بدت موسيقى كنان العظمة في ليل دمشق القديمة، كأنها موسيقى تصويرية للمدينة. كان صوت الكلارينيت يتقدّم بقية الآلات، حتى خُيّل أن أصواتها جميعاً تتولّد من داخل الآلة، ثم تجاوز باحة بيت فارحي الفسيحة، وتسلّل إلى البيوت الدمشقية المتراصة عبر نوافذها المفتوحة، واختلط بضجيج الشارع وخطوات المارة وأحاديثهم.
يكشف الطريق إلى بيت فارحي واحدة من مفارقات العمارة الدمشقية؛ إذ تفضي الأزقة الضيقة إلى بيوت واسعة ومضيئة. وعند طرف حي الأمين، في حارة اليهود، ينفتح البيت على باحة رحبة تتوسطها فسقية رخامية، وتحيط بها واجهات من الحجر الأبلق وأقواس تقود إلى قاعات تعلوها سقوف خشبية مزخرفة ومذهّبة.
بيت فارحي أحد أكبر القصور اليهودية التاريخية في دمشق، ويحتضن اليوم مقر شبكة مدنيّة للمجتمع المدني السوري. وفي باحته، عاد العظمة مسائي الأربعاء والخميس الماضيَين (الثاني والثالث من سبتمبر/أيلول)، ليقدّم حفلتَين موسيقيتَين، برفقة عازف الغيتار كايل سانا وعازف الإيقاع جون هادفيلد، وهما عضوان في مشروعه سيتي باند الذي أسسه في نيويورك عام 2006، ويقوم على حوار حي بين الكلارينيت والغيتار والإيقاع، يتنقل بين التأليف والارتجال.
نظّمت الحفل مؤسسة اتجاهات ــ ثقافة مستقلة، بالتعاون مع “حجرة ورقة مقص” و”كراسي كوليكشن”، ضمن جولة شملت حلب ودمشق، شكّلتا الظهور الأول لمشروع سيتي باند في سورية. لم تكن صلة العظمة بالأمكنة وليدة هذه العودة؛ فقد حضرت المدن والقرى السورية في عدد من مؤلفاته، والموسيقى بالنسبة إليه أداة للغوص في المفاهيم المتعلقة بالاغتراب والذاكرة.
ولو أنه في هذه الحفلة يستعيد هويته السورية ويعيد موسيقاه إلى منبتها، إلّا أنه يتخفف من المدن التي أضافها الاغتراب والمنفى إلى تجربته، فالعودة بعد ترحال طويل وأسفار عدة، تنسج مستويات مركبة من الهويات؛ إنها تكشف ما فعله الغياب في الغائب والمكان معاً، والعظمة من النوع الذي تأمل كثيراً في هويته؛ فشعر نفسه “دمشقياً في نيويورك، ونيويوركياً في دمشق”.
هذه العلاقة العكسية بين المكان والهوية الفنية جعلته يمتزج في المدينتَين اللتين صارتا جزءاً من عالمه الموسيقي. لذا حملت حفلتَا حلب ودمشق معنىً يتجاوز انتقال مجموعة موسيقية بين مدينتَين، فالموسيقى التي نضجت خلال سنوات إقامة العظمة في نيويورك، وحملت بعض مؤلفاته فيها أسماء قرى ومدن سورية وذكرياتها، عادت إلى البلد الذي ظل يعيد بناءه موسيقياً عن بعد.
وكما تتحرك تجربة العظمة بين دمشق ونيويورك، تتحرك موسيقى “سيتي باند” بين الجاز والموسيقى الكلاسيكية والمقامات الشرقية، من دون أن تستقر نهائياً داخل أحد هذه التصنيفات، فلا تذوب هذه العناصر في مزيج واحد أو قالب موسيقي واحد بقدر ما تحتفظ باختلافها. قدّم العظمة، إلى جانب سانا وهادفيلد، ست مقطوعات موسيقية، كان من بينها “جسرين” و”درعا”، وهما من أكثر أعماله اتصالاً بالذاكرة الشخصية والجمعية لسورية.
تقع جسرين في الغوطة الشرقية، إحدى أبرز حواضن الثورة السورية. وكغيرها من بلدات الغوطة، عاشت سنوات الحصار والقتل والقصف والدمار، غير أن جسرَين التي يستعيدها العظمة لا تبدأ من الحرب ولا تنتهي عندها؛ فهي مكان طفولته وأيام الجمعة التي كانت عائلته تقضيها في أرض جدّيه، بين أشجار المشمش والكرز.
وخلال أداء المقطوعة، بدت الموسيقى كأنها تزيح، للحظات، الصورة التي ثبّتها العقد الماضي في الذاكرة، لتكشف وراءها صوراً أبعد، وأكثر هناءة، صوراً للبساتين والجلسات العائلية والعمل في الأرض والحياة اليومية.
ومن الذاكرة العائلية الخاصة، انتقل العظمة إلى ذاكرة الثورة الجمعية في مقطوعة “درعا”، التي طوّرها انطلاقاً من الهتاف الذي ردّده السوريون في بدايات الاحتجاجات: “يا درعا حنّا معاكِ للموت”. فأخذ الجملة اللحنية التي وُلدت في الشارع ووسّعها داخل التأليف، ناقلاً إياها من حناجر الجماعة إلى صوت الكلارينيت، من دون أن ينتزعها من اللحظة السياسية التي خرجت منها.
ولم يكن استدعاء بيت الجدّين في “جسرين” بعيداً عن سيرة كنان العظمة نفسه؛ فعلاقته بالموسيقى بدأت هي الأخرى داخل بيت العائلة الدمشقي. كان والده، المهندس والمصوّر بشار العظمة، عازفاً هاوياً أراد لأطفاله أن يتعلموا الموسيقى. بدأ كنان العظمة تجربته بالكمان، لكنه لم يستسغ الآلة، فانتقل إلى الكلارينيت، غير أنه لم ينسجم معها على الفور، ومع السنوات، صارت الآلة في عزفه أقرب إلى امتداد لنفَسه وجسده
كان الأب يشغّل لطفليه الموسيقى الكلاسيكية ويمثّل أمامهما دور قائد الأوركسترا، فيما واظبت الأم على سماع الموسيقى الشرقية. تكوّنت الهوية الموسيقية للعظمة بين هذين العالمين، قبل أن يدرس في المعهد العربي للموسيقى ويلتحق بفرقة الأطفال التابعة له، ثم ينضم، بتشجيع من أستاذه صلحي الوادي، إلى مجموعة العازفين التي شكّلت لاحقاً نواة الفرقة الوطنية السيمفونية السورية.
أسس كنان العظمة مشروع سيتي باند في نيويورك عام 2006
أما لحظة تعلقه الفعلي بالكلارينيت، فجاءت أثناء استعداده لأداء مقطوعة “أكتوبر” لتشايكوفسكي، التي تتضمن عزفاً منفرداً للآلة، وبينما كان يتدرب عليها في المنزل، شعر للمرة الأولى بأنه يحب الكلارينيت. والكلارينيت هي الآلة التي جمعته بديمة أورشو، قبل أن تهجرها وتنصرف نحو الغناء، وكان صعودها على المسرح واحدة من مفاجآت الحفلة.
والشراكة الموسيقية بين أورشو والعظمة أقدم من هذا المشروع، ومن أبرز محطاتها فرقة حوار، التي انطلقت في دمشق عام 2003 وضمّت إليهما عازف العود عصام رافع وموسيقيين آخرين. قامت تجربة الفرقة منذ بدايتها على إدخال الآلات والأصوات الآتية من تقاليد مختلفة في حوار مفتوح.
شاركت أورشو في أداء مقطوعتَي “22 نوفمبر” و”عرس” (Wedding). في بعض اللحظات، اقترب صوتها من نبرة كلارينيت كنان العظمة إلى حد أنه ذاب فيه. اختار الموسيقي “عرس” لختام الحفل، وهي المقطوعة التي اعتبرها استعادة لروح العرس السوري المليء بالأويهات والزغاريد، لأنها تحمل فرح العرس وخفّته وفوضاه المبهجة، وكأنهم بها وجهوا للجمهور السوري دعوة مفتوحة للفرح.