ملخص
تدفع المواجهة الأميركية – الإيرانية واشنطن نحو حرب طويلة تستنزف نفوذها في الشرق الأوسط، فيما تستفيد موسكو من التصعيد عبر دعم طهران عسكرياً واستخبارياً وتعميق تعاونها معها. ويفاقم ارتباط ترمب بإسرائيل وموقفه المتساهل تجاه بوتين مأزق الولايات المتحدة، مع اتساع الأخطار على حلفائها في الخليج وتعثر مسار “اتفاقات إبراهيم” وتصاعد الكلفة الإقليمية للحرب.
في عصر بات فيه انعدام القانون والفوضى سمتين مهيمنتين على الشؤون الدولية منذ عودة دونالد ترمب للمكتب البيضوي في واشنطن، ثم تخبطه في أنحاء العالم كطفل صغير يحمل منشاراً كهربائياً، كان من المحتم أن ترى دول أخرى خارجة على القانون، مثل روسيا وإيران، فرصة سانحة وسط هذه الفوضى.
فالرئيس الـ47 للولايات المتحدة طفولي إلى حد مفرط، وقد ضللته حكومة إسرائيلية ذات نزعة خلاصية، فلم يستوعب أن الإيرانيين لن ينتفضوا على مضطهديهم في طهران تحت راية العلم الأميركي ذي “النجوم والخطوط”، وأن موسكو لن تكون صديقة لأميركا أبداً.
وفي المقابل، يعمل المرشد الأعلى لإيران مجتبى خامنئي، ومعه “مجلس صيانة الدستور”، إلى جانب الكرملين والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على جر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى بلا نهاية.
ويتمثل هدف طهران وموسكو على المدى الطويل في الكشف عن حدود القوة الأميركية الراهنة ومواصلة إضعاف نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث بات التحالف الوثيق بين واشنطن وإسرائيل يمثل عبئاً.
وفي أحدث فصول الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو النظام الثيوقراطي الدموي في طهران، الذي يدعم جماعات إرهابية مناهضة للغرب منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتهيمن عليه نزعة دينية متطرفة ذات تصورات عن نهاية الزمان، ويمارس القتل في حق أبناء شعبه على نطاق واسع، أكثر نضجاً، على نحو ما، من القيادة الأميركية.
فقد بدأت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب إسرائيل في الـ28 من فبراير (شباط) من هذا العام، واستفزت إيران ودفعتها إلى إغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وتقلبها بشدة، كما تسبب نقص الإمدادات عالمياً في شح سلع أساسية تعتمد على النفط، مثل الأسمدة.
ثم، في نهاية أغسطس (آب)، وبعد شهر من الهدوء النسبي، أمطرت الصواريخ الأميركية جزيرة لارك الإيرانية، مستهدفة، بحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الأميركية، سفناً كانت إيران تستخدمها لزرع الألغام وخنق حركة الملاحة في المضيق.
وجاء الرد الإيراني بضربات صاروخية استهدفت قواعد أميركية في الأردن والبحرين والكويت والعراق، ثم اتهمت طهران الولايات المتحدة بقتل خمسة أشخاص في الأقل وإصابة 68 آخرين خلال حفلة زفاف في مدينة كوهستاك، إضافة إلى قصف ناقلتي نفط إيرانيتين.
والمفارقة أن ترمب كان محقاً في التعهد بإنهاء “الحروب الأبدية” الأخرى التي خاضتها بلاده في العراق وأفغانستان، فقد أسفر فشل الولايات المتحدة وحلفائها في فرض الديمقراطية بالقوة هناك، وفي الوقت نفسه تنصلهم من القيود القانونية والأخلاقية التي كانت تلتزم بها في الداخل، بذريعة ملاحقة “الإرهاب الإسلاموي”، عن سقوط أعداد هائلة من المدنيين.
لكن خطوته التالية جاءت على النقيض من ذلك تماماً، فخلافاً لنصائح مسؤولي الاستخبارات والجيش الأكثر اتزاناً، ممن لم يكن “وزير حربه” قد أقالهم بعد، أقدم ترمب على خوض “حرب قصيرة” صبيانية لا يمكن إلا لطفل أن يعتقد بإمكان حسمها من الجو.
وزاد ترمب من إظهار عدم نضجه أمام طهران وموسكو عندما نشر متباهياً صورة محاكاة مولدة بالذكاء الاصطناعي للهجوم على جزيرة لارك، لكنه أطلق عليها اسم جزيرة خرج. وفيما يرتعب حلفاؤه عندما يقدم على أمور من هذا النوع، أو عندما يهدد بإبادة إيران ومحو حضارة بأكملها، يضحك أعداؤه بسخرية. ولا أحد يمنعه من ذلك.
وبذلك، ضمنت إيران، التي تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها “الشيطان الأكبر”، وروسيا، التي ترى في أميركا تهديداً دائماً لكل شيء بما في ذلك “الروح الروسية”، أن يجد ترمب نفسه عالقاً في حرب طويلة.
ولم يقتصر أثر ذلك في إطالة أمد الحرب، بل امتد إلى حلفاء واشنطن أيضاً، الذين باتوا يرون مدى حماقة التقرب من الولايات المتحدة. فدول المواجهة الأمامية أصبحت الآن في الخليج العربي، أو الفارسي، حيث يتمركز الأسطول الأميركي الخامس في البحرين، وتنتشر قدرات جوية أميركية ضخمة في الإمارات وقطر، بينما يستضيف الأردن أنظمة للدفاع الجوي وقوات خاصة في إطار انتشار طويل الأمد.
وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل، المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في غزة، تهجير الفلسطينيين من منازلهم في الضفة الغربية المحتلة.
وفي ظل هذه التطورات، يصبح إحراز أي تقدم في “اتفاقات إبراهيم”، التي تدفع بها الولايات المتحدة وإسرائيل لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول ذات الغالبية المسلمة في الشرق الأوسط وخارجه، أمراً مستحيلاً.
ولإبقاء هذه الحرب دائرة، تزود روسيا إيران بمعلومات استخبارية تستخدم لاستهداف القوات الأميركية في الخليج. كما شاركت روسيا في تطوير مسيرات “شاهد” بالتعاون مع إيران، وهي المسيرات التي تستخدمها في أوكرانيا. ووفقاً لتقارير نشرتها صحيفة “فايننشال تايمز”، تساعد موسكو أيضاً طهران في تطوير تكنولوجيا محركات “رامجيت”، لتركيبها على صواريخ كروز سريعة ومنخفضة التحليق، بما يمكنها من اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأميركية.
وفوق ذلك، تعد روسيا الشريك الرئيس لإيران في برنامجها “المدني” للطاقة النووية.
ومع كل ذلك، لا يزال دونالد ترمب مأخوذاً بقوة فلاديمير بوتين وبخيلاء رجل يفرض حضوره على العالم، على رغم أن اقتصاد بلاده أصغر من اقتصاد إيطاليا. ولم يمارس سيد البيت الأبيض أي ضغط على روسيا للانسحاب من أوكرانيا، أو وقف مساعدتها في قتل أميركيين في شبه الجزيرة العربية.
وبدلاً من ذلك، منح أعداء الولايات المتحدة الوسائل الكفيلة باستنزافها حتى آخر قطرة.
© The Independent
