إن قراءة أولية لبعض التحليلات السياسية السورية المتداولة في وسائل الاعلام تكشف عن إشكالية معرفية منهجية – تتجاوز اختلاف المواقف والتقديرات السياسية، الذي يعد أمراً طبيعياً وضرورياً في أي مجال معرفي يتسم بالتعددية وتباين المصالح والرؤى- تتمثل في أن معظمها لا تستند إلى منهجية علمية لفهم الواقع السياسي في تعقيداته وتحولاته، بقدر ما تنطلق من مواقف وقناعات أيديولوجية وسياسية محددة مسبقًا.
وهنا ينتقل التحليل السياسي من كونه ممارسة معرفية تهدف إلى الفهم والتفسير إلى خطاب أيديولوجي ذي وظيفة تبريرية، يصبح هدفه الأساسي الإقناع والانتصار في السجال السياسي، بدل إخضاع الفرضيات للاختبار والمراجعة في ضوء الوقائع والمتغيرات الجديدة، وبدل أن تتغير الاستنتاجات استجابة لتغير الواقع، يجري أحيانًا تثبيتها مسبقًا، ثم إعادة ترتيب عناصر الواقع وتأويلها بما ينسجم معها، حتى لو أدى ذلك إلى إغفال وقائع أساسية أو التقليل من شأنها.
التحليل السياسي بوصفه ممارسة معرفية
يقوم التحليل السياسي الرصين علميًا على مبدأ أساسي هو أن هدفه ليس إثبات صحة موقف سياسي مسبق، وإنما إنتاج فهم قابل للاختبار والمراجعة والتعديل، فالتحليل السياسي العلمي يبدأ من السؤال، ويتعامل مع الفرضيات بوصفها احتمالات تفسيرية قابلة للصحة أو الخطأ، لا حقائق نهائية مغلقة.
والمعرفة السياسية بهذا المعنى تعد عملية ديناميكية لا تنفصل عن حركة الواقع، حيث الدولة والمجتمع والسياسة منظومات متغيرة تتأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، وحتى أمنية، بالإضافة إلى المتغيرات الإقليمية والدولية، ولذلك يفقد التحليل السياسي قدرته التفسيرية لدى بعض المحللين السياسيين السوريين عندما يحاولون تفسير وقائع متغيرة في سوريا من خلال قوالب ثابتة أو أدوات أيديولوجية جاهزة وتجاوزها التاريخ.
وفي الوقت نفسه، لا تعني الموضوعية في التحليل السياسي التخلي الكامل عن القيم والمواقف والانتماءات السياسية، فهذا الحياد المطلق قد يكون مستحيلًا في العلوم الاجتماعية والسياسية، لكنها تتطلب الوعي بالانحيازيات والسعي إلى ضبط تأثيرها، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات، وبين ما نعرفه فعلًا وما نرغب في أن يكون صحيحًا.
العقل النقدي في مواجهة اليقين السياسي
تتضح أهمية الحاجة إلى العقل السياسي النقدي في مقاربة الشأن السياسي السوري، كونه عقل يسأل قبل أن يحكم ويفحص الأدلة قبل أن يتبنى النتائج، ويبحث عن تفسير الحدث السياسي قبل الدفاع عن موقف سياسي منه.
والفارق بين التحليل السياسي بوصفه أداة للتفسير، والتحليل بوصفه أداة أيديولوجية للتبرير هو في جوهره، الفارق بين معرفة مفتوحة على المراجعة ومعرفة مغلقة على اليقين، ففي الحالة الأولى يمكن أن تكون الفرضية خاطئة أو التوقعات غير دقيقة، ويمكن للمحلل أن يراجع استنتاجاته عندما تتغير الوقائع، أما في الحالة الثانية، فلا يُبحث عن الخطأ في الفرضية، بل في الواقع أو في تفسيرات الآخرين له، فتتحول الأيديولوجيا إلى إطار مغلق قادر على إعادة إنتاج نفسه مهما تغيرت الظروف.
العلم والأيديولوجيا: إشكالية العلاقة مع الحقيقة
تتصل هذه الإشكالية بطبيعة العلاقة بين العلم والأيديولوجيا. فالعلم يقوم على الشك المنهجي والاختبار والنقد وإمكان تصحيح الخطأ، بينما تميل الأيديولوجيا إلى الانطلاق من مسلمات يجري التعامل معها بوصفها حقائق نهائية، ثم تفسير الوقائع في ضوئها.
ولا يتعلق الاختلاف بمجرد أسلوب في التفكير، بل بطبيعة العلاقة مع الحقيقة، فالمعرفة العلمية تتعامل مع الحقيقة بوصفها أفقًا مفتوحًا للبحث، يتقدم بالنقد والمراجعة واختبار الفرضيات، في حين تميل المعرفة الأيديولوجية إلى التعامل معها بوصفها حقيقة مكتملة جرى امتلاكها مسبقًا.
ويظهر ذلك في بعض النزعات السياسية السورية التي تدعي امتلاك معرفة مسبقة بمسار التاريخ أو بقوانين حتمية تقود إلى نهاية محددة، وعندما تتحول هذه القناعات إلى يقين سياسي، قد تصبح الغاية مبررًا لتجاوز الوسائل الديمقراطية والقانونية، وتتحول السياسة من مجال لإدارة الاختلاف والتفاوض إلى مجال لتبرير الإقصاء.
خصوصية السياق السوري وتعقيداته
تكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في الحالة السورية، إذ كشفت سنوات الثورة والحرب والتحولات السياسية الجديدة محدودية التفسيرات التي تختزل الواقع في عامل واحد، فقد أدى تفسير الحالة السورية أحيانًا من خلال متغير منفرد إلى عجز عن فهم تشابكاتها الداخلية والإقليمية والدولية.
فالمشهد السوري الراهن نتاج تفاعل بين طبيعة الدولة وبنية النظام السياسي، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، والهويات والانقسامات المجتمعية، وأدوار القوى السياسية والعسكرية المحلية، فضلًا عن التدخلات الإقليمية والدولية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة.
ولا يعني ذلك أن جميع العوامل متساوية في الوزن في كل مرحلة، بل إن التحليل العلمي مطالب بتحديد أهمية كل عامل، وطبيعة علاقته بالعوامل الأخرى، وكيف تغير وزنه وتأثيره عبر الزمن، فالتحليل الجيد لا يكتفي بتعداد المتغيرات، وإنما يبحث في العلاقات بينها وآليات تأثيرها والسياقات التي تجعل عاملًا أكثر أهمية من غيره في مرحلة معينة.
ومن هنا، فإن اختزال الواقع السوري في تفسير واحد، مهما بدا متماسكًا أيديولوجيًا قد يؤدي إلى تبسيط مخلّ لواقع شديد التعقيد، كما أن تفسير الأحداث وفق الرغبات السياسية بدل الوقائع قد ينتج تصورات مريحة أيديولوجيًا لكنها ضعيفة من الناحية التحليلية والتفسيرية.
.
السلطة وإنتاج المعرفة السياسية
لا يمكن النظر إلى المعرفة السياسية باعتبارها منفصلة تمامًا عن علاقات القوة والمصالح، فقد تتحول بعض المؤسسات المعرفية والإعلامية إلى أدوات لإعادة إنتاج سرديات معينة أو تثبيت تصورات محددة عن الواقع.
لكن الاعتراف بتأثر المعرفة بعلاقات القوة لا يعني إنكار إمكان الموضوعية أو مساواة جميع التفسيرات في قيمتها، فثمة فرق بين معرفة تعترف بشروط إنتاجها وتسعى إلى اختبار فرضياتها، ومعرفة تستخدم أدوات البحث والتحليل لإضفاء مظهر علمي على نتائج أيديولوجية محسومة مسبقًا.
خاتمة
لا يمكن أن تقتصر إعادة بناء سوريا على إعادة تنظيم مؤسسات الدولة أو إعادة توزيع السلطة، بل ينبغي أن تترافق مع إعادة بناء المجال المعرفي والثقافي الذي تتشكل داخله الرؤى السياسية.
فإعادة بناء المؤسسات من دون مراجعة الثقافة السياسية التي تحكم عملها قد تنتج مؤسسات جديدة تعمل بعقليات قديمة، حيث يستمر احتكار الحقيقة وإقصاء المختلف وتقديم الولاء على الكفاءة والانتصار للموقف على حساب الوقائع، حتى مع تغير الأسماء والهياكل القانونية.
ومن هنا، فإن إعادة بناء العقل السياسي السوري ليست مشروعًا فكريًا منفصلًا عن بناء الدولة، بل أحد مداخله الأساسية، والمطلوب هو الانتقال من ثقافة اليقين السياسي المغلق إلى ثقافة السؤال والنقد والمراجعة، ومن تحليل يقوم على الدفاع عن المواقف إلى تحليل يقوم على اختبارها، ومن النظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا إلى اعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية.
