الوصول إلى مضيق باب المندب والسيطرة عليه وإغلاقه في وجه الملاحة الدولية حلم إيراني قديم – جديد لاثبات النفوذ الإقليمي لطهران والقدرة على التحكم بطرق التجارة العالمية في محاولاتها المستمرة لتخفيف الضغط الأميركي عليها، وجاء التصعيد الحوثي الواسع حديثاً ليكشف عن هذه الوجهة السياسية والعسكرية
لم تعد المعارك الدائرة في الساحل الغربي لليمن تُقرأ بوصفها جولة جديدة من الحرب الممتدة منذ أكثر من عقد، بل باعتبارها مؤشراً على انتقال الصراع إلى مرحلة مختلفة، تتجاوز التنافس على المدن والمناطق الداخلية إلى التنافس على الجغرافيا البحرية. فالتصعيد الأخير في محيط المخا وجنوب الحديدة وغرب تعز لا يعكس مجرد محاولة لتحقيق مكاسب ميدانية، بل يكشف عن إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأن السيطرة على الساحل الغربي باتت مفتاحاً لإعادة تشكيل موازين القوة داخل اليمن وفي الإقليم.
تبرز “المخا” في قلب هذه المعادلة. فهذه المدينة الساحلية الصغيرة، التي ارتبط اسمها تاريخياً بتجارة البن وبدأت من مينائها قصة القهوة في العالم، تحولت اليوم إلى إحدى أهم النقاط العسكرية في اليمن، ليس بسبب قيمتها المحلية، وإنما بسبب موقعها على الطريق المؤدي إلى باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. من هنا، فإن أي تغيير في ميزان القوى حول المخا لا يقتصر أثره على الداخل اليمني، بل يمتد إلى أمن البحر الأحمر وحركة التجارة الدولية.
تشير العمليات العسكرية الأخيرة إلى أنّ جماعة الحوثي لم تعد تركّز فقط على تثبيت خطوطها الدفاعية، وإنما تسعى إلى تحسين موقعها العملياتي على الساحل الغربي عبر الضغط على المحاور المؤدية إلى المخا، واستهداف طرق الإمداد والبنية اللوجستية المرتبطة بها. وفي المقابل، تحاول القوات الحكومية منع هذا التقدم من خلال عمليات هجومية مضادة، استعادت خلالها مواقع مهمة في حيس ودفعت باتجاه الجراحي، في محاولة لإبعاد التهديد عن الساحل الجنوبي الغربي ومنع أي اختراق قد يغير طبيعة الصراع.
تحول في أولويات الحرب
غير أنّ أهمية هذه المعركة لا تكمن في المكاسب الميدانية المباشرة، وإنما في ما تمثله من تحول في أولويات الحرب. فخلال السنوات الماضية كان الصراع يتمحور حول السيطرة على صنعاء أو مأرب أو تعز، أما اليوم فإن مركز الثقل يتجه نحو الموانئ وخطوط الملاحة. وبات واضحاً أن السيطرة على الجغرافيا الساحلية صارت لا تقل أهمية عن السيطرة على المدن، لأن من يملك القدرة على التأثير في الساحل الغربي يمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن نفسها.
في هذا السياق، تكتسب “المخا” أهمية خاصة باعتبارها عقدة لوجستية تربط تعز بالساحل، وتشكل نقطة انطلاق نحو باب المندب. لذلك، فإن استهداف الميناء أو محاولة قطع الطرق المؤدية إليه لا يمكن قراءته بمعزل عن السعي إلى إعادة رسم ميزان السيطرة على الساحل بأكمله. كما أن الالتفاف حول المدينة عبر محاور الوازعية وذوباب يوحي بأن الهدف لا يقتصر على السيطرة على المخا، بل يشمل بناء حضور ميداني أوسع يسمح بالاقتراب من المجال العملياتي للمضيق.
تتقاطع هذه القراءة مع البعد الإقليمي للصراع. فالتصعيد في الساحل الغربي يأتي في ظل توتر متزايد في البحر الأحمر، وفي سياق إقليمي يشهد تنافساً على أمن الممرات البحرية. ومن هذا المنظور، فإن ما يجري لا ينفصل عن الحسابات الإيرانية، التي تنظر إلى باب المندب بوصفه ورقة استراتيجية موازية لمضيق هرمز. فامتلاك حليف محلي قادر على تهديد الملاحة في البحر الأحمر يمنح طهران هامشاً إضافياً للمناورة في أوقات الأزمات، حتى من دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر.
امتلاك القدرة على التعطيل
مع ذلك، ينبغي التمييز بين هدفين مختلفين: السيطرة على باب المندب، والقدرة على التأثير في حركة الملاحة عبره. فالسيطرة المباشرة على المضيق تبدو هدفاً بالغ التعقيد في ظل الحضور البحري الإقليمي والدولي، أما امتلاك القدرة على تهديده بواسطة الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية فهو هدف أكثر واقعية وأقل كلفة. ولهذا، فإن القيمة الاستراتيجية لا تكمن بالضرورة في إغلاق المضيق، وإنما في امتلاك القدرة على تعطيله أو رفع كلفة استخدامه عند الحاجة، بما ينعكس على حركة التجارة وأسواق الطاقة العالمية.
في المقابل، تدرك الحكومة اليمنية والقوى الداعمة لها أن خسارة الساحل الغربي لن تعني فقدان مدينة أو ميناء فحسب، بل ستفتح الباب أمام تغير أوسع في ميزان القوى البحري. لذلك تبدو العمليات الحكومية الأخيرة محاولة لاستعادة زمام المبادرة ومنع الحوثيين من تثبيت مواقع متقدمة على الساحل، بما يحول دون انتقال الصراع إلى مرحلة يصبح فيها باب المندب جزءاً من معادلة الردع الإقليمية.
لا يمكن إغفال أن لكل طرف روايته الخاصة لتفسير التصعيد. فالحكومة تعتبر أن العمليات الحوثية تستهدف فرض واقع جديد على الساحل الغربي يخدم أجندة إقليمية أوسع، بينما يرى الحوثيون أن تحركاتهم تأتي في إطار الرد على الحصار والعمليات العسكرية المستمرة ضدهم. وبين هاتين الروايتين، تبقى الحقيقة الأبرز هي أن المواجهات تجاوزت منذ زمن حدود النزاع المحلي، وأصبحت مرتبطة بتوازنات البحر الأحمر والمصالح الدولية المرتبطة به.
اما الرياض فتنظر الى التصعيد في الساحل الغربي باعتباره تهديداً يتجاوز الساحة اليمنية، إذ يمس مباشرة أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية. فمنذ انهيار التهدئة، حرصت المملكة على تجنب العودة إلى حرب برية واسعة، مفضلةً دعم القوات الحكومية اليمنية وتعزيز الدفاعات الجوية والبحرية، بالتوازي مع العمل على تدويل أمن البحر الأحمر عبر مبادرات للتعاون البحري. ويعكس هذا التوجه إدراكاً سعودياً بأن أي تموضع حوثي متقدم باتجاه المخا أو باب المندب سيمنح الجماعة قدرة أكبر على تهديد الملاحة واستهداف المصالح السعودية، ولا سيما بعد إعلان الحوثيين استهداف السفن والمنشآت السعودية وتصاعد الهجمات على البنية التحتية للطاقة.
موقع اليمن في معادلة البحر الاحمر
لا توحي المؤشرات بإمكان حسم سريع، في المدى المستقبلي القريب. فطبيعة الأرض، وتوازن القدرات حتى الآن، كلها عوامل ترجح استمرار المواجهات مع تقدّم للقوات الحكومية بقيادة طارق ابن أخ الرئيس الراحل علي عبدالله صالح. وفي الوقت نفسه، ستظل المخا وباب المندب محورين رئيسيين لأي تصعيد مقبل، لأنهما يمثلان نقطة التقاء بين الصراع اليمني وحسابات الأمن الإقليمي.
يسيطر الحوثيون على معظم شمال اليمن، بما يشمل العاصمة صنعاء ومحافظة الحديدة الساحلية الاستراتيجية غربي البلاد بأكملها تقريبا، إضافة إلى محافظة إب الكثيفة السكانيا، ونفوذ يمتد إلى أجزاء من محافظات تعز (أبرزها منطقة الحوبان الصناعية) والضالع (بما فيها مدينة دمت) ولحج، ما يجعلهم يحكمون مناطق يقطنها نحو 15 مليون نسمة، أي قرابة نصف سكان اليمن البالغ عددهم نحو 30 مليوناً.
تشير التقديرات إلى أنّ الحوثيين يسيطرون على نحو 25% من إجمالي مساحة اليمن الجغرافية، مقابل سيطرة الحكومة على نحو 60% من المساحة (تتصدرها محافظة حضرموت الشاسعة). أما المناطق الساحلية المطلة مباشرة على مضيق باب المندب فلا تزال، حتى الآن، خارج نطاق السيطرة الحوثية الفعلية.
