على مدى أكثر من أربعة عقود، لم يكن الدعم الإيراني للـ “الحزب” مجرد تمويل عسكري، بل تحوّل تدريجياً إلى منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة تتجاوز العمل السياسي والأمني، لتصبح ما يشبه “دويلة” أو “دولة مصغّرة” داخل لبنان.
الأموال الإيرانية لصالح الحزب لم تُستخدم فقط لبناء القدرات العسكرية لهذه الميليشيات، بل موّلت شبكة واسعة من الرواتب والمؤسسات الصحية والتعليمية والجمعيات الاجتماعية، وبرامج الإعمار والتعويضات. وهكذا نشأت دورة اقتصادية موازية تستند إلى الإنفاق النقدي المباشر في اقتصاد يعتمد، بعد انهيار القطاع المصرفي عام 2019، كثيراً على الدولار الورقي.
لكن هذا النموذج يواجه اليوم اختباراً غير مسبوق: ماذا يحدث إذا تحوّل تراجع التدفقات المالية الإيرانية إلى انقطاع كامل؟
من تدفق الأموال إلى أزمة السيولة
يصعب تحديد الحجم الدقيق للتمويل الإيراني للحزب بسبب اعتماد جزء منه على قنوات غير رسمية، إلا أن تقديرات أميركية وغربية تأرجحت في التقدير، وكان أن أشارت سابقاً إلى أن الدعم تراوح بين 700 مليون ومليار دولار سنوياً.
لا تكمن أهمية هذه الأموال في حجمها فقط، بل في طريقة دخولها إلى الاقتصاد اللبناني. فهي تمثل ما يُعرف اقتصادياً بـ”الحقن الخارجي للسيولة”: أموال تأتي من خارج الاقتصاد وتتحول إلى إنفاق داخلي يخلق طلباً على السلع والخدمات. فالرواتب تتحول إلى استهلاك، والمشاريع إلى نشاط في البناء، والخدمات إلى وظائف ومشتريات، ما يوسّع أثر التدفقات عبر “الأثر المضاعف” (أثر زيادة الإنفاق المتتالي).
التطور الأهم مؤخراً يتمثل في تراجع القدرة الإيرانية على إيصال الأموال إلى بيئة الحزب في لبنان وتحويلها إلى سيولة قابلة للاستخدام. وبحسب تقديرات أمنية وغربية، تراجعت التدفقات بنحو 50 إلى 60 في المئة مقارنة بمراحل سابقة، نتيجة العقوبات الأميركية، وتشديد الرقابة على شبكات التحويل، واستهداف قنوات مالية غير تقليدية مرتبطة بإيران وحلفائها.
هنا تبرز أهمية الفرق بين وجود التمويل والقدرة على إدخاله في الدورة الاقتصادية. ففي اقتصاد يعتمد على النقد، لا تكفي الأموال الموجودة على الورق. الأهم هو قدرتها على الوصول إلى السوق.
تداعيات تراجع التمويل على الاقتصاد النقدي
أدى انهيار المصارف سنة 2019 إلى وجود اقتصاد نقدي يعتمد بدرجة كبيرة على تداول الدولار الكاش. لذلك فإن فقدان أي مصدر إضافي للسيولة يمكن أن ينعكس على النشاط الاقتصادي، خصوصاً في المناطق التي استفادت من دورة إنفاق مرتبطة بمؤسسات الحزب والعاملين فيها.
قد تظهر التداعيات في انخفاض القدرة الشرائية، وتراجع الحركة التجارية في المناطق المستفيدة من الرواتب والمساعدات والإنفاق المرتبط بمؤسسات الحزب. وقد يزداد الضغط على سوق الدولار إذا لم تُعوَّض التدفقات بمصادر أخرى، مثل تحويلات المغتربين والسياحة والاستثمارات.
لكن الأزمة اللبنانية الاقتصادية لا يمكن اختزالها بتراجع التمويل الإيراني وحده، فهي نتاج تراكمات شملت انهيار القطاع المصرفي، والعجز المالي، وتراجع الإنتاج، وفقدان الثقة بالدولة.
“الدويلة” أمام اختبار التمويل
تراجع حاد في التمويل الإيراني يضع “الدويلة” الذي بناها الحزب عبر عقود أمام اختبار. فهذا النموذج لم يقم على القوة العسكرية فقط، بل على شبكة واسعة من الرواتب والمؤسسات الصحية والتعليمية والمساعدات الاجتماعية وبرامج التعويضات، التي منحت الحزب قدرة على أداء أدوار تتجاوز العمل السياسي والأمني.
مع تراجع التدفقات، ستصبح الأولوية على الأرجح للحفاظ على القدرات العسكرية والأمنية، فيما ستتعرض الوظائف الإدارية والخدماتية لضغوط أكبر. وقد ينعكس ذلك على العاملين في هذه المنظومة عبر تقليص المخصصات أو خفض الإنفاق التشغيلي.
لكن انقطاع التمويل، حين يكتمل، لا يعني بالضرورة انهيار الحزب كتنظيم سياسي، لأن قوته لا تستند إلى المال وحده، بل أيضاً إلى بنيته التنظيمية وقاعدته الاجتماعية والبعد العقائدي الذي تشكل عبر عقود.
لذلك، فإن التأثير الأكثر احتمالاً سيكون تفككاً تدريجياً لبعض وظائف “الدويلة”، أي تراجع قدرتها على تقديم الخدمات التي شكلت أحد مصادر نفوذها الاجتماعي، وليس بالضرورة انهيار التنظيم نفسه.
إذا انقطع الدولار الإيراني بالكامل: اختبار الدولة
يبقى سيناريو انقطاع التمويل الإيراني للحزب مرتبطاً بمدى نجاح سياسة الضغط الاقتصادي الأميركية في تغيير سلوك إيران أو دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها. وفي حال تحقق ذلك، قد يطال التأثير التوازنات الاقتصادية والإجتماعية في لبنان. والسؤال: هل تستطيع الدولة اللبنانية ملء فراغ شبكة الحزب المالية التي أدت لسنوات أدواراً اجتماعية واقتصادية واسعة؟
الإجابة ليست سهلة. فالدولة اللبنانية تعاني أصلاً من ضعف مالي واقتصادي، ولا تملك قدرة كافية على استيعاب أعباء إضافية من دون دعم خارجي وإصلاحات داخلية. وهنا يظهر الدور الخليجي، لكن ليس باعتباره بديلاً تلقائياً عن أي تمويل متراجع. فالدول الخليجية لن تقدم على إعادة إعمار واسعة أو ضخ استثمارات طويلة الأجل في لبنان ما لم تتوافر شروط تتعلق باستقرار القرار السياسي، وتعزيز مؤسسات الدولة، ووجود بيئة قانونية واقتصادية تحمي الاستثمار. فالخليج لا يبحث فقط عن تمويل المشاريع، بل عن دولة تضمن استدامتها.
في المحصلة، إن انقطاع الدولار الإيراني لن يكون أزمة مالية للحزب، بل اختباراً لنموذج اقتصادي واجتماعي نشأ في لبنان عبر عقود. فإذا نجح الضغط الاقتصادي الأميركي في دفع إيران إلى تغيير سلوكها، فقد يفتح ذلك الباب أمام تسوية تمنح الدولة اللبنانية مساحة أكبر لاستعادة دورها الاقتصادي والأمني، وتتيح عودة الدعم العربي والدولي ضمن إطار الدولة.
أما إذا فشلت هذه السياسة، فقد يستمر النموذج القائم مع تعديلات اضطرارية تسمح له بالتكيف مع الضغوط.
