ملخص
تحدث الباحثون الغربيون طويلاً عن غنى نص ابن سينا بالمصطلحات الطبية والكيماوية وما يتعلق منها بالأدوية، لكنهم تحدثوا كذلك عن الجانب العملي الأساس فيه، ورأوا استناداً إلى غنى النص السينوي أن علم الصيدلة، في ذلك العصر، كاد يكون علماً عربياً خالصاً.
“إن مؤلفات ابن سينا في الطب غزيرة وعظيمة الأهمية، وقد كان لمصنفه ‘القانون في الطب’ وهو في خمسة مجلدات، أثر هائل في فن النطاسة في الشرق والغرب على حد سواء. وما يلفت الدارس الحديث هو المجهود المتصل الذي بذله ابن سينا ليفسر كل شيء بعلل طبيعية، فما كان يكتفي بتجميع المعارف الطبية السابقة، بل كان يسعى إلى إغناء الطب والعلوم المرتبطة به بكشوف أصلية، وحتى في مضمار علم التشريح (على رغم تحريم القوانين السارية المفعول يومئذ لأية عملية تشريحية فعلية) تبدو أوصافه لبنية العظام أقرب إلى الحق، وإلى الوضوح وإلى الدقة بوجه خاص، من أوصاف جالينوس…”.
هذا جزء من الوصف الذي وصِف به ابن سينا، فيلسوف الشرق والإسلام العظيم، في الموسوعات الغربية، من ناحية كونه طبيباً. ذلك أن ابن سينا كان فيلسوفاً وشاعراً وعالماً وطبيباً، كما كان واحداً من أول كاتبي سيرتهم الذاتية (أملاها على تلميذ له) في تاريخ الفكر الإسلامي.
أما كتابه “القانون في الطب” الذي نحن في صدده، فهو الأهم بين أعماله الموسوعية الطبية، وهو – على أية حال – الكتاب الذي عُرف في الغرب أكثر من غيره، وبه دخل العلم الإسلامي الغرب وجامعاته من باب واسع، تماماً كما سيدخل الفكر الإسلامي العربي، هذا الغرب نفسه عن طريق كتب ابن رشد في فترة لاحقة.
حتى الأعشاب الطبية
ولقد جاء في “موسوعة تاريخ العلوم العربية” بإشراف الدكتور رشدي راشد (مركز دراسات الوحدة العربية 1998) وفي دراسة كتبتها إميلي سافاج – سميث أن “القانون في الطب” هو إنجاز ابن سينا الكبير “الذي اشتهر به في الشرق والغرب. وهو أمضى في تأليفه مدة طويلة: ابتدأ فيه عندما كان في جرجان في شمال بلاد فارس، وتابع التأليف أثناء هجرته غرباً إلى الري، ثم أكمل عمله في همذان في الجنوب الغربي”.
والكتاب يتألف من خمسة أجزاء (أو مقالات)، عالج أولها: العناصر والأمزجة وعلم تشريح الأجزاء المتجانسة والملكات الثلاث، كما عالج الملكات الست “غير الطبيعية” والعوارض العامة للأمراض والتشخيص بالنبض والبول والبراز، ثم علم الصحة والحمية، والحال المرضية عند الأطفال والبالغين والشيوخ وتأثير التغيرات المناخية، مورداً نصائح طبية للمسافرين، وطرق العلاج العامة. وفي الجزء الثاني من “القانون” اهتم ابن سينا بالأعشاب الطبية وصنفها تصنيفاً أبجدياً متبعاً ذلك بمقال في الصفات العامة للعقاقير. وفي الجزء الثالث تناول الأمراض الخاصة ببعض أجزاء الجسم. وفي الرابع عالج الأمراض العامة مثل أمراض الحمى والخراجات والعدوى والتجميل وما إلى ذلك. أما الجزء الخامس فيتحدث عن صيغ العقاقير المركبة.
تأسيس نظري وعملي معاً
يؤسس ابن سينا نظرياته الطبية، كما كانت حال الكتابات الطبية العربية في ذلك الحين، على عرض نظريات إيبوقراطوس وجالينوس والمعارضة بينها، وهو منذ الصفحات الأولى لهذا الكتاب الموسوعي الضخم يقول محدداً “إن الطب علم، تُعرف منه أحوال بدن الانسان، من جهة ما يصح ويزول عنها، لتحفظ صحة حاصلة وتسترد زائلة. ولقائل أن يقول: إن الطب ينقسم إلى نظر وعمل، وأنتم قد جعلتموه كله نظراً، إذا قلتم: إنه علم، وحينئذ نجيبه ونقول: إن من الصناعات ما هو نظري وعملي، ومن الفلسفة ما هو نظري وعملي، ويقال إن من الطب ما هو نظري ومنه ما هو عملي، وإذا قيل إن من الطب ما هو نظري ومنه ما هو عمل، فيجب ألا يظن أن مرادهم فيه هو أن أحد قسمي الطب هو تعلم العلم، والقسم الآخر هو المباشرة للعمل، كما يذهب إليه وهمُ كثير من الباحثين حول هذا الموضع، بل يحق عليك أن تعلم أن المراد في ذلك شيء آخر: وهو أن ليس ولا واحد في قسمي الطب إلا علماً، لكن أحدهما علم أصول والآخر علم كيفية المباشرة”.
والحال أن مثل هذا التحديد الدقيق كان جديداً في تلك الأزمنة، ومن الواضح أن ابن سينا كان ينحو هنا إلى دحض تلك النظريات التي تقسم الطب إلى علمي ونظري مركزاً على وحدة الطب.
افتتان غربي مستحق
وهذا ما فتن الغرب في عصر النهضة ودفعه إلى الاهتمام بهذا الكتاب، إذ نعرف أن ترجمة جيرار الكريموني له عام 1187، ظلت تُدرَّس طوال قرون طويلة في شتى الجامعات الأوروبية، في زمن اعتبر الكتاب، المرجع الرئيس وربما الوحيد في دراسة الطب في أوروبا.
وتحدث الباحثون الغربيون طويلاً عن غنى نص ابن سينا بالمصطلحات الطبية والكيماوية وما يتعلق منها بالأدوية، لكنهم تحدثوا كذلك عن الجانب العملي الأساس فيه، ورأوا استناداً إلى غنى النص السينوي أن علم الصيدلة، في ذلك العصر، كاد يكون علماً عربياً خالصاً.
ويذكر أحد المصادر الغربية أنه مما يؤكد أن نص ابن سينا كان نصاً عملياً، لا نصاً نظرياً، هو أنه لوحظ في القرن الـ12 في القاهرة، كيف أن المستشفيات (البيمارستانات) كانت تطبق معظم ما في كتاب “القانون”، ولا سيما من ناحية تقسيم الأجنحة على الأمراض، وأمراض الأعضاء المتجانسة، كأن تكون هناك أجنحة للحمى وأخرى لطب العيون وثالثة لطب القلب أو الكبد أو الرأس وما إلى ذلك.
من هنا لم يكن غريباً أن يقال عن كتاب “القانون” إنه كان أكثر بكثير من مجرد محاولات كاملة لجمع وترتيب الأدب الطبي الهلينستي والبيزنطي والسرياني المجزأ وغير المنظم، ثم تنسيقها مع الملاحظات الشخصية، لأن ما هو أمامنا هنا إنما هو “نظام طبي ناجح متماسك ومنظم” وهذا النظام “ذو طبيعة جالينوسية بشكل رئيس، لكنه تعدل كثيراً وأُعد إعداداً جيداً، وأدخل عليه كثير من التنظيم والعقلانية والترتيب، فنتج من ذلك حس بالكمال ومن ثم أضحى هذا النظام حجة في مجال الطب”، مما أسفر، بحسب تعبير مؤرخ الطب مايكل توغ (وننقل هنا عن دراسة إميلي سافاج – سميث آنفة الذكر)، عن “تقديم العنصر العقلاني على العنصر السريري البحت”.
سيرة تجوال طويل
ولد أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا عام 980 في افشنة قرب بخارى (أوزبكستان) وتوفي في همذان عام 1037. أمضى صباه المبكر في صحبة كبار حكماء وأطباء عصره من الذين كانوا أصدقاء أبيه ومعارفه، وما إن بلغ مبلغ الشباب حتى أضحى ضالعاً في كثير من العلوم والمعارف وفي العلوم الفلسفية، وصارت له شهرة واسعة كطبيب وعالم، ولكن أيضاً كرجل إدارة، وعمل لدى السامانيين الفرس، حتى أطاحهم الأتراك، فعاش متخبطاً فترة طويلة من حياته، وقد قاده تخبطه إلى معظم أنحاء فارس في وقت تابع حياته الفكرية والطبية وراح يكتب نصوصه الفلسفية والعلمية التي يقول البعض إن عددها جاوز الـ100.
ولقد استقر به الأمر في النهاية في بلاط “شمس الدولة” في همذان، وراح يمارس الطب ووضع أهم مؤلفاته ومنها “القانون” و”الشفاء” و”النجاة” والكتب الفلسفية العديدة، ونص “حي بن يقظان” (وهو غير نص ابن طفيل المعروف).
