من الأتباع والمقلدين، لكونه مرجعاً عراقياً بارزاً، ويدعو إلى عراقية المرجعية الشيعية، ويؤشر تاريخياً لاتساع مقلديه بشكل متسارع وقوة خطبه الدينية خلال صلاة الجمعة في مسجد الكوفة الشهير، التي أخافت السلطة من احتمالية اتساع دعوته وحدوث اضطراب سياسي فتم اغتياله مع نجليه مصطفى ومؤمل في النجف، في 19 فبراير (شباط) 1999، وشن النظام حملة شعواء لتصفية واعتقال أتباعه في جميع مدن العراق وملاحقتهم في الخارج وهروب الكثيرين.
عودة التيار الصدري وبروز مقتدى الصدر
ولكنهم أعادوا نشاطهم وتنظيماتهم بكثافة بعد 2003 والتفوا حول ولده مقتدى الصدر، الذي تحول إلى قائد ديني وسياسي بارز في العراق، حتى ازداد أتباعه بعد تركيزه على فقراء الشيعة ومصالحهم في العراق، وعمد على تشكيل (جيش المهدي) لمحاربة تنظيم “القاعدة” التي بدأت قتل وتفجير المناطق العراقية على أساس طائفي، لا سيما بعد تفجير مرقد العسكريين في سامراء العام 2006 الذي أشعل فتيل الحرب الطائفية في العراق وتسبب بمقتل الآلاف من الطرفين، ونتيجة ذلك اتسعت شعبية مقتدى الصدر بين الأوساط الشيعية الفقيرة التي استهدفها الإرهاب الطائفي للقاعدة وزعيمها أبو مصعب الزرقاوي، وخلال هذه الفترة انفرد جناح من “جيش المهدي” لمجابهة الوجود الأميركي في العراق لاعتقاد التيار الصدري بأنه سبب تدمير العراق وتمزيق النسيج الوطني العراقي لا سيما عدم وجود “القاعدة” أو أي تطرف طائفي قبل عام 2003.
الصدريون اللاعب الرئيس في العملية السياسية
وإبان ذلك أصبح الصدريون تياراً مهماً ومؤثراً في العملية السياسية لسببين: الأول اتساع قاعدتهم الجماهيرية من جهة و”مقاومتهم للإرهاب والاحتلال” واعتمادهم على عراقيي الداخل من جهة أخرى، بعكس التنظيمات الشيعية الأخرى التي اعتمدت على الوافدين من الخارج لا سيما إيران كالمجلس الأعلى وحزب “الدعوة” و”قوات بدر” ومنظمة العمل الإسلامي.
وقد شارك الصدريون في جميع الانتخابات العراقية الخمس بزيادة مضطردة لمقاعدهم النيابية وتوليهم مناصب مهمة حكومية، وبقية مواقع الدولة، منحتهم قدرة على زيادة أتباعهم وتعينهم في الجهاز الحكومي، وأضحوا الكتلة النيابية الأكبر بين الكتل الشيعية والأكثر تأثيراً على الحياة السياسية في العراق، وكانوا السبب الرئيسي في اختيار مصطفى الكاظمي لرئاسة الوزراء، الذي مكنهم من إجراء انتخابات مبكرة ومنضبطة نسبياً.
ما هي أفاق اختيارات الصدريين لرئاسة الوزراء المقبل؟
ويرجح الكثير من المراقبين العراقيين عملية ترشيح رئيس السلطة التنفيذية في العراق سيكون من كوادر التيار الصدري، العاملة في المجال السياسي في مقدمتهم جعفر الصدر ابن عم مقتدى الصدر وابن مؤسس حزب الدعوة الإسلامي محمد باقر الصدر سفير العراق الحالي في لندن، وحسن الكعبي نائب رئيس البرلمان للدورة البرلمانية السابقة، ونصار الربيعي رئيس الهيئة السياسية للتيار الصدر، وفي حال عدم حصول الموافقة من الأطراف الشيعية المشاركة في العملية السياسة سيضطر الصدريون للقبول بمرشح توافقي وستكون حظوظ مصطفى الكاظمي محتملة من قبل الصدر، في وقت تعترض عليه الكتل الشيعية الولائية وفي مقدمهم “الفتح” و “الحشد الشعبي”.
التيار الصدري عمل منظم بين السياسة والعسكرة
وفي تاريخ التيار الصدري أنه عمد على تشكيل أجنحة عسكرية مثل لواء “اليوم الموعود” و”سرايا السلام”، جناح مقتدى الصدر الذي يمثل “الحشد الشعبي” بالنسبة للتيار الصدري والمسؤول حالياً عن حماية المراقد الدينية في سامراء التي فجرت عام 2006، أما لواء “اليوم الموعود” فقد أحيط بالسرية والكتمان ولا تعرف مهامه، لكن مقتدى الصدر يلوّح به في الأزمات الوطنية، ولا يعلم عنه شيئاً سوى أنه مرتبط مباشرة بالصدر، الذي أعلن تجميده مع (جيش المهدي) في الوقت الحاضر، وأبقى الجناح العسكري الوحيد المتمثل بـ (سرايا السلام)،
وقد اعتمد مقتدى الصدر على هيئة سياسية تدير أمور التيار الصدري وتوجه فعاليات التيار، يشرف عليها مكتب خاص بمقتدى الصدر لديها مكاتب في المحافظات، كما أنه توجد مكاتب تنظيمية في معظم المدن العراقية.
هل يصطدم الصدريون بخصومهم الولائيين؟
هل سيكون الصدريين أكثر حنكة لتفويت الفرصة، لقلب معادلة الولاء للعراق قبل إيران الذي كان سر فوزهم بأصوات الشيعة، هذا ما ستكشفه الأشهر الستة المقبلة التي ستكون أشهر الجمر تحت أقدام خصومهم