الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021

واشنطن – على خلفية تقارير تداولت مؤخرا عن اعتلال صحة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بات مصير علاقات بلاده مع دول الإقليم طي المجهول.
ولا شك أن ملف التعامل مع الأكراد يشغل حيزا مهما من جدول أعمال صناع السياسة الأتراك، حيث تباينت سبل التعامل مع هذا الملف بين شد وجذب من جانب الطرفين وربما كانت هناك بعض المواربات التي رأى الساسة الأتراك أنها ضرورية في حينها، وارتبط ذلك برأس السلطة في تركيا.
ولا شك أن زوال أردوغان من الناحية السياسية قد لا يكون وشيكا. فهو يستطيع النجاة . ففي حين أن أردوغان لا يحظى بشعبية على خلفية انهيار العملة، إلا أنه يسيطر على النظام بما يكفي بحيث لا يترجم نقص الشعبية إلى خسارة كبيرة في صناديق الاقتراع. ومع ذلك، فقد يغيب عن المشهد بشخصه حيث لا تزال الشائعات حول اعتلال صحته مستمرة.
ويقول المحلل الأمريكي مايكل روبين، وهو باحث مقيم في معهد أمريكان إنتربرايز، وهو متخصص في شؤون إيران وتركيا والشرق الأوسط الأوسع، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست، إنه قبل أكثر من ثلاثة عقود، أطلقت الولايات المتحدة، التي تعمل إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة، ما يسمى بـ “عملية توفير الراحة” التي بدأت في أبريل 1991 للدفاع عن الأكراد الذين فروا من ديارهم في شمال العراق في أعقاب حرب الخليج وتقديم المساعدات الإنسانية لهم.
وكانت الفكرة بسيطة، وهي أن تُنشئ دول التحالف ملاذا آمنا في كردستان العراق، لوقف تدفق اللاجئين إلى تركيا ومنع الرئيس العراقي حينذاك، صدام حسين، من استئناف جهوده ضد الأكراد.
وتقاسمت تركيا أكبر الحدود مع كردستان العراق، لكنها فتحت حدودها بشكل عام فقط للأكراد وسائقي الشاحنات الأتراك الذين يحملون نفطا رخيصا. ويقول روبين إنه في سبتمبر 2000، كان هو أول شخص غير دبلوماسي وغير محلي يعبر الحدود، ويضيف: “ولكن ذلك جرى فقط بعد بعض الصعاب والتأخير لمدة سبعة عشر يوما في ديار بكر بينما كانت هيئة الأركان العامة التركية ووزارة الخارجية التركية تخاصمتا حول عبوري. وبعد أن دخلت، طلبت مني وزارة الخارجية الأمريكية توزيع دعوات على النشطاء الأكراد المحليين لبرنامج للزوار في الولايات المتحدة. وكان من الصعب الحصول على جوازات السفر لأن معظم الأكراد لم يتمكنوا من الذهاب إلى بغداد للحصول عليها. وبعد تجاذب كبير للحصول على وثائق السفر، رفضت الحكومة التركية ببساطة المرور”.
واعتبر روبين أن “تمرد” حزب العمال الكردستاني المستمر منذ عقود، زاد من حدة التوترات أكثر مع اعتقاد أجيال من السياسيين الأتراك بأن الحكم الذاتي الكردي في العراق يمكن أن يلهم معركة حزب العمال الكردستاني لتحقيق نتيجة مماثلة في تركيا.
ومن أجل السيطرة على الحكم الذاتي الكردي إن لم يكن القضاء عليه، اتبعت تركيا عددا من الاستراتيجيات، فقد قامت دوريا بعمليات توغل في الأراضي العراقية من أجل محاربة “حزب العمال الكردستاني” وغالبا ما تركت قواعد عمليات أمامية صغيرة وراءها من أجل الحد من التقدم الكردي العراقي اللاحق.
وبعد أن رفض حزب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العبور الأمريكي قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، فقدت تركيا نفوذها الدبلوماسي في حين كسر الأكراد العراقيون الحظر الذي فرض عليهم. وقبل وقت طويل من بناء الأكراد لمطارات في السليمانية أو أربيل، تمكنوا من الوصول إلى بغداد. كما سيطروا على أراض جديدة وحقول نفط محيطة بكركوك. وفي عام 2006، أصبح جلال طالباني أول رئيس كردي للعراق.
وعلى خلفية ذلك، قرر أردوغان أنه بالنظر إلى الحقائق الجديدة، فإن أفضل طريق للمضي قدما هو استمالة الأكراد بدلا من السعي لسحقهم. ومن الناحية العملية، كان ذلك يعني التوصل إلى اتفاق مع أتباع مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان العراق سابقا، الذين سيطروا على الأراضي العراقية عبر الحدود التركية العراقية بأكملها.
ومن المفارقات أن أردوغان و بارزاني استفادا أيضا من سيطرة الأكراد السوريين المرتبطين بـ “حزب العمال الكردستاني” على حقول النفط، والذين اضطروا بسبب عزلتهم الجغرافية إلى بيع النفط بخصومات كبيرة إلى بارزاني، الذي باع بدوره نفس الوقود بخصم أقل قليلا لتركيا.
ويقول روبين إنه بينما يتاجر بارزاني وأتباعه بالقومية مقابل الثروة والسلطة، يصبح السؤال ما الذي قد يحدث إذا اختفى أردوغان من الساحة؟.
ويضيف أن الصفقات التي عقدها الأكراد كانت بين أفراد وليس أنظمة، وبالتالي لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت حكومة “أقل فسادا” من حكومة أردوغان سوف تلتزم بنفس الاتفاقيات. ويضيف أنه في نهاية المطاف، ليس المجتمع والاقتصاد التركي الواسعان هما من يستفيد من التقارب الكردي التركي العراقي، بل مجرد دائرة صغيرة من الشركات المحيطة بأردوغان.