
يعمل شون هوتشكيس اليوم مدرباً للرجال، بعدما عانى الإدمان واعتماداً ساماً على النساء، قبل أن يدرك أنه كان يحاول التعويض عن ألم عميق بداخله. (لورين بيرفز)
ملخص
يحول شون هوتشكيس سنوات من الإدمان والعلاقات العابرة والخوف من الحميمية إلى مواجهة مع ألم قديم بدأ بانفصال والديه وانتحار والده، ليكتشف أن كراهيته الأعمق لم تكن للنساء بل لنفسه. وتضع تجربته صناعة “تعافي الرجال” المكلفة موضع تساؤل، قبل أن تصل إلى خلاصة أبسط: مواجهة الوحدة والألم تحتاج إلى صداقات صادقة ومساحة للبوح بالخوف والحزن، بدلاً من تحميل الشريكات عبء الاستقرار العاطفي.
توقعت ألا يعجبني شون هوتشكيس، وليس الذنب ذنبه بالكامل، بل يقع الجزء الأكبر منه على عاتق عنوان مذكراته “كراهية النساء” Hating Women، الذي يسبق صاحبه إلى القارئ ويوحي منذ البداية بخطاب سام وحاقد.
لكن هذا ليس الكتاب الذي كتبه هوتشكيس، فما أجده بدلاً من ذلك هو مذكرات صريحة ومزعجة أحياناً عن شاب محطم أمضى أعواماً يسعى بيأس إلى نيل استحسان النساء، فيما كان في الوقت نفسه يخشى الحميمية معهن، وهوتشكيس، الذي دخل الآن عقده الخامس، يوثق إدمانه وعلاقاته الجنسية المتعددة، وكذبه وتلاعبه العاطفي، إضافة إلى كثير من السلوكيات السامة الأخرى، التي يشعر اليوم بخجل عميق منها، لكن ما أجد صعوبة في العثور عليه هو الكراهية.
يعمل المؤلف اليوم مدرباً للرجال، لكنه أمضى أعواماً في العمل لدى مجلات أميركية مثل “جي كيو” و”إسكواير” و”مينز هيلث”، ويقرّ بأن “كراهية النساء” لم يكن العنوان الذي اختاره، بل اقترحه محرره، وكان رد فعله الأول حاداً وفورياً: “أتذكر أنني دخلت نوعاً ما في نوبة غضب صغيرة”.
وفي نهاية المطاف، رأى هوتشكيس أن انزعاجه من العنوان ربما كان يكشف له شيئاً، فاضطر إلى مواجهة حقيقة أنه كان يحمل غضباً تجاه النساء، لم يكن قد اعترف به تماماً، ومع ذلك ظل شعوره المتردد تجاه العنوان قائماً، يقول “شعرت بمقاومة شديدة تجاهه، وبصراحة، ما زلت أشعر بها أحياناً”.
وهذا أمر دالّ، لأن التوتر الأساس في “كراهية النساء” لا يتعلق بالكلمات وحدها، فقد ترك موت والد هوتشكيس أثراً عميقاً في حياته، إذ انتحر والده عندما كان شون في الـ22، بل إن الكاتب يرى أنه فقد والده مرتين، الأولى عندما انفصل والداه وهو في الرابعة، والثانية بصورة نهائية بانتحاره، ويشرح قائلاً “الشيء الوحيد الذي استطعت التفكير فيه لأبقى على قيد الحياة، في تلك اللحظة، هو أن ألجأ إلى امرأة لتخفف عني ذلك الألم”.
ويروي كيف تحولت علاقاته العابرة المتكررة مع النساء تدريجاً إلى وسيلة لتخدير الألم، فقد كان شاباً ناجحاً يعيش في نيويورك، وبعد وفاة والده أصبح ميسور الحال، ويكتب هوتشكيس عن تنقله من علاقة إلى أخرى، فيما كان يتجنب أي تقارب حقيقي، يقول “كنت مع نساء مختلفات طوال الوقت، لكنني كنت أشعر برعب من الاقتراب من أي شخص”.
كنت مع نساء مختلفات طوال الوقت، لكن فكرة التقارب الحقيقي مع أي شخص كانت ترعبني
شون هوتشكيس
وهذا في رأيي هو جوهر الكتاب، فالمسألة ليست كراهية النساء، بل الحاجة إليهن. أقول له إنني وجدت في قصته اعتماداً عليهن وكذباً وخوفاً من الهجر، وحاجة طاغية إلى نيل استحسان النساء في حياته، لكنني لم أجد إلا القليل مما يشبه الكراهية الفعلية، ويقر قائلاً “الكراهية الحقيقية في هذا الكتاب هي الكراهية التي كنت أكنها لنفسي”، ثم يذهب أبعد من ذلك لاحقاً: “لا أعرف إن كنت قد كرهت النساء حقاً في أي وقت، لكنني بالتأكيد كرهت ما كان يحدث لي عندما أقترب منهن”.
وفي مرحلة ما، تتسع قصة شون لتتحول إلى نظرية عامة عن الرجال، ويرافق هذا التحول المثير للتساؤل انتقال في لغة الكتاب من ضمير “أنا” إلى “نحن”، إذ ينتقل من تفاصيل تجربة رجل واحد، وتاريخه الشخصي، إلى تعميمات أوسع حول التطور العاطفي للرجال، وجروح العلاقة بالأب، وتأثير المواد الإباحية، وإظهار الضعف، وما تعنيه هذه العوامل لعلاقاتنا بالنساء.
ويرى هوتشكيس أن ثقته في الربط بين هذه الأفكار ازدادت بعدما بدأ العمل مدرباً للرجال عام 2019، ويقول إنه رأى في كثير من عملائه نسخاً من نفسه، لكن هنا تبرز مشكلة واضحة تتعلق بانحياز الاختيار: أليس الرجال الذين يستعينون بمدرب للرجال أو يشاركون في خلوات علاجية أكثر ميلاً بطبيعة الحال إلى الاعتقاد بأن ثمة شيئاً في حياتهم يحتاج إلى إصلاح؟ يوافق قائلاً “قد يكون ذلك صحيحاً”، ويقرّ بأن “كثيراً من الرجال” يعيشون علاقات تسير على نحو جيد تماماً.
وهذا الاستعداد للتراجع عن بعض آرائه والتسليم بحدودها أخذ يبدد تدريجاً الصورة التي كوّنتها عن هوتشكيس، انطلاقاً من عنوان كتابه المستفز والمزعج بصراحة، ومع ذلك لا أزال غير مقتنع بإصراره على أن جميع الرجال تقريباً يحملون ما يسميه “جرح الأب”، فجرح هوتشكيس نفسه لا يكاد يقارن بخيبة الأمل الهادئة التي قد يشعر بها كثير من الرجال تجاه آبائهم، فقد كان والده يتيماً، وانفصل والداه عندما كان شون في الرابعة، ثم أنهى والده حياته لاحقاً، وتلك صدمة هائلة بكل المقاييس.
ومع ذلك، يؤمن هوتشكيس بشدة بأن معظم الرجال يحملون توقاً إلى مزيد من التقدير والتواصل والحضور العاطفي من آبائهم، ربما، لكن ثمة أيضاً خطراً في تحويل طفولة واحدة استثنائية في قسوة صدماتها إلى قالب نفسي، ينطبق على 50 في المئة من البشر.
خاض تجارب شتى، من العلاج النفسي ومجموعات الرجال والخلوات والتدريب والعلاج الجسدي، وصولاً إلى رحلة روحية في الجبال، وكثيراً ما كرر هذه التجارب مرات عدة
وتظهر المشكلة نفسها في ادعاء الكتاب أنه يقدم للرجال “خريطة طريق” نحو التعافي، فرحلة هوتشكيس نفسه كانت طويلة ومتشعبة بصورة مذهلة، وقد جاء انهياره الأول قبل أعوامه الصاخبة في مجلة “جي كيو”، عقب انتحار والده وانهيار العلاقة التي كان قد تشبث بها بحثاً عن الأمان، وذهب إلى مركز لإعادة التأهيل في الكاريبي يملكه إريك كلابتون نفسه، لكن إدمانه على الكحول والمخدرات لم يكشف سوى عن اعتماد آخر: “أصبحت النساء مخدري الجديد”.
أما التعافي الأعمق، الذي تطلّب منه مواجهة حزنه على أب، لم يتمكن من طلب المساعدة منه، فقد استغرق أعواماً، وخاض تجارب في العلاج النفسي ومجموعات الرجال والخلوات والتدريب والعلاج الجسدي، بل ورحلة روحية في الجبال، وكثيراً ما كرر هذه التجارب مرات عدة، وبحسب تعبيره، كاد يصبح مدمناً على التعافي نفسه، ويعترف قائلاً: “كانت رحلة تعافيّ مثيرة بقدر أيام المخدرات والحفلات التي عشتها”، وفي نهاية المطاف، اضطر إلى أن يقول لنفسه: “حسناً، انتهيت”.
وهذا يفتح الباب أمام أسئلة أخرى غير مريحة، فقد نشأت اليوم صناعة مزدهرة حول ما يسميه هوتشكيس وكثيرون غيره “العمل على الذات للرجال”، وهو عمل لا يستطيع كثير من الرجال تحمّل كلفته، وعندما أسأله عما إذا كان قد حسب يوماً ما أنفقه على رحلة تعافيه، يأتي رده مقتضباً: “لا، لكنه مبلغ كبير”.
يأخذ هوتشكيس حالياً إجازة من العمل في التدريب، لكنه يكشف أن أتعابه تراوحت ما بين 300 دولار في مقابل “جلسة استشارية واحدة لتوضيح الأمور”، وأكثر من 40 ألف دولار في مقابل برنامج يمتد عاماً كاملاً، ويشمل جلسات حضورية.
فماذا تقدم “خريطة الطريق” التي يطرحها لشريك أو زوج أو أب يعمل لساعات طويلة، ويسدد أقساط رهن عقاري ويربي أبناءه، من دون أن يملك المال أو الوقت لخوض رحلة علاجية امتدت لدى هوتشكيس عقداً كاملاً؟
ليس لهوتشكيس أبناء، لكنه يرى أن بعض أفضل مجموعات الرجال التي شارك فيها لم تكلف شيئاً، فعلى مدى ثلاثة أعوام ونصف العام، كان يلتقي ستة من أصدقائه مساء كل أربعاء، كانوا يجلسون في حديقة ويتحدثون، يقول: “كانت المسألة كلها في روح الرفقة بيننا”.
وحين ننحي جانباً لغة التعافي والأسئلة التي قد تثيرها هذه الصناعة المزدهرة، المرتبطة بالعافية في شأن ما تقدمه للرجال فعلاً، تظهر حقيقة أبسط، فالوحدة لدى الرجال لا تعني بالضرورة أن يكون الرجل وحيداً جسدياً. يستطيع الرجال ممارسة الرياضة معاً، والشرب معاً، وقضاء الوقت ضمن مجموعات كبيرة من الأصدقاء، من دون أن يعرف بعضهم كثيراً مما يدور فعلاً في داخل الآخرين.
ويصر هوتشكيس على أن لدى الرجال “حاجة ملحة إلى هذا النوع من التواصل”، لكن أقصى ما يصلون إليه غالباً هو “عناق من صديق ثمل بعد الخروج من الحانة”، فالرجال يحتاجون إلى رجال آخرين يستطيعون التحدث إليهم بصدق، وليس الهدف من مجموعة الرجال أن تكون نادياً اجتماعياً آخر للذكور، بل مكاناً يستطيعون فيه الاعتراف بالخوف والحزن والفشل وعدم اليقين، بدلاً من توقع أن تتحمل الزوجة أو الصديقة هذا العبء، وبالنسبة إلى هوتشكيس، كان قضاء الوقت مع رجال آخرين الجزء الأهم على الإطلاق من رحلة تعافيه: أقران، ومرشدون أكبر سناً، ثم، مع مرور الوقت، رجال أصغر سناً، أصبح هو نفسه قادراً على إرشادهم.
ويشدد على أن الاستماع إلى نساء يتحدثن بصراحة عن حياتهن وعلاقاتهن السامة كان مهماً بالقدر نفسه، وكثيراً ما كان يواجه إدراكاً محرجاً إلى حد مؤلم: “لقد فعلت ذلك، لقد فعلت ذلك، لقد فعلت ذلك”.
هناك كثير مما يستحق التقدير في استعداده لمواجهة نفسه
ويعتقد هوتشكيس أن أصدق دليل على التعافي لا يكمن في مقدار العلاج الذي خاضه المرء، بل في الطريقة التي يتصرف بها داخل أقرب علاقاته، ويسأل: “كيف تتعامل مع غضبك؟ وما الذي يستفزك؟”، وبعبارة أخرى، لا يقاس التعافي بما يتوصل إليه المرء من اكتشافات عن نفسه، بل بقدرته على التحلي بالصبر.
هناك كثير مما يستحق التقدير في استعداده لمواجهة نفسه، ففي شبابه لم يكن هوتشكيس قادراً على الصراحة مع النساء، لأنه كان يخشى بشدة أن يتركنه، أما اليوم فيقول إنه أمضى الأشهر الستة التي أعقبت تسليم مخطوطة الكتاب إلى ناشريه “في عزلة شبه تامة”.
وخلال الفترة التي قضاها بمفرده، اكتشف هوتشكيس أنه “يستطيع أن يكون وحيداً وسعيداً”، وهو ما يعني، بحسب قوله، أنه “لم يعد يعتمد على [النساء] ليشعر بالاستقرار”، وهو يعيش حالياً علاقة عاطفية يقول إنها “مختلفة ورائعة ومخيفة في آن”.
وقبيل نهاية حديثنا، أسأله عن العنوان الذي كانت تحمله مذكراته قبل أن يغيره محرره، يجيب: “قلب هارب” Heart on the Run، وكان يرى أنه “يشبه عنوان أغنية لبروس سبرينغستين”.
صحيح أنه أقل قابلية للتسويق، وبالتأكيد أقل استفزازاً، لكنه كان سيجعل قراءة الكتاب في السرير إلى جوار المرأة التي تشاركك حياتك أقل إحراجاً، وأعتقد أيضاً أن ذلك العنوان كان سيقدم وصفاً أدق لقصة الكاتب، ويقر هوتشكيس قائلاً: “أنا رجل ذو قلب كبير، لقد ظللت هارباً من هذا الألم وقتاً طويلاً، وهذا الكتاب هو مواجهتي لهذا الألم”.
صدر كتاب “كراهية النساء: مذكرات عن الغضب الذكوري والتعافي” Hating Women: A Memoir of Male Rage and Recovery لشون هوتشكيس عن دار “سايمون آند شاستر” في الـ 27 من أغسطس (آب) الماضي.
© The Independent