الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021

لوقف اللامبالاة إزاء شمال شرقي سوريا قبل فوات الأوان

صب العالم كامل اهتمامه وتركيزه بعض الوقت على هذه البقعة الصغيرة نسبياً من الأرض التي تأوي أكثر من مليوني شخص، كما تكتب بيل ترو. أما الآن، فقد طواها النسيان إلى حد كبير

الآفاق مكفهرة في شمال شرق سوريا ويشكو السكان من الحرب والجفاف والجوع. والصورة أعلاه من معارك قوات “قسد” مع “داعش” في الرقة في أغسطس 2021 (رويترز)

يضيق الأفق وتسده الكآبة في مشهد الشمال الشرقي السوري كما لو أنه موقع تصوير “وادي الرماد” كما تخيله سكوت فيتزجيرالد.

كانت هذه المنطقة في ما مضى سلة غذاء سوريا، ولكنها دمرت بعد أن عصفت بها حروب متعددة وأزمة اقتصادية أضيفت إليها في الآونة الأخيرة موجة من الجفاف والتلوث. في بعض الأماكن التي تحولت إلى غبار وضباب يتخذ شكل مبان ومصافي نفط تقليدية، إن أعدنا صياغة كلام سكوت فيتزجيرالد ولو بشكل سيئ، يسيطر اليأس أكثر فأكثر على الناس.

صب العالم كامل اهتمامه وتركيزه بعض الوقت على هذه البقعة الصغيرة نسبياً من الأرض حيث يسكن أكثر من مليوني شخص. وبلغ الأمر ذروته حين أصبحت عاصمة الخلافة الدموية للدولة الإسلامية فتحولت بالتالي إلى ميدان معركة دارت فيه رحى حرب دولية هدفها القضاء على الجماعة الإرهابية.

في عام 2019، عادت هذه المنطقة التي أصبحت الآن تحت الحكم الذاتي الكردي بشكل شبه كامل، لتصدر العناوين فيما مزقها الاقتتال بعد الغزو التركي وما تبعه من احتلال لبعض أجزاء المنطقة الحدودية.

والآن، في أعقاب هزيمة “داعش” جغرافياً إجمالاً، والتوصل إلى وقف إطلاق نار متوتر (وغالباً ما ينتهك) مع تركيا بعد وساطة دولية، يبدو أن المنطقة قد غلفها النسيان عموماً على الرغم من تفاقم الأزمة الإنسانية والبيئية هناك يومياً.

يجب وضع حد لهذا السأم [التعب] الخطير قبل فوات الأوان.

في وقت سابق من العام الحالي، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من موجة جفاف قد تضرب المنطقة بسبب تغير المناخ، كما بسبب النزاع (وربما التلاعب السياسي كذلك). وكما كان متوقعاً، حدث ذلك وخلف تبعات كارثية. جفت بعض روافد نهر الفرات، وفشلت المحاصيل الزراعية وعبر المزارعون الذين تكلمت معهم عن خشيتهم من حراثة أراضيهم وزراعة البذور فيها للسنة المقبلة لأنها لن تنمو هذه المرة كذلك على الأرجح.

الأسبوع الماضي، قالت منظمة “إنقاذ الطفولة” [أنقذوا الأطفال]، إن ملايين الأرواح “على المحك” بسبب تدني مستويات المياه في الأنهار الرئيسة وتضرر البنية التحتية للمياه. وحثت زعماء العالم على التصدي لأزمة المناخ، قبيل اجتماعهم في إطار مؤتمر القمة المناخي، كوب 26، الذي تنظمه الأمم المتحدة وينطلق في غلاسكو الأسبوع المقبل. كما دعت إلى زيادة التمويل للشؤون الإنسانية.

يزداد الضغط على المنطقة بسبب الجائحة ونقص المعدات الطبية. وفي هذا السياق، حذرت منظمة “أطباء بلا حدود” الأسبوع الماضي من أن منطقة شمال شرقي سوريا تكسر الرقم القياسي الذي سجلته سابقاً على مستوى أعداد الإصابات اليومية بـ”كوفيد-19″ فتبلغ الإصابات مستويات أعلى. أما معدلات التطعيم فمتدنية للغاية.

ومن العوامل التي أسهمت في الوصول إلى هذا الوضع إغلاق المعبر الحدودي الوحيد الذي تستخدمه الأمم المتحدة لإيصال المساعدات إلى شمال شرقي سوريا في عام 2020. وكان من المفترض استبدال عمليات الأمم المتحدة التي تمر عبر معبر اليعربية إلى تركيا بإيصال المساعدات من العاصمة التي يسيطر عليها النظام، لكن وفقاً لمنظمة “العفو الدولية”، تراجع حجم المساعدات، لا سيما الطبية منها، الذي يصل إلى المنطقة بشكل كبير بسبب العراقيل البيروقراطية والقيود المفروضة على النفاذ إليها.

وقد فشل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذا العام في التصويت على قرار إعادة فتح المعبر. وتكرر فصول المأساة [وتدور في حلقة مفرغة].

ومن جهته، حذر برنامج الأغذية العالمي كذلك من أن تضافر العوامل قد يؤدي إما إلى مجاعة جماعية أو هجرة جماعية من شمال سوريا في حال عدم القيام بأي شيء حيال الوضع.

وقالت إحدى راعيات الأغنام التي قابلتها الأسبوع الماضي وهي جالسة في مجرى نهر جف بعد أن كان يمد عدة قرى في المنطقة بالمياه “هذا يحدث بالفعل. بدأ الناس مغادرة المنطقة”.

ثم تساءلت “لكن أين أذهب؟” وهي تراقب الماعز وهو يرعى أشواكاً تنمو بين الشقوق في الأرض المتيبسة والعطشى.

وردد سكان القرى المجاورة كلماتها. وكرروا كلهم لازمة المشكلة نفسها: لا مياه ولا عمل وتضاؤل المواد الغذائية ومنازل مهدمة. ولا مفر.

أما شبح الحرب فلم يبارح المنطقة. إذ تزداد حدة التوتر في المناطق الحدودية مع تركيا التي تتهمها السلطات الكردية بمواصلة الإغارة على بلداتها من خلال الطائرات المسيرة والقذائف.

وجنوباً، في دير الزور- التي كانت واقعةً في السابق في قبضة “داعش” وباتت الآن منقسمة بين السيطرة الكردية والحكومية- أطلعني السكان على خوفهم من احتمال التعرض لهجوم من النظام بمساعدة الميليشيات الحليفة له التي تدعمها إيران، إضافة إلى هجمات منفصلة من خلايا “داعش” النائمة التي يبدو أنها تستجمع قواها.

وتزداد المخاوف من ارتفاع وتيرة العنف داخل المخيمات الكبيرة التي تأوي النازحين والعائلات المرتبطة بـ”داعش” (وفي صفوفها بريطانيون).

ولا يقتصر هذا الحال على شمال شرقي سوريا الواقع تحت سيطرة الأكراد بالطبع. إذ تنتشر موجات جفاف مخيفة ومجاعة وتحذيرات من العنف كذلك في شمال غربي سوريا، آخر معاقل المعارضة، وعلى حد سواء في المناطق التي يسيطر عليها النظام حيث تكشر الأزمة الاقتصادية السورية عن أنيابها [تتجلى آثارها].

وحال الإنهاك أو الإرهاق يعم البلاد بأسرها.

يكسر هذا العام العديد من الأرقام القياسية على صعيد اليأس الإنساني- وتظهر كافة المؤشرات أن العام المقبل قد يكون أسوأ بعد. علينا التحرك فوراً قبل فوات الأوان.

© The Independent