مقدمة:
في ديسمبر ٢٠٢٥ تمت المصادقة الرسمية على تمديد صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية المبرمة عام ٢٠١٨، لتمتد لعام ٢٠٤٠، كما تم إقرار التعديلات المتفق عليها في مذكرة تفاهم ثلاثية بين مصر وإسرائيل والاتحاد الاوروبي عام ٢٠٢٢ والتي تنص على زيادة صادرات الغاز الإسرائيلي لمصر لتصدير جزء منه لأوروبا بعد إسالته في محطات الإسالة المصرية. جاءت المصادقة على التمديد والتعديل في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد والتوتر بين مصر وإسرائيل وعبر الإقليم بأكمله على إثر هجمات ٧ أكتوبر وحرب الإبادة في غزة.
وصف نتنياهو هذه الخطوة بأنها تعزز الاتصال والعلاقات الاستراتيجية مع دول المنطقة، وتسهم في ترسيخ الإستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أنها جاءت بعد ضمان المصالح الأمنية والحيوية لإسرائيل. في المقابل، اعتبر رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، ضياء رشوان ، أن تصريحات نتنياهو يمكن فهمها كتسويق إعلامي لكسر حالة العزلة العالمية التي تحيط بإسرائيل نتيجة هجومها العنيف على غزة، ووصف رشوان الصفقة بأنها “تجارية بحتة” وتعزز مركز مصر كمركز إقليمي لتداول الغاز في المنطقة.
لا يمكن فصل هذه الاتفاقية التجارية عن السياق السياسي والأمني الإقليمي والدولي الذي أُبرمت فيه، فلا يمكن قراءة الجانب الاقتصادي منها دون النظر للعوامل السياسية والأمنية التي دفعت نحو إبرامها مثل توتر العلاقات السياسية والأمنية بين مصر وإسرائيل منذ ٧ أكتوبر، وكذلك تشابك المصالح المصرية-الإسرائيلية بشأن الغاز مع مصالح أوروبا التي تنتظر الغاز المسال، والتي ترى هذه الإتفاقية كخطوة نحو استقرار المنطقة وهي مسألة تضعها أوروبا في أولوياتها مخافة موجات الهجرة غير الشرعية. كما لا يمكن إغفال مصالح الشركات الأمريكية-الأوروبية المستثمرة في حقول الغاز والبنية التحتية اللوجستية والقائمة على تنفيذ الصفقة ودورها في الدفع نحو إبرامها.
هذا التشابك الاقتصادي- السياسي-الأمني، والسعي إلى استخدام العلاقات التجارية ليس فقط لتحقيق المنفعة الاقتصادية، وإنما أيضاً لخلق حوافز لاحتواء الصراع، يرتبط بفرضية تُعرف باسم التغيير من خلال التجارة (Change Through Trade أو Wandel durch Handel بالألمانية)، وهي فرضية يمكن إرجاعها لنظريات ليبرالية مثل نظرية السلام التجاري ونظرية الإعتماد المتبادل، وتفترض أن ربط الأطراف المتنازعة بمصالح اقتصادية مشتركة يدفعها نحو الحفاظ على هذه المصالح ويخلق حافز لخفض الصراع والحفاظ على السلام.
تبنت ألمانيا هذه النظرية بشكل استراتيجي في علاقتها الخارجية، فيمكن أن تعبر العلاقات الألمانية-الروسية قبل غزو أوكرانيا عنها بشكل ملحوظ، وتبنت السياسة الأمريكية نفس المنهجية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي معتقدة أن الطريقة المُثلي للتعامل معه هي إدارة الصراع بدلاً من حسمه، وفي هذا الإطار، يمكن للاتفاقيات الابراهيمية التي دمجت التعاون الاقتصادي في مجالات حيوية عدة كالطاقة والتكنولوجيا أن تعزز الجوانب السياسية والأمنية وتساهم في استقرارها.
كما دللت أيضا تصريحات توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ورجل الأعمال المقرب من الرئيس ترامب، على نفس المعنى حيث اعتبر الصراع في الشرق الأوسط أن لا نهايةً له وأن الحل ربما في ربط الأطراف المتنازعة بمصالح مشتركة، لكن ما هي حدود التغيير الذي يمكن أن تحققه المصالح الاقتصادية المشتركة، وهل يمكن لهذه المصالح أن تخفض إحتمالات الصراع أو تخلق سلامًا؟ أم أنها مقامره بالأمن والسياسة، والاقتصاد أيضاً؟
التجربة الألمانية -الروسية في مجال الغاز:
التغيير عبر التجارة في عهد ويلي براندت وأنجيلا ميركل:
بدأت ألمانيا الغربية في الاعتماد على استراتيجية التغيير من خلال التجارة في السبعينات، فاعتمد المستشار الألماني “ويلي براندت” هذه الاستراتيجية في التعامل مع الكتلة الشيوعية الشرقية المتمثلة في الاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية، وألمانيا الشرقية، كجزء من استراتيجية سياسية أوسع للتطبيع معها فيما عُرف بـ “السياسة الشرقية الجديدة Neue Ostpolitik”.
في هذا السياق وضمن اعتماد سياسته الجديدة وقع “براندت” عدة معاهدات سياسية مع الكتلة الشرقية، كما وقع صفقة الأنابيب والغاز (Erdgas-Röhre-Geschäft) عام ١٩٧٠مع الاتحاد السوفيتي، والتي خلقت أول اعتماد متبادل بين الطرفين حيث نصت على تمويل وتصنيع ألمانيا الغربية للأنابيب الفولاذية اللازمة لنقل الغاز من الاتحاد السوفيتي إليها والتي يفتقد الاتحاد التكنولوجيا اللازمة لتصنيعها، مقابل توريد الاتحاد الغاز لألمانيا لسداد قيمة الصفقة.