منذ الإنسحاب الإسرائيلي في أيار 2000، لم تعد مرتفعات علي الطاهر مجرد موقع دفاعي تقليدي فوق الأرض، بل تحولت في الحسابات العسكرية غير المرئية إلى واحدة من أكثر العقد والمجمعات الجوفية تحصيناً وسرية في جنوب لبنان.
طوال ربع قرن، شُيدت في جوف التلة شبكة معقدة من الأنفاق والمستودعات الخرسانية تحت الأرض التي تربطها بتلـتّي الدبشة والطهرة المجاورتين الواقعتين بين النبطية وكفررمان، لتصبح مسرحاً لثلاث محطات عسكرية بدأت أولاها خلال حرب تموز 2006 حين ركّز سلاح الجو الإسرائيلي غاراته اليومية والقصف المدفعي العنيف على التلة لتعطيل منصات إطلاق الصواريخ القصيرة المدى ومنع إرباض راجمات موجهة نحو الجليل والمواقع الحدودية في إسرائيل.
تلة علي الطاهر: جولات من المعارك
أما المحطة الثانية، فكانت خلال حرب الاسناد لغزة التي فتحها الحزب في تشرين الأول 2023 حيث استثمر هذا الأخير المرتفعات وتحصيناتها الجوفية للرماية والرصد الميداني لخطوط الإمداد الإسرائيلية، مما جعل التلة ومحيطها في كفررمان والنبطية الفوقا عرضة لقصف مستمر من قبل إسرائيل. ورغم إقرار اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت في حزيران 2026، بقيت التلة مسرحاً ساخناً للإشتباكات بين القوات الإسرائيلية والحزب إثر رفض هذا الأخير مقترحات تسليم المنشأة للجيش اللبناني أو إخلائها ضمن الترتيبات الأمنية التي تنص على مناطق تجريبية وفق الإتفاق الإطاري، مما مهد للمواجهة الثالثة والأعنف على المرتفعات بين تموز وأيلول 2026.
شهدت التلة في آب الماضي معارك استعمل خلالها الحزب مسيرات انقضاضية حيث تتصل المسيرة بمشغلها سلكياً بألياف ضوئية استهدفت إحداها تجمعاً إسرائيلياً في المحيط وأوقع إصابات بليغة، ردت عليها إسرائيل بموجة غارات واسعة طالت النبطية ودير الزهراني وأنصار.
توّجت إسرائيل عملياتها بفرض حصار مطبق امتد لأسابيع عزل المنشأة الجوفية تماماً، حتى أعلنت في أوائل أيلول الحالي إحكام سيطرتها العملياتية والأمنية الكاملة على تلة علي الطاهر فوق الأرض وتحتها بعد اقتحام أجزاء واسعة من شبكة أنفاقها. فقد أدّى الحصار الإسرائيلي المطبق ونجاح وسائل الدفاع الجوي الإسرائيلي في إسقاط مسيرات الإمداد اللوجستي التي حاولت نقل المياه والطعام للمحاصرين، إلى إنهاك القوة المدافعة بشكل حاد، وتفيد المعلومات الموثقة بأن عدداً من المقاتلين قضوا داخل الأنفاق نتيجة الجفاف ونقص المؤن، في حين خاض آخرون مواجهات مباشرة أسفرت عن مقتلهم، بينما تمكنت مجموعات محدودة من الانسحاب بالخروج والتسلل الإلتفافي باتجاه أودية إقليم التفاح في المراحل الأخيرة، قبل الإطباق الإسرائيلي الأخير.
ماذا كان داخل الموقع؟
مع سقوط الموقع في يد الجيش الإسرائيلي تكشفت تفاصيل استخباراتية وميدانية حول التجهيزات الهندسية ونوعية القوات التي عهدت إليها مهمة الدفاع عن المرتفع، فتبين أن المجمع، الذي استغرق تشييده وتطويره نحو عقدين من الزمن بتمويل وتخطيط إيراني مباشر، لم يكن مجرد خنادق تقليدية، بل تحول إلى قاعدة عسكرية متكاملة محصنة ومدفونة تحت الأرض تضم غرف عمليات ومراكز قيادة محصنة مجهزة بشبكات اتصالات سلكية متطورة غير قابلة للاختراق الإلكتروني.
كما أثبتت الوقائع أنه إلى وجود جانب بنية تحتية للمعيشة في إقامة طويلة تشمل غرف منامة للمقاتلين، ومطابخ، وحمامات، هناك غرف مخصصة لمولدات الطاقة وخزانات الوقود والمياه، فضلاً عن مستودعات أسلحة من بينها صواريخ دقيقة التوجيه، ومنصات إطلاقها المخفية، وأسلحة مضادة للدروع ذات القدرة على اختراق الدروع المزدوجة لدبابات الميركافا الإسرائيلية، فضلاً عن ورش لوجستية لتصنيع وتشغيل وإطلاق الطائرات المسيرة الانقضاضية.
أما على صعيد العديد والتنظيم، فقد أكدت التقارير الميدانية أن هذا الحصن كان يمثل المقر الرئيسي لإدارة عمليات “وحدة بدر” وهي القوة العسكرية للحزب المسؤولة عن قطاع شمال نهر الليطاني. أما بالنسبة لعديد المقاتلين الذين تحصّنوا داخل هذه الأنفاق فقد كانوا بضع عشرات، وقد شهدت الأيام الأولى للحصار جدلاً استخباراتياً وإعلامياً واسعاً حول احتمال وجود مستشارين وضباط من الحرس الثوري الإيراني في داخل المنشأة.
هذا الجدل كان نتيجة إستنتاج خاطئ جراء التحذيرات الصارمة التي وجهتها طهران لواشنطن من أنه إذا اقتحمت إسرائيل الموقع فسوف تقصف إيران إسرائيل، إلا أن الوقائع أثبتت خلو المنشأة من أي عناصر أو كوادر إيرانية قبيل سقوطها.
نتائج سقوط تلة علي الطاهر وسرديات الحزب حولها
يسعى الحزب عبر ماكينته الإعلامية والدوائر السياسية المقربة منه إلى التقليل الممنهج من الأهمية العسكرية لسقوط مرتفعات علي الطاهر. ويهدف هذا الأسلوب إلى استيعاب الصدمة الميدانية وتصوير الإقتحام الإسرائيلي للتلة أنه ليس “إنجاز حاسم” كما يصرح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
ترتكز السردية الإعلامية للحزب على أن إسرائيل تضخم وتبالغ في القيمة الاستراتيجية للتلة وأن تصوير الموقع كأنه “القلب النابض” لقيادة الحزب هو بروباغندا دعائية تخدم نتنياهو وفريقه السياسي في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر من العام الحالي. ويجادل الحزب بأن تلة علي الطاهر، رغم إشرافها على النبطية، لا تزيد أهميةً عن هضبة “قلعة الشقيف” أو المرتفعات المطلة على “وادي الحجير” والتي مرت بتجارب كر وفر، للإيحاء بأن المعركة مع إسرائيل لم تنته مع سقوط هذه القلعة والتلال ولن تنته مع سقوط علي الطاهر.
يحاول الحزب الإيحاء بأن الموقع الذي سقط تحت الحصار الناري والتكنولوجي الإسرائيليين لم يكن مركزاً لإطلاق الهجمات الصاروخية في الآونة الأخيرة، بل كان يضم منشآت إدارية، ولوجستية، ومستودعات غير قتالية لا تؤثر خسارتها على الهيكل الصلب لترسانته العسكرية المستقرة شمال نهر الليطاني وفي إقليم التفاح، مما يعني أنه مستمر في قتاله في هاتين المنطقتين.
يرى الحزب أن الانسحاب المرن من مرتفعات علي الطاهر يحمي عنصره البشري النخبوي من تكتيك الإبادة بالحصار الإسرائيلي. وبدل التعليق الرسمي المباشر على خسارة تلة علي الطاهر، صوّب الحزب بوصلة خطابه نحو الداخل اللبناني حيث شنّ هجوماً سياسياً حاداً عِبر بياناته ضد الحكومة اللبنانية، محمّلاً إياها مسؤولية التنازلات الدبلوماسية في “جولة روما” و”المسارات الاستسلامية”.
أما تحليلات مراكز الأبحاث والتحليل فتشير إلى أن التحول الحاد في الخطاب، من التركيز المطلق على قدسية وأهمية علي الطاهر أثناء المعركة إلى التقليل من قيمتها بعد السقوط، هو موقف كلاسيكي للاحتواء النفسي، والتمهيد للتأقلم العملياتي مع خسارة “الدرع الجغرافي” الأخير للنبطية.
