طهران- لم تعد حملة العزل الاقتصادي التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران تقتصر على النفط والمصارف والشحن البحري، إذ امتدت الثلاثاء إلى قطاع الطيران المدني، في خطوة تكشف عن رغبة واشنطن في تضييق كل المنافذ التي تسمح لطهران بالحفاظ على اتصالها بالعالم وتأمين احتياجاتها من الطائرات والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض 36 عقوبة جديدة مرتبطة بإيران، بينها عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية، إلى جانب شركات ووسطاء أجانب تقول واشنطن إنهم ساعدوا قطاع الطيران الإيراني في الحصول على طائرات وتكنولوجيا ومكونات ذات منشأ أميركي. وتستهدف الإجراءات خصوصاً شركة «ماهان إير»، التي تخضع للعقوبات الأميركية منذ سنوات، وشبكاتها الخارجية.
وتأتي الخطوة في وقت تدخل فيه الحرب الإقليمية شهرها السابع، بينما تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب رفع كلفة استمرار إيران في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، عبر الجمع بين الضغط العسكري والعزل الاقتصادي.
وتكتسب العقوبات الجديدة أهميتها من اتساع نطاقها. فواشنطن لم تستهدف شركة واحدة، وإنما طالت معظم ما تبقى من قطاع الطيران الإيراني خارج دائرة العقوبات، بما في ذلك شركات حكومية وخاصة، وشبكات خدمات وشحن مرتبطة بها.
طهران أظهرت خلال السنوات الماضية قدرة على تطوير شبكات التفاف واستخدام شركات وسيطة وشراء طائرات مستعملة وإعادة تسجيلها وتغيير مساراتها
وبذلك تنتقل العقوبات من استهداف ناقل بعينه إلى محاولة إعادة رسم البيئة التي يعمل فيها الطيران الإيراني.
وتقول وزارة الخزانة إن بعض هذه الشركات والوسطاء ساعدوا إيران في تدبير طائرات وتكنولوجيا حساسة أميركية المنشأ، أو في توفير خدمات الشحن والعمليات اللوجستية التي تسمح لشركات الطيران الإيرانية بمواصلة العمل رغم العقوبات.
كما شملت الإجراءات شركات مقرها تركيا والإمارات وماليزيا، في إشارة إلى أن واشنطن لا تريد الاكتفاء بمعاقبة الشركات الإيرانية، بل تسعى إلى ملاحقة الشبكات الخارجية التي تساعدها على تجاوز القيود.
وتظل «ماهان إير» الهدف الأبرز في هذه الحملة. فالناقلة الإيرانية تخضع للعقوبات الأميركية منذ عام 2011، وتتهمها واشنطن باستخدام شبكاتها لنقل أفراد ومعدات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
لكن استمرار الشركة في العمل، وتوسعها في بعض المسارات الدولية، يعكسان قدرة قطاع الطيران الإيراني على التكيف مع العقوبات عبر الوسطاء والشركات الواجهة ومسارات النقل غير المباشرة.
وتقول واشنطن إن الإجراءات الجديدة تستهدف هذه القدرة تحديداً، بعدما ساعدت شبكات خارجية «ماهان إير» في الحصول على ثلاث طائرات بوينغ 777 على الأقل هذا الصيف، رغم العقوبات المفروضة عليها.
وهنا يتغير هدف العقوبات: لم يعد المطلوب فقط منع شركة إيرانية من شراء طائرة، وإنما منعها من إيجاد طرف ثالث يستطيع شراء الطائرة أو نقلها أو صيانتها أو توفير قطع الغيار اللازمة لتشغيلها.
وتعكس استهداف شركات في تركيا والإمارات وماليزيا اتجاهاً أميركياً متزايداً نحو ملاحقة الوسطاء الذين يعملون خارج إيران.
وتحذر الخزانة الأميركية المؤسسات المالية الأجنبية من التعامل مع شبكات شراء الطائرات أو تقديم الخدمات لشركات الطيران الإيرانية المعاقبة. كما أعلنت الولايات المتحدة تعليق ثلاثة تراخيص مرتبطة بالطيران الإيراني كانت تسمح بعمليات في الأجواء الإيرانية أو باستخدام طائرات تجارية أميركية المنشأ في رحلات إلى إيران.
وهذا يعني أن الخطر لم يعد يقتصر على الشركة الإيرانية نفسها. فشركة أجنبية قد تجد نفسها أمام احتمال فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي إذا ثبت أنها تساعد شركة طيران إيرانية خاضعة للعقوبات.
وتعتمد واشنطن بذلك على إحدى أكثر أدوات الضغط فعالية لديها: تحويل العقوبات الأميركية إلى مخاطرة عالمية، بحيث تضطر الشركات الأجنبية إلى الاختيار بين السوق الإيرانية والنظام المالي الدولي.
وتأتي هذه الخطوة في سياق حملة أميركية أوسع تهدف إلى تقليص قدرة إيران على الوصول إلى العملات الأجنبية، وتقييد صادراتها النفطية، واستهداف شبكات الشحن والتحويلات المالية.
واللافت أن الطيران أصبح جزءاً من هذه المعادلة في الوقت الذي تواجه فيه إيران ضغوطاً متزامنة على الملاحة والطاقة، مع استمرار المواجهة حول مضيق هرمز. وفي اليوم نفسه، تصاعدت المخاطر في المنطقة بعد هجمات حوثية على مدن ومنشآت نفطية سعودية، ما يعكس اتساع رقعة الحرب وتداخل مساراتها العسكرية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، تبدو العقوبات على الطيران جزءاً من محاولة أوسع لإغلاق منافذ الحركة الإيرانية، وليس مجرد إجراء يتعلق بقطاع النقل الجوي.
فالطائرة تحتاج إلى تمويل وتأمين وقطع غيار وصيانة ومطارات وشركات خدمات وأنظمة حجز وتحويلات مالية. وكلما اتسعت دائرة العقوبات حول هذه العناصر، ازدادت كلفة تشغيل شركات الطيران الإيرانية، حتى لو بقيت قادرة على التحليق.
هل يمكن خنق السماء الإيرانية؟
لا يعني استهداف القطاع بأكمله بالضرورة توقف الطيران الإيراني. فقد أظهرت طهران خلال السنوات الماضية قدرة على تطوير شبكات التفاف واستخدام شركات وسيطة وشراء طائرات مستعملة وإعادة تسجيلها وتغيير مساراتها.
لكن العقوبات الجديدة تجعل عملية الالتفاف أكثر صعوبة وكلفة، لأنها تستهدف السلسلة بأكملها وليس الحلقة الإيرانية وحدها.
ومن هنا، فإن نجاح السياسة الأميركية لن يقاس فقط بعدد الطائرات التي تتوقف عن العمل، وإنما بقدرة واشنطن على جعل التعامل مع قطاع الطيران الإيراني مكلفاً إلى درجة تدفع الشركات والبنوك والوسطاء الأجانب إلى الابتعاد عنه.
في النهاية، لا تحاصر الولايات المتحدة إيران في البحر والمال والطاقة فقط، بل بدأت تضيق أيضاً مجال حركتها في الجو. وإذا كانت العقوبات السابقة قد استهدفت قدرة الاقتصاد الإيراني على كسب المال، فإن العقوبات الجديدة تحاول استهداف قدرته على الحركة والاتصال والحصول على التكنولوجيا.
وهكذا يدخل الطيران المدني الإيراني مرحلة جديدة من الضغط، ضمن استراتيجية أميركية تبدو غايتها أبعد من معاقبة شركات بعينها: عزل إيران اقتصادياً إلى أقصى حد ممكن، وتقليص قدرتها على تحويل شبكاتها الخارجية إلى شرايين للبقاء في زمن الحرب.