والحال أن النظرة الآن إلى ذاك القانون الذي ترك آثاره ولا يزال عند كل موجة تحريك للنقاش في قوانين الانتخابات، تدفع إلى الاعتراف بتجرد أنه شكل رافعة مهمة كان لا بد منها لإحداث صدمة كبيرة في الوسط السياسي والمدني عموماً، حتى لو كانت طموحات الوصول إلى الدولة العلمانية قد تصدّعت بعنف أمام تشريع خطير يكرّس الطائفية في أقصى تجلياتها. ذاك التشريع “الأرثوذكسي” كان ركيزة أساسية جعلت التيارات المسيحية الأساسية تنجح في تكريس الصيغة الراهنة منذ عام 2018 للانتخابات المستوية على قاعدة نسبية، أتاحت بحق للمرة الأولى بعد عصر الوصاية ومن ثم وراثة الوصاية على يد الممانعين، تحقيق أفضل وأوسع تمثيل للمسيحيين، برغم شوائب كبيرة جداً في القانون الانتخابي النافذ.
بلوغاً إلى اللحظة، ترانا أمام ما يُخشى أن يشكل أخطر معادلة ابتزاز يوضع أمامها كل من رئيسي الجمهورية والحكومة وسائر التيارات السياسية الدافعة نحو انتخابات تُطلق عبرها حرية الاقتراع للمغتربين لجميع النواب وعدم تقنينهم بانتخاب ستة نواب فقط، عملاً بتلك الفقرة البدعة التي ارتُكبت في الصياغة الأولى للقانون. الواضح تماماً أن الغلوّ المضخّم الذي ذهبت إليه “عبقرية” اشتراط قانون يلغي الطائفية السياسية دفعة واحدة في مقابل الإبقاء على مقاعد اغترابية ستة يهدف إلى فرض معادلة إلغاء كل التصويت الاغترابي هذه المرة لمنع تسونامي انتخابية لمصلحة التيارات السيادية، وإلا إطاحة الانتخابات التي توازي إطاحة الدولة كلها. ما يجري ينذر بأمر انقلابي تحت ستار طروحات مشروعة، وأي تهاون من غالبية كبيرة في المجلس والحكومة، سيمكّن القلة المعروفة من فرملة عقارب الساعة وتعطيلها .. هو خطر يوازي تعطيل حصرية السلاح وليس أقل من ذلك. .المصدر: النهار