إياد الجعفري.. كاتب سوري
..إياد الجعفري
فيما يحتفي أنصار الحكومة الانتقالية في دمشق، بكثافة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بزيارة الرئيس أحمد الشرع للولايات المتحدة الأميركية، وبالكلمة المرتقبة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بوصفها حدثاً “تاريخياً”، لم يتطرق أي منهم لـ”الفخ المدبر”، الذي أقرّ به الشرع ذاته، في أحداث السويداء، ونتائجه التي تبدو وشيكة، على هيئة اتفاق أمني، إن وُقِّع وفق النسخة الإسرائيلية المسرّبة، فسيمثّل أساساً مستقبلياً محتملاً لخسارة الجنوب السوري برمته.
كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ يرجع ذلك إلى لحظة فارقة في مسار المفاوضات السورية- الإسرائيلية، التي انطلقت منذ شهر أيار الفائت. قبل أيام، كشف مصدر حكومي لتلفزيون “العربي” عن رؤية المفاوض السوري مع إسرائيل، والتي تقوم على مبدأ “خفض التصعيد ضمن إطار اتفاق 1974″، وذلك وفق معادلة: “ضمان أمن الحدود مع الأراضي المحتلة، مقابل وقف العدوان الإسرائيلي. وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد 8 كانون الأول الفائت”. ونستطيع التخمين أن ذلك كان إطار الموقف التفاوضي السوري، منذ بدء مسار التفاوض مع الإسرائيليين. فيما كانت تل أبيب ترفض العودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وتطلب التفاوض على اتفاق آخر، يضم ضمانات أمنية جديدة. وكانت الحجة التفاوضية الإسرائيلية ضعيفة في ظل عدم قيام الحكومة في دمشق بأي إجراء أو تحرك ينبئ برغبتها في تهديد “الأمن القومي الإسرائيلي”، بل على العكس، ظهرت تل أبيب بمظهر المخرّب لمسار الرعاية الأميركية للعهد الجديد في سوريا. ويمكن الرهان على أن الإسرائيلي كان يفتقد لأوراق تفاوضية تقوي موقفه أمام الراعي الأميركي، والرعاة الإقليميين الذين استضافوا المفاوضات الجارية، حينها. حتى جاءت اللحظة الفارقة.
في حديثه قبل أيام، لصحيفة “ملييت” التركية، قال الشرع إن “أحداث السويداء الأخيرة جاءت بمثابة “فخ مدبر”، وذلك في وقت كانت المفاوضات مع إسرائيل على وشك الانتهاء”. وهكذا أصبح لدى الإسرائيلي ورقة تفاوضية عززت موقعه. وها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يقولها صراحةً، اليوم: “نناقش اتفاقاً أمنياً يضمن سلامة إخواننا من الدروز”. ولم يعد الأمر يتعلق بضمانات أمنية تطالب بها إسرائيل، لحماية “أمنها القومي”، فقط. بل تعدى ذلك، ليصبح حماية مكوّن محدد داخل سوريا، تربطه صلات مع أحد مكونات “المجتمع الإسرائيلي”. وهكذا وقعت الحكومة الانتقالية في دمشق، بـ”الفخ المدبر”، وانجرت بدفعٍ من شهوة السيطرة المطلقة بالقوة على كامل التراب السوري. فكانت أحداث السويداء، في منتصف تموز الفائت، وتداعياتها التي قد يدفع السوريون ثمنها، اتفاقاً أمنياً مستداماً، يُفقد دولتهم حق الوصول المسلح إلى ثلاث محافظات، بجنوب البلاد. وهو أمر قد يؤسس لحالة الانفصال غير المعلن، لجيوب بالجنوب السوري، برعاية إسرائيلية، وبإقرار رسمي سوري.
نأمل أن نكون مخطئين، وأن تكون الحكومة السورية، أكثر صلابة في التفاوض، وألا تقدّم تنازلات نوعية من قبيل المطلوب منها، وفق المقترح الإسرائيلي. لكن القلق يزداد حينما نقرأ تصريح الشرع، قبل أيام، وهو يقول إن “التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل لا مفر منه، بينما يبقى الالتزام الإسرائيلي بهذا الاتفاق موضع شك”. وهنا، لم يوضح الشرع السبب الذي يجعل الاتفاق المشار إليه، أشبه بـ”حتمية”. وفي سياق تخمين الإجابة، سيتبرع كثيرون ليخبرونك بأن السوريين لا يريدون الانجرار إلى حرب شاملة مع إسرائيل. هم يريدون التفرغ لإعادة بناء بلدهم المدمّر. ولتحقيق ذلك، يجب تحييد مشاغبات إسرائيل، من توغلات وقصف واستهدافات داخل أراضيهم. لكن ماذا عن إشارة الشرع إلى أن “الالتزام الإسرائيلي بهذا الاتفاق سيبقى موضع شك”؟. ألا يعني ذلك، أن الغاية من الاتفاق “الحتمي”، وهي تحييد مشاغبات إسرائيل، لن تكون محققة بالضرورة؟
يحيلنا ذلك إلى غاية أخرى تتعلّق بربط الإدارة الأميركية بين حصول تقدم في المفاوضات مع إسرائيل، وبين الرفع الكامل للعقوبات عن سوريا. وكان لافتاً، تصريح الشرع أمام عدد من الصحافيين في دمشق، قبل أيام، أن “واشنطن لا تضغط على دمشق للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل”. ليقول في التصريحات ذاتها، إن “المفاوضات الجارية مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني قد تؤدي إلى نتائج في الأيام المقبلة”. تصريحاته تلك، تزامنت مع وصول وزير الخارجية، أسعد الشيباني، إلى واشنطن، لينخرط في محادثات مع مشرعين ومسؤولين أميركيين، بغية تحقيق الرفع الكامل للعقوبات الأميركية عن سوريا. وهو ما أفضى إلى الإعلان عن تسوية تقضي بإلغاء عقوبات “قانون قيصر”، مقابل التزام الحكومة السورية بتنفيذ جملة من الشروط والمطالب. وهكذا يصبح من الصعب أن نغمض أعينا عن الارتباط بين الملفين: التفاوض مع إسرائيل، والتفاوض لرفع العقوبات.
وبالعودة إلى تصريحات الشرع، لصحيفة “ملييت” التركية، حول المفاوضات مع إسرائيل عقب الهجوم الأخير على قطر، قال الشرع: “إذا كان السؤال هل أثق بإسرائيل؟ فالجواب: لا أثق بها”. إذاً بمن يثق الشرع في ضمان اتفاق “لا مفر منه” مع إسرائيل؟ يبدو الجواب جلياً من العرض السابق. فالشرع يراهن على واشنطن في لجم إسرائيل، وفي تحقيق تفاهمات معها، بضمانة أميركية. هي الضمانة ذاتها التي لم تقِ قطر من عدوان إسرائيلي صادم!
لكن، هل كان لدى الشرع، خيارات أفضل؟ إحدى الخيارات كانت، الاستناد إلى شرعية شعبية، تتمتع بتعبير تمثيلي موثوق، يمكن أن تشكّل ورقة قوة تفاوضية مع الإسرائيلي، ومع الأميركيين أيضاً. كان يمكن لذلك أن يحدث عبر وضع قوانين ناظمة لانتخاب مجلس شعب، يعبّر عن السوريين، بالفعل، ويؤدي لتشكيل سلطة تشريعية غير خاضعة للسلطة التنفيذية. سلطة تشريعية تشكّل رقيباً على نظيرتها التنفيذية. وفي الوقت نفسه، تشكّل حصناً لمصالح السوريين. فهي من سيقرّ اتفاقاً أمنياً مع إسرائيل.
لكن، مع القوانين واللوائح الحالية الناظمة لانتخاب مجلس الشعب المرتقب، من الصعب على أحد، داخل سوريا أو خارجها، أن يصدق أن المجلس المقبل لن يكون رهن إشارة الرئيس وتوجيهاته. وبذلك، لا حجة للمفاوض السوري يمكن الرهان عليها مقابل الضغوط الأميركية والإسرائيلية عليه. حجة من قبيل عدم القدرة على تجاوز إرادة السوريين المعبّر عنها في مجلس الشعب. هذا أحد الخيارات التي كان يمكن الاستناد إليها، لتقوية الموقف التفاوضي للوفد السوري، بدل الرهان المطلق على وضع كل “بيض” السوريين، في السلة الأميركية.
المصدر المدن