الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021
شنّت القوات التركية سابقاً 3 عمليات في سورية (عمر حاج قدّور/فرانس برس)

تتراجع المؤشرات بشأن نية تركيا تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق لدفع “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) بعيداً عن الحدود الجنوبية لتركيا. وكان الجيش التركي وفصائل سورية معارضة حشدوا أخيراً على طول خطوط التماس مع “قسد”، في غرب الفرات وشرقه، عقب حصول عمليات عدة ضد القوات التركية في ريف حلب الشمالي، انطلاقاً من مناطق واقعة تحت سيطرة “قسد”، أدت إلى مقتل جنود أتراك. وكانت المؤشرات تدل على أن عملية عسكرية واسعة على وشك البدء، إما في منطقتي تل رفعت ومنبج في ريف حلب، غربي الفرات، أو باتجاه بلدتي عين عيسى وتل تمر، في شرقه. كما أظهرت معطيات ميدانية عدة، أن الجيش التركي ربما يعبر الحدود باتجاه مدينة عين العرب في ريف حلب الشمالي الشرقي، ذات الغالبية الكردية من السكان. وفي الوقت نفسه كان من الواضح أن الجانب الروسي يرفض أي عملية عسكرية تركية ضد قوات “قسد”، منعاً لاتساع دائرة النفوذ التركي في منطقة بالغة الأهمية اقتصادياً، يسعى الروس إلى ترسيخ وجودهم فيها. وتجلّى الرفض الروسي بالقيام بمناورات في ريف الحسكة الشمالي الغربي، شرقي نهر الفرات مع قوات النظام و”قسد”، كل على حدة. وذهب الروس إلى حد إرسال طائرة “سوخوي” إلى مطار القامشلي في محافظة الحسكة، في أقصى الشمال الشرقي من سورية، في موقع غير بعيد عن الحدود السورية التركية، في إشارة واضحة إلى عدم رضى موسكو عن قيام أنقرة بأي عملية عسكرية من دون موافقتها.

وتحدثت مصادر دبلوماسية تركية مطلعة لـ”العربي الجديد”، عن العملية العسكرية التركية المرتقبة في مناطق جديدة بسورية ومؤشراتها، قائلة إن “الضغط الإعلامي التركي لا يزال متواصلاً لتنفيذ العمل العسكري في المنطقة، وإن الجيش التركي مستعد لتنفيذ ووضع الخطط حيال أي عمل عسكري مستقبلاً حسب المتطلبات الميدانية. ولكن ليس هناك حالياً أي احتمال لعمل عسكري مباشر، وأنقرة جمّدت العمليات في الوقت الحالي”. وعزت ذلك إلى استمرار الحوار التركي مع كل من روسيا والولايات المتحدة، ولم يتحقق حتى الآن أي توافق في هذا الإطار، في ظل عدم رغبة تركيا في تنفيذ أي عمل عسكري أحادي الجانب، بسبب تداعياته السلبية على علاقات أنقرة بواشنطن وموسكو وبالغرب”. وكشفت المصادر أن “هناك مؤشرات لدى أنقرة بأن واشنطن تضغط على قسد من أجل طرد العناصر المرتبطة بحزب العمال الكردستاني من مناطقها بالشكل الذي تطالب به تركيا، تنفيذاً للاتفاقيات الثنائية، مع السماح لتركيا بتنفيذ عمليات الاستهداف بالطائرات المسيرة لعناصر قسد المرتبطين بالكردستاني”.

وأضافت المصادر أن “تركيا تحاور بنفس الوقت روسيا، ومن المنتظر وصول وفد تقني إلى أنقرة في الأيام المقبلة من أجل بحث الملف السوري، وليس من المنتظر أن يحقق اختراقات كبرى بما يتعلق في العمليات العسكرية التي تطالب بها أنقرة في المنطقة. وتنتظر تركيا معرفة نتائج المباحثات الروسية الأميركية التي جرت في جنيف في الأيام الماضية لترتيبات المنطقة، وترقب قدوم مبعوث أميركي أيضاً في الأيام المقبلة. وتركيا مستعدة للتخلي عن خططها العسكرية في المنطقة، في حال انسحبت قوات قسد من المناطق التي تطالب بها، بإشراف روسي حتى لو دخل النظام لهذه المناطق”.

ولخصت المصادر الموقف التركي بأن “أنقرة حاليا تنتظر نتائج الحوارات واللقاءات مع الولايات المتحدة وروسيا، التي يبدو أنها بدأت تكسب زخماً وتهدف لترتيب منطقة شرقي الفرات. وبناء على نتائجها وعلى انسحاب قسد من المناطق التي تطالب تركيا بالانسحاب منها، يمكن تحديد هامش التحرك العسكري التركي المستقبلي في الشمال السوري، ومنها في المناطق الشرقية لمنطقة درع الفرات ومدينة الباب وبالقرب من مدينة منبج وشمال الرقة، وجنوب عين العرب. ولكن من المبكر الحديث عن أي عمل عسكري حالياً، في ظل ترقب نتائج اللقاءات”، التي لم يتم الكشف عن مواعيدها.

وذكرت مصادر مطلعة مقربة من “مجلس سورية الديمقراطية” (مسد)، الذراع السياسية لـ”قسد”، في حديث مع “العربي الجديد” أن موسكو “مارست، وما تزال، أقصى الضغوط على قوات قسد لتسليم مناطق تحت سيطرتها لقوات النظام، للحيلولة دون شن الجيش التركي عملا عسكريا ضد هذه القوات”. ولفتت إلى أن روسيا “تحاول استغلال الخوف الكردي من تقدم الجيش التركي للحصول على مكاسب للنظام على الأرض”. غير أن المصادر أكدت أنه “ليس في خطط قوات قسد تسليم أي مناطق تحت سيطرتها للنظام في المدى القريب على الأقل”. وأشارت إلى أن “الخطر التركي موجود بأي مكان تضمن فيه أنقرة صمت الروس والأميركيين”، مضيفة أن أنقرة لم تحصل على موافقة من موسكو وواشنطن لشن عمل عسكري جديد في شمال سورية.

وكان الجيش التركي قد شنّ ثلاث عمليات واسعة النطاق في شمال سورية. العملية الأولى كانت ضد تنظيم “داعش”، وبدأت في منتصف عام 2016 وانتهت مطلع عام 2017 بالسيطرة على مجمل ريفي حلب الشمالي والشمالي الشرقي. والعملية الثانية كانت في مطلع عام 2018 ضد “الوحدات الكردية” في منطقة عفرين، في ريف حلب الشمالي الغربي، وانتهت بطرد “الوحدات” من المنطقة التي باتت تحت النفوذ التركي. وحصلت العملية الثالثة في أكتوبر/تشرين الأول 2019 ضد “قسد”، والتي انتهت سريعاً مع سيطرة الأتراك على شريط حدودي في شرق الفرات، بطول مائة كيلومتر وعمق 33 كيلومتراً. ودفعت العملية الأخيرة “قسد” إلى إبرام اتفاق عسكري مع الجانب الروسي، للحيلولة دون توغل الجيش التركي بعيداً في شرق نهر الفرات، كان من شأنه إخراج هذه القوات من المشهد السوري. وبموجب الاتفاق، منحت “قسد” النظام السوري والجانب الروسي الحق في إدخال قوات إلى أماكن محددة في شرق نهر الفرات، وسمحت للروس بإنشاء أكثر من قاعدة عسكرية، ما جعل منهم لاعباً في المنطقة الغنية بالثروات.

وفي السياق، قال القيادي في مجلس منبج العسكري التابع لـ”قسد”، شرفان درويش، في حديث مع “العربي الجديد”، إن هناك “مركزاً للتنسيق” مع الجانب الروسي في الشمال السوري، لكنه أوضح أن “عملنا محصور بالاتفاق العسكري السابق”، مضيفاً: لا يوجد أي حديث بيننا (المجلس) وبين الجانب الروسي حول المواضيع المدنية والسياسية. وكانت القيادية في حزب “الاتحاد الديمقراطي”، إلهام أحمد، قد أجرت يوم الثلاثاء الماضي، مباحثات مع مسؤولين في وزارة الخارجية الروسية في موسكو، حول الأوضاع في شمال سورية وشمال شرقها. ومن الواضح أن الحكومة التركية تراجعت خطوة إلى الوراء عن الوعيد بشن عمل عسكري في شمال سورية، لأسباب سياسية وأخرى اقتصادية، إذ تشهد الليرة التركية تراجعاً مستمراً. وهو ما يؤكده المحلل السياسي التركي هشام جوناي في حديث مع “العربي الجديد”. ويشير إلى أن الحكومة التركية “تريد حل الخلاف في ملف طائرات أف 35 مع الولايات المتحدة، واسترجاع 1.4 مليار دولار دفعتها أنقرة قبل أن تستبعدها واشنطن عن هذا البرنامج”. ويقول إن أنقرة تدرك أن أي عملية عسكرية في شمال سورية تدخل هذا الخلاف في طريق مسدود، وربما لا يعيد الأميركيون هذا المبلغ ويفرضون عقوبات جديدة على تركيا. ويضيف أن الاقتصاد التركي “يترنح حالياً، فالدولار تجاوز سقف الـ10 ليرات تركية في سوق الصرف”، معتبراً أن أي مغامرة غير محسوبة من الحكومة التركية في شمال سورية سيكون لها عواقب وخيمة على الاقتصاد التركي، لذلك لمسنا تراجعاً خلال الأيام الماضية من قبل وسائل الإعلام القريبة من الحكومة التركية عن الترويج لأي عمل عسكري في الشمال السوري.