ماهر الجنيدي – صحافي سوري.. المصدر موقع درج
طرحت السيّدتان، كلّ من موقعها المستقلّ، تصوّراً ديمقراطياً لسوريا يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وحقّ السوريين جميعاً في أن يكونوا شركاء متساوين في وطنهم. لكنّ التنمّر على السيّدتين تجاوز هذا الأمر، ونأى عن مقارعة آرائهما ومناقشة مواقفهما، ووصل إلى درجة من العجز عن انتقاد أفكارهما.
ما الذي يجمع بين الحملة التي تستهدف رُلى الركبي اليوم والحملة التي استهدفت فداء الحوراني في الأمس، وما الذي يضمره “فحول” الحملتين؟
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطاً، أو نافلاً. فلكل واحدة منهما مواقفها التي تتغاير عن، بل تتناقض مع، مواقف “الطبّالين”، على حدّ تعبير ياسين الحاج صالح، ولكلّ منهما تاريخها السياسي ومسارها الشخصي ومجال نشاطها. ومن الطبيعي أن تتباين الآراء وأن تتصارع، وأن تنطلق الحملات ضدهما عند أدنى نشاط ذي مغزى.
طرحت السيّدتان، كلّ من موقعها المستقلّ، تصوّراً ديمقراطياً لسوريا يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وحقّ السوريين جميعاً في أن يكونوا شركاء متساوين في وطنهم. لكنّ التنمّر على السيّدتين تجاوز هذا الأمر، ونأى عن مقارعة آرائهما ومناقشة مواقفهما، ووصل إلى درجة من العجز عن انتقاد أفكارهما، فاستدعى تاريخ الأب تارةً، وشكّك في قدرة النساء وأحقّيتهن في الخوض في الشأن العامّ في حالات أخرى. وبدلاً من مناقشة “ماذا تقول هذه السيّدة؟”، تحوّل الخطاب إلى السؤال “عمّن تكون؟”، في محاولة مبيّتة لنزع الشرعية عن صاحبة الفكرة سلفاً.
غنيّ عن القول، إن فداء الحوراني ورُلى الركبي ليستا شخصيّتين طارئتين على المشهد السياسي والعمل المدني، ومن الخطأ التعامل معهما كما لو أن حضورهما في المجال العام محض ظاهرة عابرة فرضتها اللحظة السورية الراهنة، فلكل واحدة منهما تاريخ طويل في الميدان الذي اختارته.
والسيّدتان لا تنتظران أحداً يمنحهما منصّة في مؤسّسة حكومية أو منصباً في مجلس شعب، فهما فاعلتان في المجال العامّ منذ زمن، ودفعَت كل واحدة منهما، بطريقتها، ثمناً لمواقفها.
رُلى الركبي ناشطة سياسية ومدنية ونسوية، ارتبط اسمها منذ عقود بالعمل العامّ السوري، وشاركت في بناء أطر نسوية وسياسية سورية، وكانت من الأصوات المنخرطة في الحراك السوري منذ بداياته. وقد وثّقت سيرتها مصادر التاريخ الشفوي في الجامعة الأميركية في بيروت، كما وثّقتها المؤسّسات النسوية السورية التي عملت معها.
أما فداء الحوراني فهي طبيبة وسياسية مرموقة، شغلت موقعاً قيادياً في إعلان دمشق، وانتُخبت رئيسة للمجلس الوطني لإعلان دمشق في عام 2007، ثم اعتُقلت وحوكمت بسبب نشاطها السياسي المعارض. وبعد ذلك استمرّت في حضورها السياسي والمدني، ووقفت إلى جانب الحراك السوري منذ بدايات الثورة.
والهجوم عليهما لا يستهدف شخصيّتين مجهولتين يُشكّ في دوافعهما؛ بل يستهدف امرأتين لهما سجلان حافلان في العمل العامّ.
صحيح أن رُلى الركبي وفداء الحوراني تنحدران من عائلة سياسية معروفة؛ فالوالدان شخصيّتان معروفتان في تاريخ حماة وسوريا السياسي: فيصل الركبي كان من البعثيين الأوائل، وكان أكرم الحوراني واحداً من أبرز الشخصيّات السياسية في تاريخ سوريا الحديث؛ ومن حقّ السوريين أن يقرأوا هذا التاريخ، وأن يختلفوا حوله، وأن يوجّهوا إليه أقسى النقد إذا وجدوا أسباباً لذلك.
لكنّ احترام الابنة لتاريخ أبيها لا يعني أنها أسيرة له، كما أن استقلالها عنه لا يعني أنها مطالبة بالتنكّر له. ورُلى الركبي وفداء الحوراني لا تعيشان في سوريا التي عاش فيها أبواهما، بل في سوريا أخرى. في سوريا خرجت للتوّ من تجربة البعث، والاستبداد الأسدي، والحرب، والتفكّك، والقتل، والتهجير، والانقسام الأهلي. في سوريا تحتاج اليوم إلى صياغة عقد وطني جديد. ومن الطبيعي أن تنظر ابنتا رجلين من ذلك الجيل إلى مستقبل سوريا من موقع الراهن، موقع الجيل الذي يضع اليوم أسس المستقبل المنشود.
إذاً، ما الذي يزعج هؤلاء المنتقدين في رُلى وفداء؟
خلاصة القول: إذا أردنا اختزال المشترك بين الحملتين في جملة واحدة، نقول: ابتعاد طبّالي الإدارة الحاكمة عن مناقشة آرائهما وطروحاتهما وإثبات خطأ مواقفهما السياسية، والتوجّه بالمقابل إلى اجتثاث السياسة، وبتر ما تمثّلانه من إمكانية، وسحب حقّيهما في التحدّث من موقعيهما اللذين جاءتا منهما.
فهؤلاء المطبّلون لا يروقهم أبداً أنهما: 1) امرأتان، 2) حمَويتان، 3) سنّيتان، والمرأة بهذه المواصفات يجب أن تتحلّى بمواصفات نمطية، ليس من بينها أنهما تتحدّثان من موقع لا طائفي، وتقدّمان نفسيهما كمواطنتين لا كممثّلتين لجماعة دينية ما.
لا يروقهم أنهما تطلبان من السوريين ألا يخضعوا لهويّات جماعية، بل تقدّمان خطاباً سياسياً ديمقراطياً يقوم على المواطن؛ وهذا وقوع في المحظور، في عقليةٍ تحرص على رسم ملامح البلاد على أساس جماعاتي: “ما هكذا تكون النساء السنّيات في حماة!”.
ينسون أن حماة ذات الغالبية السنّية ليست “جماعة سياسية” ذات موقف واحد؛ فهي تتمتّع بتاريخ حزبي ونقابي وثقافي ومدني طويل، وفيها بعثيون واشتراكيون ويساريون وقوميون وإسلاميون وليبراليون ومستقلّون، وفيها نساء شاركن في العمل العامّ منذ عقود.
يغفلون عن أن حضور المرأة الحمَوية في المجال العامّ واحد من تقاليد المدينة، وجزء من تاريخها. وهو حضور يقوّض اختزال أهل حماة في طائفة، واختزال الطائفة في صوت سياسي واحد، ناهيك باختزال الرأي بأصوات ذكور.
والمرأة التي تقول “أنا مواطنة كاملة الحقوق” تربك من يريدها أن تقول “أنا امرأة سنّية”.