طالب عبد العزيز… جريدة المدى
صوتُ بائع العتيق هو ما يتردد؛ واسمعه دائماً، وزمجرة عربة خبط الاسمنت؛ بأفرادها الملثمين، الطالعين قبل الفجر بساعتين ما يزعزع السرير تحتي، ويسقط الاواني في المطبخ، وحشد الكلاب السائبة عند الباب ما يخيف احفادي في ذهابهم وأوبتهم من المدرسة، وأكداس النفايات، في الفسحة المهجورة، قبالة البيت ما لا أقدر على اتقائها، والشقّ الذي تفتقتْ عقلية جاري عنه، بمائه الأسود، ورائحته الكريهة، الذي يمرُّ أمام البيت، ما أفكر في تفاديه. .ومثل هذه وغيرها من القبائح والمنغصات الكثير الذي أسمع، وارى، واتضايق منه، بعد أن اختفى صوت ابي، في النخلة التي مات عنها.
سيمرُّ الزمنُ ثقيلاً، وأنوءُ بكلكله طويلاً قبل أنْ استمرئ ما يحدث، وسيجدُ غير واحد بأنني أحملُ الامر على ما لا يستحقه، ويقولُ صديق فهيمٌ بأنَّ ذلك من سنن الحياة، فالقرى تختفي باتساع المدينة، والانهار تردم بالشوارع، والأشجار تهلك بالبنايات، وتطردُ الكلاب السائبة والقطط الضالة قطعانَ الابقار والماعز والخراف، وتغادرُ اللقالق والبلشونات والبلابل لأنها لن تجد ما تحط وتبني أعشاشها فيه، ومثل هذه وتلك تحدث في لندن ونيويورك وطوكيو فلا أجدُ غير قولي: ما نحن والعواصم الجميلة بشيء، نحن طردنا القرية الجميلةَ بنيّة المدينة الفاضلة الجميلة فأضعناهما معاً.
حين تبوء بالفشل كلُّ المناشدات القاضية بإيقاف التجريف، وتندحرُ الآمال بمكان آمن، وبيئة نظيفة يكون القول والحديث قد فقد غايته، وستكون مصيبتنا في إغفال خطورة ما نتحدث به، وننشده أدهى مما نكابده، على أننا نملك الأفكار والحلول وسبل التغيير، وما هي بمستعصية بوفرة المال ووجود الآليات والجهود، لكننا في غيابة جبِّ الحكومة، تطمرنا كل يوم، وتمنحنا أذنها الصمّاء، وكأننا لا نستحقُّ استرداد ما سلبتنا إياه بجهلها، وفساد عمّالها، الذين جعلوا من المال الحرام غايتهم وذهبت غاياتنا هباء.
يبيعني البقّالُ المتجوّل سلةً صغيرة من الخوخ، فأقول له: الله، هذا النوع(المسّكِي) كم أحبّه! نحن في ابي الخصيب نسميه(أبو خدْ وخدْ) فيقول: كيف؟ فيضطرني الى الشرح والخوض في تفاصيل غرسه، وريّه، وجنيه ورائحته التي تضوع في الأرض.. فتاخذني سورة من الهضيمة، وجائحة الفقد والخسران، وأنسى معها وقوفي أمام عربته، فتختفي صورته ولم أعد أرى ما عنده ومثل من تعاطى ترياقاً ثقيلاً صرت أنشدُ المهيلات التي لم تعد بعد من بحرها الطويل،فهي هناك؛ منذ نصف قرن، مازالت رهينة الملح، وطيور الغاق، والسواحل الغريبة، ومثلما تجردت بساتين القرية من سندسها القديم تجردت عيني من صور قوافل صاعدي النخل في النهار، النازلين منه في الليل، واختفى معهم جيش الطواشين والطواشات، والناقلين والناقلات، فقد أُغلقت دونهم الترع، والجداول، والانهار العريضة، وصار الماءُ نزراً، يغيضُ، ويملح، كذلك امست السُّبل الضيقة، ممرات الطفولة تختفي، في مُرهِق من الحجر، والاسمنت، والحديد، فهذه الروح تعرى، والقلب بلا ماوى يهيم، وإن حاصرته الاسيجة وضمته الجدران، واتسعَ في الغرفات.
مشكلتنا أننا الجيل الأخير الذي شهد فردوس البصرة يوم كان قائماً بين الأنهار، وها نحن نشهد خرابه، والمصيبة أنَّ هؤلاء الحكام لا يعنيهم من أمرنا شيء، وكأننا لا نستحق الحياة، أو أننا قوم سننقرض تباعاً، أمّا الجيل القادم الجديد فسيكون غير معنيٍّ بما كان لآبائهم، فلا فردوس ولا بطيخ، وسيفتحون اعينهم على خراب ما وجدوا أنفسهم فيه، ويستمرئوه، ألا تعساً لما يستمرئون.