كما جرت العادة في كلّ انتخابات رئاسية، ولا سيّما في العقدَين الماضيين، يرتفع مستوى التوتّر داخل المجتمع الفرنسي، نتيجة طروحات الأحزاب الراديكالية في فرنسا التي تركّز على قضايا الهُويّة والهجرة، بوصفها قضايا إشكالية تمتلك طاقةً كبيرةً على الاستقطاب، في بلد يعاني أزمات مركّبة، لم تستطع نُخبه السياسية إنتاج مقاربات قادرة على تفكيك تلك الأزمات التي تتوالد بسرعة كبيرة وتؤثّر في مكانة فرنسا العالمية، وتنعكس على حياة الفرنسيين ومستقبلهم.
لم يكن إعلان النائب في حزب التجمّع الوطني، جان فيليب تانغي، أنّ الحزب يريد معاقبة النساء اللواتي يرتدين الحجاب في الأماكن العامة بغرامة خارجاً عن سياق الانحطاط الذي تشهده أحزاب اليمين (الوسط والمتطرّف) في فرنسا، مع اختلاف بسيط في الشكل ودرجة الراديكالية، ما يشكّل إحدى بنيات التراجع الفرنسي على مختلف الأصعدة، حيث تستنزف تلك الأحزاب، التي باتت تشكّل أكثر من ثلثَي المشهد السياسي الفرنسي مع تراجع اليسار بدرجة كبيرة، طاقة المجتمع الفرنسي بعيداً من المجالات التي يجب أن تُوجَّه إليها، ولا سيّما إخراج فرنسا من جملة الأزمات التي ترزح تحتها.
ففي بلد بلغ حجم الدين فيه نحو أربعة تريليونات يورو، ووصلت خدمة الدين إلى أكثر من 75 مليار يورو، وتراجع إلى المرتبة السابعة في تصنيف أكبر الاقتصادات على مستوى العالم، ويشهد أعلى معدّل تضخّم في أوروبا، وتتراجع قدرته التشغيلية إلى حدّ بعيد، وترتفع نسبة البطالة فيه إلى مستويات قياسية، ويخسر مناطق نفوذه في العالم الواحدة تلو الأخرى، وتتراجع قدرته على اللحاق بالاقتصاد الحديث القائم على الذكاء الاصطناعي، وينعكس هذا كلّه على دور فرنسا العالمي، في ظلّ ذلك كلّه، سيبدو توجيه الحملة الانتخابية نحو قضية الحجاب أمراً غير طبيعي، وأن تتحوّل إلى قضية ستُطرح للاستفتاء العام، كما وعدت رئيسة كتلة التجمّع الوطني في الجمعية الوطنية مارين لوبان، وأن تُطرح المسألة بوصفها أولويةً لدى الفرنسيين، فهذا أكثر من ترف فكري وسياسي في هذه اللحظة الفرنسية المفصلية في تاريخ فرنسا.
في المعنى السياسي، يكشف خيار طرح الحجاب عنواناً انتخابياً عمق أزمة الأحزاب السياسية التي تفتقد البرامج الانتخابية، وضعف القدرة الاقتراحية في مواجهة الأزمات المركّبة التي تعيشها فرنسا، وإزاء العجز عن إيجاد حلول لتلك الأزمات، يُهرَب إلى القضايا الهُويّاتية والدينية. لكن الإشكالية في ذلك لا تتوقّف عند مسألة استقطاب ناخبين كثيرين باستخدام سياسات مفرطة في الشعبوية، إذ تتعدّى هذا إلى المغامرة بالسلم الأهلي في فرنسا، فالدعوة إلى إلغاء الحجاب تُربط بقضايا الأمن والخوف من الأيديولوجيا الإسلامية بوصفها تهديداً إرهابياً، أو شكلاً من أشكال الغزو، أو الإحلال، كما يسمّيها بعض مفكّري اليمين المتطرّف في أوروبا.
وللقضية بعد تكتيكي آخر، يتمثّل بمحاولة “التجمّع الوطني” فرض أجندة للنقاش لينجح في نقل المعركة الانتخابية إلى ساحته التي يمتلك فيها قدراً كبيراً من التأثير، ويستطيع الانتصار بما يملكه من خبرة في قضايا الهجرة والهُويّة، فيما يضع منافسيه من الأحزاب الأخرى في موقف دفاعي، ليس فقط الأحزاب اليسارية، بل اليمين نفسه، بدليل أنّ وزير الداخلية السابق، برونو روتايو، الذي لم يخفِ عداءه للمهاجرين يوماً ووضع قوانين تجعل الحصول على الجنسية أمراً صعب المنال، وغابرييل آتال، رئيس وزراء فرنسا السابق، الذي منع اللباس الإسلامي في المدارس، وقفا ضدّ مقترحات “التجمّع الوطني”، ليس لأنّهما أقلّ عداءً للأيديولوجيا الإسلامية، بل لإدراكهما أنّ تكتيكات “التجمّع الوطني” ستضعف حظوظهما الانتخابية.
لعلّ المفارقة في طرح “التجمع الوطني” لتجريم الحجاب أنّ الحزب يطرحها شكلاً من أشكال تحرير المرأة، إذ يدّعي عتاة الحزب أنّهم، بالدعوة إلى نزع الحجاب، سيحرّرون النساء المسلمات، وذلك بناءً على صورة نمطية تدّعي أنّ الحجاب مفروض على المرأة المسلمة، وأنّها تضعه مجبرةً تحت إكراه عائلتها. وهذا منطق استعلائي ينطوي على شبهة استمرار خطاب الرجل الأبيض الذي يرى أنّ “الآخر” القادم من الجنوب يحتاج إلى من يأخذ بيده ويرشده إلى دروب الحرّية، من دون أن تكلّف هذه الجهات نفسها عناء إجراء دراسات معمّقة عن أسباب تمسّك أبناء المهاجرين من الجيل الأول بمعتقداتهم وقيمهم، وما إذا كان لسياسات العزل والتمييز التي تُمارس ضدّهم أثر في ذلك؟
لا تحتاج فرنسا إلى إضافة تعقيدات جديدة ضدّ مواطنيها المسلمين، فقد تراكمت على مدار السنوات الماضية، في ظلّ تراجع اليسار وصعود اليمين الشعبوي، تعقيدات هائلة أدّت إلى حالة من الانقسام وتضخّم مشاعر الاغتراب لدى المسلمين، ومن شأن أيّ زيادة في هذه الإجراءات أن تضع السلم الأهلي على حافة الخطر. وربّما هذا ما أدركه عقلاء فرنسا الذين هبّوا للتعاطف مع النساء المسلمات، لإدراكهم أنّ القضية تجاوزت الخطوط الحمر بمراحل، وتكاد تتحوّل إلى شكل من أشكال الإبادة الهُويّاتية والإعدام الثقافي لمكوّن يتجاوز عدد أفراده عشرة ملايين من أصل 70 مليوناً من الفرنسيين. في المقابل، يجب أن تشكّل هذه التطوّرات جرس إنذار للمكوّن الإسلامي ليعمل في تنظيم نفسه سياسياً، ويتحوّل إلى قوّة تصويتية لها وزن مهمّ في الانتخابات، بدل حالة اللامبالاة والتشتّت القائمة حالياً.