دمشق- رفعت دمشق سقف خطابها بشأن احتكار الدولة للسلاح، بعدما أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الاثنين، أن حصرية السلاح «حق سيادي مطلق بيد الدولة»، معلناً أن الفصائل المسلحة جرى دمجها وأن الجيش أعيد بناؤه على أساس هذا المبدأ. وربط الشيباني بين حصر السلاح وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بالتوازي مع تأكيده مواصلة تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية الخاصة بالسويداء.
ولا يبدو هذا الربط عابراً. فدمشق تحاول تثبيت قاعدة سياسية وأمنية للمرحلة الجديدة مفادها أن نهاية الحرب لا تكتمل بمجرد توقف القتال، وإنما بإعادة توزيع أدوات القوة نفسها، بحيث يصبح السلاح والقرار العسكري والقدرة على فرض الأمن جزءاً من مؤسسات الدولة، لا من قوى محلية متوازية معها.
لكن الانتقال من إعلان هذا المبدأ إلى تطبيقه يفتح أسئلة أكثر تعقيداً. فهل يعني دمج الفصائل انتقال جميع أسلحتها فعلاً إلى الدولة؟ وهل يكفي إدخال المقاتلين في الجيش والأجهزة الأمنية لضمان انتهاء تعدد مراكز القوة؟ ثم، في الحالة الكردية، هل يمكن القول إن الأسلحة الثقيلة والمتوسطة أصبحت بالفعل تحت السيطرة الكاملة للدولة، أم أن ملف السلاح الفردي والخفيف يحتاج إلى مسار مختلف وأكثر تعقيداً؟
تقدم تجربة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» الاختبار الأبرز حتى الآن. فقد بدأ مسار دمجها باتفاقات نصت على إدماج المؤسسات العسكرية والمدنية في هياكل الدولة، قبل أن تتطور العملية إلى ترتيبات أوسع شملت إعادة تنظيم القوة العسكرية والأمنية في شمال شرقي سوريا. وفي 25 أغسطس الماضي، أعلن مظلوم عبدي حل «قسد» ودمج تشكيلاتها ومؤسساتها ضمن مؤسسات الدولة.
الاحتفاظ بقوة مسلحة مستقلة يصبح أكثر صعوبة في ظل إصرار دمشق على أن قرار الردع والسلاح من اختصاص الدولة وحدها
لكن إعلان انتهاء قوة عسكرية مستقلة لا يجيب وحده عن جميع أسئلة السلاح.
فالاندماج العسكري يمكن أن يعني إعادة توزيع العناصر والضباط داخل مؤسسات الدولة، وتوحيد سلسلة القيادة والانتشار، وتسليم المواقع والمنشآت والمعدات الثقيلة. أما جمع الأسلحة الفردية المنتشرة بين المقاتلين والمجتمعات المحلية، فهو عملية مختلفة تماماً، تتطلب سجلات دقيقة، وآليات تسليم واضحة، وضمانات بشأن الوضع القانوني لمن يحتفظون بها، وقد تستغرق وقتاً أطول.
وهنا تكمن إحدى أكثر المسائل حساسية في تجربة دمشق: هل يكون الدمج هو الهدف النهائي، أم أن الدمج مجرد المرحلة الأولى التي تليها عملية طويلة لحصر السلاح فعلياً؟
فالدولة تستطيع أن تعرف أين توجد دبابة أو منظومة صاروخية أو مخزن أسلحة كبير، لكن معرفة مكان كل بندقية ورشاش وسلاح فردي موزع بين تشكيلات عسكرية وأفراد ومجتمعات محلية أكثر صعوبة.
لهذا السبب، فإن حصرية السلاح التي تحدث عنها الشيباني لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الفصائل التي أعلنت حل نفسها، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة عسكرية وأمنية تستطيع وحدها إدارة السلاح واستخدامه.
وتحتاج هذه العملية إلى أكثر من قرار سياسي. فهي تتطلب قيادة عسكرية موحدة، وتسلسلاً واضحاً للأوامر، ومؤسسات أمنية قادرة على العمل في مختلف المناطق، ونظاماً لتسجيل الأسلحة والمعدات، فضلاً عن آلية للتعامل مع السلاح غير المسجل.
وهذا يجعل إعادة بناء الجيش السوري جزءاً من المعادلة، وليس نتيجة تلقائية لدمج الفصائل.
فالجيش الموحد لا يعني بالضرورة أن عناصر الفصائل السابقة أصبحوا فوراً جزءاً من مؤسسة عسكرية متجانسة. التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من تشكيلات لها تاريخها وقياداتها وشبكاتها المحلية إلى مؤسسة واحدة تخضع لقرار مركزي واحد.
في هذا السياق، يكتسب إدراج السويداء في كلمة الشيباني أهمية سياسية. فالوزير تحدث في اللحظة نفسها عن حصرية السلاح وعن مواصلة تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية الخاصة بالمحافظة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن دمشق أعلنت بدء عملية لنزع سلاح الفصائل الدرزية، أو أن مسار السويداء سيكون نسخة من تجربة قسد. لكن الجمع بين الملفين يطرح سؤالاً سياسياً واضحاً: هل تريد دمشق أن تجعل حصرية السلاح قاعدة عامة تنطبق على جميع القوى المحلية، بغض النظر عن خلفياتها أو مناطق انتشارها؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإن القوى المسلحة في السويداء ستكون أمام معادلة مختلفة عن مرحلة الحرب: الاحتفاظ بقوة مسلحة مستقلة يصبح أكثر صعوبة في ظل إصرار دمشق على أن قرار الردع والسلاح من اختصاص الدولة وحدها.
لكن نجاح هذا المسار لن يعتمد على المبدأ وحده. فالقوى المحلية قد تطالب بضمانات سياسية وأمنية قبل التخلي عن أدوات القوة التي تعتبرها وسيلة لحماية مناطقها ومجتمعاتها.
الدولة تستطيع أن تعرف أين توجد دبابة أو منظومة صاروخية، لكن معرفة مكان سلاح فردي موزع بين تشكيلات عسكرية وأفراد أكثر صعوبة
وهنا تصبح طريقة الدمج أهم من مجرد إعلان الدمج.
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة متعلقاً بالسلاح الخفيف.
فالأسلحة الثقيلة يمكن رصدها ومراقبة مخازنها ومواقعها، بينما تنتشر الأسلحة الفردية بسهولة أكبر، ويمكن أن تبقى خارج الأطر الرسمية حتى بعد انتهاء وجود الفصيل باعتباره مؤسسة مستقلة.
لذلك، فإن حصر السلاح يتطلب على الأرجح مرحلة تتجاوز إعادة الهيكلة العسكرية إلى عملية تسجيل وجمع وتسليم ومراقبة.
وهذه عملية شديدة الحساسية، لأن نجاحها يحتاج إلى درجة عالية من الثقة بين الدولة والقوى المحلية. وإذا غابت الضمانات، قد ينظر بعض حاملي السلاح إلى تسليمه باعتباره تخلياً عن وسيلة حماية قبل التأكد من قدرة مؤسسات الدولة على توفير الأمن.
ومن هنا، فإن دمشق تواجه معادلة مزدوجة: عليها أن تقنع القوى المحلية بأن الدولة قادرة على حمايتها، وفي الوقت نفسه أن تقنعها بأن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة لم يعد مقبولاً.
تصريحات الشيباني تضع دمشق أمام مرحلة مختلفة من عملية بناء الدولة. فبعد سنوات كان فيها السلاح موزعاً بين الجيش وفصائل متعددة وقوى محلية، تريد السلطة الجديدة الانتقال إلى نموذج تكون فيه الدولة صاحبة القرار العسكري الوحيد.
وتجربة قسد تمثل محطة مهمة في هذا المسار، لكنها لا تعني أن المشكلة انتهت بمجرد الإعلان عن الدمج. فالمعيار الحقيقي سيكون في كيفية توحيد القيادة، وضبط الترسانة، والتعامل مع السلاح الفردي، وتحويل المقاتلين السابقين إلى أفراد في مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
أما السويداء، فقد تكون الاختبار السياسي الأكثر حساسية، لأن نجاح الدمج هناك سيتطلب معالجة سؤال الأمن المحلي والثقة السياسية بالتوازي مع سؤال السلاح.
وبذلك، فإن معركة دمشق المقبلة ليست بالضرورة معركة عسكرية لنزع السلاح، وإنما معركة مؤسسات لإقناع القوى التي حملته لسنوات بأن الدولة تستطيع أن تكون بديلاً عنه.