«لنكتب التاريخ معاً» عبارة لا يقرنها المرء عادة بالانتخابات الإقليمية، التي تميل غالباً للتطرق إلى الشؤون المحلية بدلاً من التغييرات الجذرية العميقة. غير أنه قبيل اقتراع انتخابي وشيك في ألمانيا، بات هذا الشعار حافلاً ومتداولاً في كل مكان خلال التجمعات الحاشدة لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف والمفعم بالحيوية.
وعندما تنتخب ولاية «ساكسونيا-أنهالت» برلماناً محلياً جديداً غداً السادس من سبتمبر (أيلول)، سيكون العالم بأسره متطلعاً ومراقباً.
ففي أميركا، تتوقع مجلة «ذا أتلانتيك» حدوث «اختراق» لصالح حزب «البديل من أجل ألمانيا»، بينما تكتب صحيفة «لوموند» الفرنسية عن «حشود متحمسة وشديدة التأهب». كما تزداد حالة الترقب ميدانيا أيضاً؛ إذ طلبت حكومة الولاية الحالية تعزيزات شرطية من مناطق أخرى في ألمانيا ليوم الاقتراع تحسباً لوقوع اضطرابات. وتُقر تامارا زفيشانغ، وزيرة الداخلية المحلية، بأنه «لا أحد يعلم ما سيحدث بالفعل» عند إغلاق صناديق الاقتراع، مضيفة: «نحن مستعدون لجميع السيناريوهات المحتملة».
وعلى مدى سنوات طويلة، حوفظ على التوافق السياسي الذي أُرسيت دعائمه في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، والقاضي بعدم السماح لأي حزب من اليمين المتطرف بالاقتراب من مقاليد الحكم، وذلك عبر ما يُعرف بـ«الجدار العازل»؛ إذ استبعدت كل الأحزاب الأخرى الدخول في أي تحالف مع حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وفي ظل النظام الانتخابي المعقد بالبلاد، لا تحصل الأحزاب المفردة عادة على 50 في المائة من الأصوات. غير أنه في ولاية «ساكسونيا-أنهالت»، بات حزب «البديل من أجل ألمانيا» قريباً من نيل الأغلبية، حيث تمنحه استطلاعات الرأي نحو 42 في المائة، وقد يحصد أكثر من نصف المقاعد إذا فشلت الأحزاب الأصغر في تجاوز عتبة الـ5 في المائة اللازمة لدخول البرلمان. وفي ولاية صغيرة كهذه، لا يتجاوز عدد ناخبيها 1.7 مليون نسمة، تبقى الفوارق دقيقة وحاسمة.
وما يبدو شبه مؤكد هو أن الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم يتخلف بفارق كبير، مما يجعل حزب «البديل من أجل ألمانيا» يتصدر المشهد. ومن الناحية النظرية، يمكن للجدار العازل أن يصمد حتى لو فاز الحزب، وهو ما حدث في ولاية تورينغن المجاورة، حيث جاء الحزب في المرتبة الأولى عام 2024، ولكنه أُجبر على الوجود في صفوف المعارضة بعدما شكلت 3 أحزاب أصغر ائتلاف غير متجانس لم يجمع بينها سوى هدف منع حزب «البديل» من الحكم.
غير أن نجاح سيناريو كهذا يبدو غير متاح بالطريقة نفسها في «ساكسونيا-أنهالت»؛ إذ اتسعت الفجوة في نسبة التأييد بين تنظيم اليمين المتطرف والأحزاب الأخرى إلى حد يتطلب من الحزب الديمقراطي المسيحي (ينتمي ليمين الوسط) العمل مع كل الأحزاب الأخرى تقريباً لتشكيل الأغلبية. وسيشمل ذلك حزب اليسار المتطرف «داي لينكه»، وهي خطوة قد تتجاوز الحدود المقبولة لكثير من المحافظين. وفي غضون ذلك، تسري شائعات مفادها أن بعض نواب الحزب الديمقراطي المسيحي قد يفضلون الانشقاق والانضمام إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا»، أو التصويت معه لانتخاب مرشحه لرئاسة حكومة الولاية، وهو المنصب الذي يعادل حكام الولايات.
كما لمَّح أحد الأحزاب الصغيرة، وهو حزب «تحالف ساهرا فاغنكنيشت» ذو التوجه اليساري المحافظ، إلى أنه قد يدعم الفائز من اليمين المتطرف. ومن ثم، وحتى لو لم يحصد حزب «البديل من أجل ألمانيا» الأغلبية المطلقة، فإن ثمة طرقاً ومنافذ للالتفاف على «الجدار العازل».
كما يبدو أن الحزب يحقق اختراقاً في مجالات مهمة أخرى، لا سيما في أوساط مجتمع الأعمال. ورغم وجود فصائل اقتصادية متباينة داخل الحزب، فإنه يتبنى بصفة عامة توجهاً نيوليبرالياً. ووفقاً لبعض الاستطلاعات الأخيرة، يرى الناخبون الآن أنه بات يمتلك كفاءة اقتصادية تضاهي كفاءة الحزب الديمقراطي المسيحي، المدافع التقليدي عن قطاع الشركات. ورغم أن القليل من كبار المديرين التنفيذيين يعربون عن تأييدهم علناً، فإن البعض منهم يُبدي ارتياحاً خلف الأبواب المغلقة للوعود بالتغييرات الجذرية، مما دفع أحد المؤرخين إلى إجراء مقارنة مع كيفية مساعدة كبار رجال الأعمال للنازيين على الوصول إلى السلطة.
وفي ولاية «ساكسونيا-أنهالت»، يعلن بعض قادة الشركات الصغيرة والمتوسطة – وهي ما يُعرف بقطاع «الميتلشتاند» الشهير الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني – تأييدهم الصريح لحزب «البديل من أجل ألمانيا»؛ إذ يتطلع كثيرون منهم بلهفة للحصول على الطاقة بأسعار أرخص، منجذبين إلى انفتاح الحزب على الوقود الأحفوري الروسي والطاقة النووية المحلية. بينما يخشى آخرون من اضطرار الحزب الديمقراطي المسيحي للعمل مع حزب «داي لينكه» اليساري، الذي يُعدّ الوريث للحزب الحاكم في ألمانيا الشرقية سابقاً. وصرح أحد رجال الأعمال والداعمين السابقين للحزب الديمقراطي المسيحي لوسائل إعلام ألمانية: «لم أخرج إلى الشوارع عام 1989 لأشهد اليوم الذي يعيد فيه اليسار إدخال الاشتراكية هنا».
وترى مجموعة من الشخصيات الاقتصادية أن تشكيل حكومة برئاسة حزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية «ساكسونيا-أنهالت»، قد يشكل حقل تجارب جيداً لاختبار سياسة اقتصادية مختلفة. ويفضل البعض هذا النهج علناً، وأبرزهم ثيو مولر، رئيس شركة منتجات الألبان التي أسسها جده؛ إذ يصف زعيمة الحزب أليس فايدل بأنها «صديقة»، واقترح في انتخابات ولايتية سابقة أن يدرس الحزب الديمقراطي المسيحي خيار الحكم إلى جانب حزب «البديل» بدلاً من الائتلاف مع حزب الخضر.
قد يمثل مولر حالة استثنائية، غير أنه يقدم مثالاً جلياً على مخاوف المحافظين من التحول إلى «شريك أصغر» للأحزاب ذات التوجه اليساري. وتتلخص الحجة في أن التحرك نحو اليمين أفضل من تقييد النفس مع اليسار إلى أجل غير مسمى.
ويستغل حزب «البديل من أجل ألمانيا» هذا التحول في المزاج العام؛ إذ يُحتفى بقائده في «ساكسونيا-أنهالت»، أولريش زيغموند الشاب ذي الكاريزما، بوصفه نجم بوب في الفعاليات الانتخابية، واستطاع حشد قاعدة جماهيرية واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فالناس يتدافعون لالتقاط صور السيلفي معه وشراء السلع الترويجية التي تحمل صورته. وبابتسامته التي لا تفارق وجهه، يساعد زيغموند الحزب في تغيير صورته من حزب غاضب إلى حزب يمثل المحفزين والمتفائلين؛ ففي عام 2016، كانت ملصقاته الانتخابية تصرخ بشعار «كفى!»، وبعد عقد من الزمان، باتت حملة زيغموند تحمل عنوان «كل شيء ممكن».
وبالطبع، لا يزال التشدد حاضراً في البيان الانتخابي للحزب، بدءاً من خطط برنامج إعادة الهجرة، وصولاً إلى الدعوات لإلغاء تأثير «المتعصبين اليساريين المنحرفين على أرواح أبنائنا». غير أن الحزب أضفى طابعاً احترافياً على عمليات الاستقطاب، وطريقة صياغة الرسائل، والإدارة التنظيمية.
ومن المحتمل بحد أدنى أن تُسفر انتخابات «ساكسونيا-أنهالت» عن تشكيل ائتلاف «جدار عازل» آخر، مما قد يُبقي حزب «البديل من أجل ألمانيا» خارج الحكومة لبعض الوقت. بيد أن الوقت قد مضى لاستعادة النظام السياسي القديم؛ إذ لم يعد الحزب يكتفي بالاحتجاج من الخارج فحسب، وإنما بات الناخبون ورؤساء الشركات وقطاعات من يمين الوسط يتعاملون معه على نحو متزايد بوصفه قوة حاكمة محتملة.
ولهذا السبب، تتجاوز أهمية السادس من سبتمبر (أيلول) مسألة ما إذا كان حزب «البديل من أجل ألمانيا» سيتمكن من الحكم من عدمه. فلأول مرة في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب، يستطيع حزب من اليمين المتطرف القيام بحملة انتخابية لإدارة ولاية بمفرده، ويبدو هذا الاحتمال معقولاً ووارداً تماماً. وقد يظل «الجدار العازل» قائماً عندما تُغلق صناديق الاقتراع في «ساكسونيا-أنهالت»، غير أن الأرض التي يستند إليها قد تحركت بالفعل.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
