
أشادت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، بـ”الإنجازات الكبيرة للحكومة السورية وشعبها”، مشيرة في ذات الوقت إلى التحديات القائمة في بناء مؤسسات تحترم الحقوق، بالتوازي مع معالجة إرث الفظائع الماضية وضمان عدم تكرارها.
ورحّبت اللجنة في إحاطة أمام مجلس حقوق الإنسان، اليوم الثلاثاء 8 أيلول، باستمرار التواصل مع الحكومة، بما في ذلك تيسير وصولها إلى الأراضي السورية، وإجراء الحوار بشأن أبرز قضايا حقوق الإنسان وإطار العدالة الانتقالية.
كما أشارت إلى تواصلها مع كبار المسؤولين لمناقشة الحالات المحتملة المثيرة للقلق قبل تفاقمها.
تحذير من “العدالة الانتقائية”
شددت اللجنة الأممية على ضرورة خضوع جميع مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للمساءلة على قدم المساواة، محذّرةً من أن “العدالة الانتقائية” في الجرائم الدولية تخالف أحكام القانون الدولي، ومن شأنها إعادة إحياء المظالم وتقويض جهود المصالحة.
وحثّت اللجنة على تعزيز المساءلة إزاء أعمال العنف التي حصلت في الساحل والسويداء في 2025، بما في ذلك وضع المفقودين.
وأعربت عن قلقها بشأن الوفيات المعلنة أثناء الاحتجاز، واعتقال النشطاء، واستمرار خطاب الكراهية والمضايقات عبر الإنترنت، إلى جانب تهديدات بالعنف ضد النساء، وخصوصًا الناشطات.
شمال شرق سوريا
أشادت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، بجهود الحكومة السورية الرامية إلى الحدّ من الانتهاكات خلال الأعمال العسكرية التي جرت أوائل العام الحالي مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
وأشارت في الوقت ذاته إلى أنها تحقق في تقارير عن “انتهاكات خطيرة” في مدينة حلب وفي شمال شرق سوريا، منوهة إلى أن التحقيقات تشمل الانتهاكات المبلغ عنها ضد “قسد”، والتي شملت مزاعم قتل محتجزين.
وسلّطت اللجنة الضوء على الظروف المستمرة والمتدهورة لـ”الاحتجاز التعسفي الذي يطال أكثر من ألفي شخص، معظمهم من النساء والأطفال الذين يُزعم ارتباطهم بتنظيم “الدولة الإسلامية”، والمحتجزين في مخيم “روج” في محافظة الحسكة.
وجددت الدعوة إلى إغلاق المخيم فورًا وإعادة المواطنين الأجانب إلى أوطانهم، مستذكرة “التاريخ الطويل لانتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي المرتبطة بهذه المخيمات، بما في ذلك تلك التي قد ترقى إلى جرائم حرب”.
ولفتت اللجنة الانتباه إلى أكثر من مئة طفل أجنبي محتجزين في شمال وشرق سوريا، بعضهم محتجز منذ عام 2019، مشددةً إلى أن احتجاز الأطفال ينبغي أن يكون الملاذ الأخير، وأن الأطفال الذين يُزعم ارتباطهم بجماعات مسلحة ينبغي إعادة تأهيلهم ومعاملتهم كضحايا.
وعبرت اللجنة عن مخاوفها بشأن “النقل القسري الجماعي”، للمعتقلين المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم “الدولة” من شرق سوريا إلى العراق في وقت سابق من هذا العام.
وحثت على اتخاذ إجراءات سريعة لمعالجة هذا الوضع بما يضمن احترام حقوق الإنسان الأساسية.
الوجود الإسرائيلي في سوريا
سلّطت اللجنة الضوء على النشاط العسكري الإسرائيلي، مشيرة إلى أن إسرائيل تواصل نشاطها العسكري على الأراضي السورية.
وأضافت أن نشاط إسرائيل داخل الأراضي السورية يتزايد ترسيخًا، من خلال توغلات برية ودوريات ومداهمات وعمليات تفتيش تُجرى بشكل روتيني، ما أدى إلى نزوحٍ بين السكان.
وأوضحت أنها وثقت احتجاز القوات الإسرائيلية ل 49 شخصًا في سوريا، بينهم طفلان، بعضهم محتجز بمعزل عن الاتصال بالعالم الخارجي، معربة عن مخاوف جديّة من احتمال تعرّضهم للتعذيب وسوء المعاملة.
وقالت المفوّضة الأممية في اللجنة، فيونولا ني أولَيْن: “نحن قلقون بشدة إزاء انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي ترتكبها إسرائيل على الأراضي السورية، والتي قد ترقى إلى جرائم حرب.
دمشق تتعاون مع آليات حقوق الإنسان
قال رئيس قسم حقوق الإنسان وهيئات المعاهدات الدولية في إدارة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية والمغتربين السورية، ياسر الفرحان، إن الحكومة السورية تواصل تعاونها مع مختلف آليات حقوق الإنسان الدولية، بحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا“.
وأضاف الفرحان في كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان، أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية حققت خطوات في مسارات الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، وأعدت مشروع قانون للعدالة الانتقالية، وعززت مشاركة الضحايا، ووسعت حضورها في المحافظات المتضررة، وتعاونت مع القضاء المختص في إعداد ملفات الأدلة.
وأوضح الفرحان أن القضاء السوري بدأ مسارًا قضائيًا وطنيًا، يستند إلى الإعلان الدستوري والقوانين الوطنية والمعايير الدولية، لافتاً إلى صدور أحكام بحق عدد من المتهمين بارتكاب انتهاكات.
وبيّن أن محكمة الجنايات المختصة بالعدالة الانتقالية، فصلت في خمس دعاوى، فيما تواصل النظر في 12 دعوى أخرى، إضافة إلى 69 ملفًا أمام قاضي الإحالة، و1147 ملفًا قيد التحقيق، ونحو 1333 ملفًا لدى النيابة العامة.
وأكد الفرحان التزام القضاء السوري بمعايير المحاكمة العادلة، بما في ذلك علنية المحاكمات وإتاحة حضور المراقبين الدوليين والمنظمات الحقوقية، وضمان حقوق الدفاع والتواصل مع العائلات، ومشاركة الضحايا، وسلامة الإجراءات واستقلال القضاء، بالتوازي مع مسار تشريعي جديد لتعزيز حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون.
توسيع إجراءات التوثيق والاستجابة
ولفت الفرحان إلى أن الهيئة الوطنية للمفقودين، أطلقت مشاورات لإعداد الإطار التشريعي الناظم لعملها بالشراكة مع عائلات الضحايا وروابطهم والمجتمع المدني، كما افتتحت مراكز لاستقبال العائلات، وأطلقت برنامج “أثر” الوطني للإبلاغ عن المفقودين، وطورت قاعدة بيانات مركزية، ونفذت 194 حالة استجابة ميدانية مرتبطة بالمفقودين والمقابر الجماعية.
وأشار إلى إن الحكومة السورية تعمل على إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمنع التعذيب ومناهضته، بالتوازي مع إحراز تقدم في مؤشرات حرية الصحافة والتعبير والحقوق الثقافية واللغوية، منوهًا إلى نجاح اتفاق دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في مؤسسات الدولة.
الاعتداءات الإسرائيلية انتهاك للسيادة السورية
وأكد الفرحان أن إسرائيل تواصل أعمالها العدائية ضد سوريا، بما في ذلك القصف والخطف والتوغل والاعتداء على المدنيين، في انتهاك للقانون الدولي ولسيادة سوريا وسلامة أراضيها واتفاقية فض الاشتباك.
ودعا الفرحان مجلس حقوق الإنسان إلى الاهتمام بمصير السوريين المختفين قسرًا لدى إسرائيل، والعمل على الكشف عن أماكن وجودهم والإفراج عنهم، وممارسة الضغط لوقف الانتهاكات الإسرائيلية.
وأكد أن سوريا، رغم التقدم المحرز في مسارات حقوق الإنسان والمساءلة، لا تزال تواجه تحديات تتطلب دعمًا دوليًا لموارد جبر الضرر وبناء قدرات المؤسسات الوطنية.
وشدد على أن تعزيز التعاون بين لجنة التحقيق والقضاء السوري والنيابة العامة وجهات إنفاذ القانون، يسهم في تحقيق الإنصاف والمساءلة بصورة أكثر فاعلية.