ثمة أماكن لا تحتاج إلى أن تكون فخمة كي تصبح جزءًا من ذاكرة مدينة. يكفي أحيانًا أن تبقى في مكانها بينما تتغير المدينة من حولها. فندق قديم في قلب تونس، بواجهة تنتمي إلى زمن آخر، وممرات تحمل شيئًا من رائحة العاصمة القديمة، يمكن أن يبدو للعين المعاصرة مجرد أثر معماري من زمن الفنادق الصغيرة. لكن الاقتراب منه يفتح سؤالًا مختلفًا: كم من الأشخاص مروا من هنا، وكم من القصص اختفت مع رحيلهم؟
في قلب تونس العاصمة يقف La Maison Dorée، واحدًا من العناوين الفندقية القديمة في المدينة. تصفه الأدلة السياحية بأنه من أقدم مؤسسات الإقامة في العاصمة، وأنه احتفظ بطابعه العائلي وبموقعه وسط المدينة. وتورد وزارة السياحة التونسية عنوانه في شارع هولندا، كما تصنفه ضمن فنادق العاصمة القديمة.
ومن هنا يمكن أن تبدأ الحكاية، لا لأن ميشيل فوكو سكن هذا الفندق فقط، بل لأن ميزون دوريه ينتمي إلى المدينة نفسها التي عاش فيها فوكو إحدى أكثر تجاربه الفكرية كثافة. وهي المدينة التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد محطة جامعية، وإنما أصبحت تجربة سياسية وفكرية تركت أثرًا واضحًا في حياته.
وهنا تصبح المسافة بين الفندق والفيلسوف أقل أهمية من المسافة بين تونس التي وصل إليها فوكو في الستينيات وتونس التي تركها وراءه.
فوكو في تونس
كان ميشيل فوكو قد بلغ بالفعل درجة مهمة من الشهرة الفكرية عندما جاء إلى تونس. ففي عام 1966 كان قد نشر كتابه الشهير “الكلمات والأشياء”، الكتاب الذي جعله أحد أبرز الأسماء في الفلسفة الفرنسية المعاصرة. وفي السنة نفسها قبل منصبًا في جامعة تونس، وهي الخطوة التي يربطها مؤرخو سيرته أيضًا بوجود دانيال ديفير، صديقه آنذاك، في تونس لأداء الخدمة العسكرية.
لم تكن تونس إذن بداية فوكو الفكرية، لكنها كانت، بطريقة ما، مختبرًا حيًا لأفكاره عن السلطة. وهذا هو الجزء الأكثر إثارة في القصة.
فوكو الذي سيصبح لاحقًا أحد أشهر المفكرين الذين درسوا العلاقة بين المعرفة والسلطة والانضباط والمراقبة، لم يكن في تونس مجرد أستاذ فرنسي جاء ليحاضر في الفلسفة. وجد نفسه داخل مجتمع يعيش بعد سنوات قليلة فقط من الاستقلال، وفي جامعة تتشكل فيها طبقة طلابية جديدة، وفي بلد كانت السلطة السياسية فيه شديدة المركزية، بينما كان جيل من الطلاب يبحث عن لغة مختلفة للسياسة والمجتمع.
كانت محاضراته في الجامعة تحظى بإقبال كبير. وتذكر الدراسات التي تناولت تجربته التونسية أنه كان يلقي محاضرة أسبوعية يوم الجمعة، وأن الطلاب كانوا يأتون مبكرًا للحصول على أماكنهم. كما ارتبط بنقاشات فكرية خارج الجامعة، من بينها مشاركته في أنشطة نادي الطاهر الحداد، ولقاءاته بمثقفين وطلاب تونسيين.
لكن الأهم أن تونس لم تبقَ بالنسبة إلى فوكو فضاءً أكاديميًا. لقد اصطدم بالفارق بين الفلسفة كما تُدرّس داخل الجامعة والفلسفة عندما تخرج إلى الشارع.
في تونس، رأى طلابًا يواجهون السلطة، وشاهد كيف يمكن أن يصبح توزيع منشور أو الدعوة إلى إضراب أو التعبير عن موقف سياسي فعلًا له ثمن. وقد وصف لاحقًا تجربته في تونس بأنها تجربة سياسية حقيقية، متحدثًا عن الإضرابات والاعتقالات والمواجهات التي شهدها الطلاب.
هنا تحديدًا تبدو تونس أكثر من مجرد فصل في سيرة فوكو. كانت تجربة في معنى السلطة نفسها.
فالسلطة عند فوكو لم تكن فقط ذلك الشيء الموجود في القصر الرئاسي أو في مكتب الوزير. كانت شبكة تنتشر في المؤسسات، وفي الجامعة، وفي السجن، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي اللغة التي تحدد من يستطيع الكلام ومن يجب أن يصمت. لكن تونس أعطته فرصة لرؤية هذه المسألة في سياق سياسي مباشر، حيث لم تعد السلطة موضوعًا فلسفيًا مجردًا، وإنما واقعًا يراه في حياة طلابه.
وهذا ما يجعل تجربة فوكو التونسية ذات أهمية خاصة في مساره الفكري.
فقد أمضى في تونس قرابة عامين، من 1966 إلى 1968، وهي الفترة التي سبقت مباشرة التحولات الكبرى التي ستطبع أوروبا، وخصوصًا أحداث مايو 1968 في فرنسا. وتشير الدراسات إلى أن الاحتجاجات الطلابية التونسية التي بدأت قبل أحداث مايو الفرنسية أثرت فيه بعمق، وأن تجربته مع القمع السياسي في تونس ساهمت في تشكل نظرته الأكثر راديكالية إلى السلطة والمقاومة.
ولذلك فإن الحديث عن “فوكو في تونس” لا ينبغي أن يتحول إلى حكاية سياحية عن فيلسوف أوروبي أقام في بلد متوسطي.
القصة أعمق بكثير
إنها قصة فيلسوف جاء إلى بلد كان قد خرج حديثًا من الاستعمار، فوجد نفسه أمام مجتمع يحاول أن يكتشف معنى استقلاله، وسلطة سياسية تريد أن تبني دولة حديثة، وشبابًا يريد أن يعرف أين تنتهي الدولة وأين تبدأ الحرية. في هذه اللحظة تحديدًا، يصبح المكان مهمًا.
فالفندق القديم، والمقهى، والجامعة، والشارع، والمسرح، والمدينة العتيقة، ليست مجرد خلفيات في قصة فوكو. إنها جزء من البيئة التي تتحول فيها الأفكار من نصوص إلى تجارب.
ومن المغري أن نتخيل فوكو وهو يغادر أحد فنادق العاصمة القديمة، ثم يعبر شارع الحبيب بورقيبة باتجاه مقهى أو جامعة أو لقاء ثقافي. لكن أن نميز بين ما هو مؤكد وبين روايات شفاهية سمعناها، وفق المصادر التي راجعتها، لا يوجد من الوثائق ما يؤكد إنه أقام في ميزون دوريه أو إنه كان يغادر الفندق صباحًا متجهًا إلى الجامعة.
بين الفندق والجامعة والمقهى والشارع تتشكل خريطة تونس الفكرية حيث تتحول الأماكن إلى ذاكرة حيّة للأفكار وتصبح المدينة مختبرًا مفتوحًا للفلسفة
والحقيقة الموثقة أجمل من الاختلاق: فوكو عاش في سيدي بوسعيد، وكان يعمل في الصباح أمام نوافذ تطل على خليج قرطاج.
وهنا يمكن أن يصبح “ميزون دوريه” شيئًا آخر في القصة: بوابة للبحث في ذاكرة الأماكن التي عبرها الفكر العالمي في تونس.
فالفندق القديم ليس مهمًا فقط بسبب من نام في غرفه، وإنما بسبب نوع المدينة التي يمثلها. مدينة كانت تستقبل الأوروبيين والطلاب والدبلوماسيين والكتاب والفنانين، وتعيش في الوقت نفسه عملية إعادة تعريف نفسها بعد الاستقلال.
هذه تونس التي ربما لم تعد موجودة بالطريقة نفسها.
شارع الحبيب بورقيبة تغير، الجامعة تغيرت، المقاهي تغيرت، والفندق نفسه يبدو اليوم أقرب إلى وثيقة عمرانية منه إلى مؤسسة تنتمي إلى زمن الفنادق الكبرى الحديثة. لكن الأماكن القديمة تمتلك ميزة لا تمنحها الأبنية الجديدة بسهولة: إنها تحتفظ بقدرتها على إثارة السؤال.
ماذا حدث هنا؟ من مر من هذا الباب؟ أي نقاش دار في هذه الغرفة؟ وأي أفكار خرجت من هذا الشارع إلى العالم؟
ربما لهذا السبب تستحق تجربة فوكو في تونس أن تستعاد اليوم، لا بوصفها حكاية عن فيلسوف فرنسي مشهور، وإنما بوصفها جزءًا من تاريخ تونس الفكري.
لقد جاءت تونس في لحظة حاسمة من حياة فوكو. ففيها اقترب من السياسة الواقعية، واحتك بالطلاب، وشاهد القمع، وانخرط في النقاشات العامة، وبدأ يرى السلطة لا باعتبارها مفهومًا فلسفيًا فحسب، بل باعتبارها ممارسة يومية يمكن أن تصيب الجسد والجامعة واللغة والشارع. وتؤكد الدراسات الحديثة أن هذه التجربة كانت أساسية لفهم التحول الذي طرأ على فوكو في تلك المرحلة.
ومن المفارقات الجميلة أن الرجل الذي سيصبح لاحقًا أحد أكثر المفكرين ارتباطًا بسؤال السلطة أمضى جزءًا من حياته في بلد كان يعيش هو نفسه سؤال السلطة بصورة مكثفة.
كان فوكو يدرس السلطة، بينما كانت تونس تختبرها. وكان يكتب عن العلاقة بين المعرفة والسلطة، بينما كان طلاب تونسيون يكتشفون أن المعرفة نفسها يمكن أن تصبح فعل مقاومة.
وكان الفيلسوف يبحث عن تاريخ المؤسسات التي تشكل الإنسان، بينما كانت تونس تبني مؤسسات دولة جديدة بعد الاستقلال.
لهذا فإن أفضل طريقة لإحياء ذاكرة فوكو في تونس ليست بالضرورة أن نبحث عن غرفة أقام فيها، وإنما أن نعيد اكتشاف المدينة التي جعلت فكره يختبر نفسه خارج الكتب.
وقد يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن تقدمه لنا ميزون دوريه.
خريطة تونس الفكرية
الأماكن القديمة لا ينبغي أن تتحول إلى متاحف صامتة. يمكن أن تصبح نقاطًا في خريطة الذاكرة الثقافية: فندقًا لفيلسوف، مقهى لكاتب، مسرحًا لفنان، جامعة لمفكر، منزلًا لشاعر. تونس غنية بهذه الأماكن، لكنها لا تزال تفتقر إلى مشروع واسع لتوثيقها وربطها بتاريخها الثقافي.
ولعل الوقت قد حان لإنشاء خريطة تونس الفكرية؛ خريطة لا تقيس المدينة بالشوارع والمباني فقط، وإنما بالأفكار التي مرت منها.
عندها يمكن لميزون دوريه أن تستعيد معناها الحقيقي: ليس باعتبارها الفندق الذي سكنه فوكو، وإنما باعتبارها واحدة من تلك العناوين القديمة التي تساعدنا على الدخول إلى زمن كانت فيه تونس مدينة مفتوحة على أسئلة العالم.
وفي مكان ما، بين سيدي بوسعيد وجامعة تونس وشارع الحبيب بورقيبة والمقاهي والنوادي الثقافية، عاش فوكو واحدة من أكثر تجاربه الإنسانية والفكرية تأثيرًا.
ربما لم يكن يعرف، وهو يغادر تونس سنة 1968، أن المدينة التي جاء إليها أستاذًا للفلسفة ستصبح بعد عقود جزءًا مهمًا من سيرة أحد أكثر فلاسفة القرن العشرين قراءةً وتأثيرًا.
وربما لم تكن تونس تعرف، وهي تستقبل ذلك الأستاذ الفرنسي الشاب، أنها لا تستضيف مجرد أستاذ جامعي.
كانت تستضيف فيلسوفًا سيتعلم من طلابها شيئًا عن السلطة، وعن المقاومة، وعن الثمن الذي يمكن أن يدفعه الإنسان عندما يحاول أن يقول: لا.
وهنا، في النهاية، لا تعود المسألة: أين نام فوكو؟ بل السؤال الأجمل: أين استيقظ فكره؟
وفي جزء من الإجابة، كانت تونس حاضرة.