سعد سلوم….. جريدة المدى
حين تتحول قرى كاملة إلى مقابر مجهولة، يكفّ السؤال عن الماضي عن كونِه مجرد سردية تاريخية، ليغدو اختباراً وجودياً محضا لضمير المجتمع ومدى قدرته على البقاء. وحدها العيون الناجية من جحيم سنجار، وسهل نينوى، وتلعفر، وقرى ونواحى غرب نينوى تدرك أن الأرقام المجردة والباردة للضحايا في التقارير الرسمية لا يمكنها أن تحل محل الذاكرة الحية.
فمنذ عام 2014، حين إجتاح تسونامي تنظيم داعش الأرهابي محافظة نينوى وأجزاء أخرى من البلاد وهدد النسيج المجتمعي مستهدفا مكوناته من الإيزيديين والمسيحيين والتركمان والشبك والكاكائيين والأكراد والعرب، ظلت العدالة معلقة على حافة الانتظار. واليوم، في حين تجري قراءة مسودة (قانون الجرائم الدولية الأساسية) في البرلمان الإتحادي، يبرز تحد كبير: كيف يمكن للدولة إغلاق الأبواب نهائياً أمام إفلات الجناة من العقاب، لتأسيس عدالة ترد الاعتبار للضحايا وتضمن عدم تكرار كابوس الماضي؟
على مدى العقد الماضي، وكما وثقتُ في دراستي الصادرة عن منظمة الهجرة الدولية (IOM) والمعنونة (إرث مر ومستقبل غامض: عشر سنوات على الإبادة الجماعية للإيزيديين)، أظهرت السلطات القضائية جهوداً حثيثة في ملاحقة الجناة، إلا أن الاعتماد شبه الحصري على قوانين مكافحة الإرهاب ظل قاصراً عن ملامسة فداحة الجرائم الدولية، وافتقر للتوافق التام مع المعايير الجنائية العالمية، مما دفع الجهات القضائية في عدة دول أوروبية للتدخل ومحاكمة بعض المتورطين خارج الحدود. لقد أدى هذا القصور الإجرائي، وتداعيات إنهاء ولاية فريق التحقيق الدولي (اليونتاد) إلى جانب المخاوف المستمرة من ثغرات الإفلات من العقاب، لتغذية قناعة بأن الاكتفاء بتهم الإرهاب التقليدية يعجز عن إنصاف الضحايا. وذلك على الرغم من تأسيس بديل وطني لليونتاد هو المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي. من هنا برزت ضرورة لتبني إطار تشريعي وطني للجرائم الدولية الأساسية كخيار لا محيد عنه لترسيخ العدالة.
وقد شاركت نهاية الأسبوع الماضي في نقاشات تشاورية في أربيل مع نخبة من ممثلي المؤسسات الحكومية، والقضائية، والبرلمانية، إلى جانب إدماج أصوات الناجين والمنظمات الحقوقية، لمراجعة مشروع مسودة “قانون الجرائم الدولية الأساسية” وسط هاجس مركزي في الإجابة عن كيفية سد الهوة العميقة التي خلفتها الفظائع المرتكبة.
ومع إن إقرار “قانون الناجيات الإيزيديات” رقم 8 لسنة 2021 قد مثّل اعترافا رسميا بالانتهاكات كجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وتأسست مديرية عامة لشؤون الناجيات لضمان رعاية ودعم الضحايا. إلا أن بناء عدالة مستدامة يظل مرهوناً بخطوة أخرى تستهدف أصل الجريمة وطبيعتها الدولية، وهو ما يجسده مشروع “قانون الجرائم الدولية الأساسية” المطروح أمام البرلمان الاتحادي كفرصة تاريخية لإدماج جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب في صلب المنظومة التشريعية الوطنية.
عبر مسار مراجعة مسودة القانون بالتعاون مع الجهات الداعمة وتحالف التعويضات العادلة خضع النص لاختبارات تلامس تعقيدات الواقع التشريعي والسياسي. وتبرز هنا عدة مرتكزات بنيوية لضمان فعالية القانون، لعل من أهمها:
1 – ملاحقة الكيانات الداعمة: توسيع دائرة المساءلة لتشمل الشركات والمنظمات وشبكات التمويل وغسيل الأموال التي أدارت اقتصاد الحرب وسهلت الدعم اللوجستي لتنظيم داعش، لئلا تقتصر المحاسبة على المنفذ المباشر ميدانياً، ولكي تطال العصا القانونية المستفيدين الحقيقيين وتجفف منابع الإرهاب المالي واللوجستي عبر فرض عقوبات رادعة ومصادرة أصولهم لصالح جبر ضرر الضحايا
2 – الولاية القضائية المبنية على جنسية الضحية: منح القضاء العراقي صلاحية عابرة للحدود لمحاكمة أي مواطن أجنبي ارتكب جرائم دولية خارج البلاد متى كان الضحية عراقياً أو مقيماً في العراق، لقطع الطريق أمام فرار الجناة الأجانب وإغلاق ثغرات الإفلات من العقاب
3 – الولاية القضائية العالمية المشروطة: منح القضاء العراقي صلاحية محاكمة أي شخص متواجد على أراضيه بتهم ارتكاب جرائم دولية كبرى، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية الجاني، استناداً إلى جسامة هذه الفظائع التي تمس الإنسانية جمعاء، ولتكريس دور العراق كفاعل أساسي في المنظومة الجنائية الدولية.
4 – معالجة المعضلة الزمنية: صياغة استثناءات قانونية دقيقة تتسق مع قواعد القانون الدولي الإنساني لتجاوز مبدأ عدم رجعية القوانين بأثر رجعي، بما يتيح ملاحقة عناصر تنظيم داعش بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة منذ عام 2014 دون مخالفة الدستور، مع إرساء قاعدة دائمة لتطبيق القانون على أي فظائع مستقبلية بغض النظر عن هوية مرتكبيها
كما تتطلب المعالجة الرصينة إعادة النظر في بنية العقوبات والمسؤولية القيادية. وفي هذا السياق، تبرز مطالبات جادة بإلغاء عقوبة الإعدام أو جعلها غير إلزامية، وذلك لتفادي تعارضها مع معايير حقوق الإنسان، ولتسهيل التعاون القضائي وتبادل الأدلة مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى كون إلغاء الإعدام حافزاً للمدانين للاعتراف وكشف الحقيقة الكاملة للناجين.
واستوجب الأمر رفض التقليل غير المبرر من فداحة الجرائم، وتوسيع نطاق المسؤولية الجنائية القيادية (وفق مبادئ نظام روما الأساسي) لتشمل المسؤولين المدنيين والعسكريين الأعلى مقاماً ممن مارسوا سيطرة فعلية وعلموا بالجرائم ولم يمنعوها. وإلى جانب حماية الأطفال باعتبار السن القانونية للمسؤولية الجنائية تبدأ بتمام الثامنة عشرة، وتطبيق برامج إعادة التأهيل للأطفال المتورطين، تبرز ضرورة تعديل قاعدة عدم جواز المحاكمة مرتين. يتيح هذا التعديل إعادة محاكمة عناصر داعش بتهم الجرائم الدولية الكبرى، في حال كانت محاكماتهم السابقة قد اقتصرت مجرد على تهم الإرهاب التقليدية ولم تعكس فداحة جرائمهم الحقيقية.
ومن منظور استقرائي لتجارب العدالة الانتقالية الدولية في القرن العشرين (مثل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة 1991 ورواندا 1994)، يتبين أن الملاحقة القضائية الوطنية تظل تدخلاً علاجياً متأخراً ما لم تتكامل مع معالجة جذور هذه الفظائع. إن الإبادة الجماعية لا تولد في فراغ، بل تسبقها أطول مراحل التحريض المنهجي وخطاب الكراهية. وقد سبق لي أن حللت حالات نموذجية في تاريخ الإبادات الجماعية في كتابي (حصاد الكراهيات) الصادر عام 2025، وهي حالات تثبت هذه الفكرة وتؤكدها. كما تبين تجربتي الميدانية مع فريق (مركز رصد ومواجهة خطابات الكراهية) في مؤسسة مسارات على ضرورة التكامل التشريعي بين “قانون الجرائم الدولية” و”مشروع قانون تجريم خطابات الكراهية” الذي قدمت المؤسسة مسودة مقترحة له لرئاسة الجمهورية، لضمان تجريم الأفعال التمهيدية والاستقطاب العرقي والديني الذي يوفر البيئة الحاضنة للجريمة قبل وقوعها. إن التاريخ الحديث يعج بأمثلة دامية طالما ناقشتها مع طلبتي في دراسات الدكتوراه بقسم السياسة الدولية في كلية العلوم السياسية بالجامعة المستنصرية، فمن المأساة الرواندية عام 1994، حيث لعبت إذاعة الألف تلة وخطابات التحريض المنهجية الصادرة منها والتي وصفت أقلية التوتسي بالصراصير دور الهندسة التمهيدية للإبادة الجماعية، إلى شواهد التطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة، تتأكد الحقيقة السوسيولوجية القائلة بأن الإبادة الجماعية لا تبدأ بطلقة رصاص، بل بالكلمة.
وفي السياق العراقي، وقبل أن يعصف إرهاب داعش بالنسيج المجتمعي عام 2014، مهدت سنوات من الشحن الطائفي والتحريض العلني البيئة الحاضنة للفظائع، وهو ما يبرز الحاجة الملحة لتشريع وطني يجهض الجريمة في مهدها او ظروفها التمهيدي قبل أن تتحول إلى كارثة دموية.
ولأن النصوص القانونية وحدها تظل حبراً على ورق دون آليات إنفاذ كفؤة، تتجسد الحاجة الملحة لإنشاء محاكم متخصصة لا يكتفي قضاتها بتطبيق النصوص الصماء، بل يمتلكون فهماً عميقاً لعلم الاجتماع الجنائي، ودراسة أنماط الجريمة المنظمة، وإدارة الأدلة الرقمية والبيومترية المعاصرة. تاريخياً، وفي سياق المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR)أدرك القضاة والمحققون الكبار أن جرائم الإبادة والتطهير العرقي لا تُرتكب بمحض الصدفة، بل تُهندس عبر دراسة دقيقة للبنى الاجتماعية، وخطاب التحريض، وتفكيك آليات التعبئة العرقية والدينية. فعلى سبيل المثال، استعان قضاة محكمة رواندا بباحثين في علم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا لفهم كيف تحولت الإذاعات وخطابات الكراهية المنهجية إلى “سلاح قتل جماعي”، وكيف جرى استدراج المجتمعات المحلية نحو التواطؤ ومممارسة القتل الجماعي. وبالمثل، تطلب تفكيك جرائم التطهير المنهجي في يوغوسلافيا تحليلاً سوسيولوجياً معقداً لشبكات السلطة والسيطرة القيادية، وهو ما يؤكد أن العدالة الفعالة للفظائع المعاصرة تستوجب عقليات قضائية تتجاوز التفسير الحرفي للقانون لتلامس الجذور السوسيولوجية للجريمة.
كما يجب إضفاء حجية قانونية واضحة ومباشرة للأدلة التي جمعها فريق تحقيق الأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (UNITAD) والمؤسسات الوطنية والدولية عبر أرشيف وطني محصن، تجنيباً للناجين صدمات تكرار سرد الإفادات المؤلمة مراراً وتكراراً. تاريخياً، واجهت المحاكم الجنائية الدولية الكبرى مثل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) والمحكمة الخاصة بسيراليون (SCSL) إشكاليات إرهاق الضحايا والشهود بإعادة استدعائهم للإدلاء بشهادات مطولة تعرضهم لإعادة الصدمة النفسية، ولتعويض الناجين عن إرهاق سرد إفاداتهم المؤلمة مراراً وتكراراً، استحدثت المحاكم الدولية والممارسات الحقوقية المعاصرة مثل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لإنجاز التحقيقات في سوريا (IIIM)، وهي هيئة أممية أُسست لجمع وحفظ أدلة الجرائم الكبرى، قواعد إجرائية تمنح الأرشيف الرقمي والبيومتري الموثق صفة الأدلة المعتمدة، مما يغني عن إكراه الضحايا على استرجاع جحيم الماضي في كل جلسة تقاضٍ. ومن هنا يأتي التأكيد على أن بناء أرشيف وطني عراقي محصن بتقنيات رقمية وبيومترية عالية الموثوقية لا يحمي فقط حقوق الضحايا الإنسانية والنفسية، بل يضمن أيضاً استدامة الأدلة الجنائية وصون الحقيقة من التبدل أو الضياع.
إن الإنصاف الحقيقي لا يتحقق بمعزل عن إشراك الضحايا بفاعلية، وتوفير حماية صارمة للشهود، وتمكين المحاكم من إصدار أوامر جبر الضرر (رد الحقوق، التأهيل، والترضية) ومصادرة أموال المدانين لصالح المتضررين في ذات المسار القضائي دون إرهاقهم بدعاوى مدنية منفصلة. كما يجب أن تعمل المؤسسات القضائية بمنأى عن أي تجاذبات سياسية أو حزبية.
يمثّل السعي لإقرار قانون الجرائم الدولية الأساسية في العراق اختباراً أخلاقياً وتاريخياً شديد القسوة لمدى قدرة الدولة على التصالح مع ضميرها، متجاوزاً حدود التعديلات التشريعية العابرة. وحين تقترن هذه الخطوة بمسار عدالة انتقالية شجاع، يكشف مصير المفقودين في المقابر المجهولة، ويفكك جغرافيا الكراهيات من جذورها البنيوية، ليوضع العراق على عتبة مستقبل لا يُترك فيه الناجون وحدَهم في مواجهة أشباح الماضي. إنها اللحظة الفاصلة التي يُكتب فيها التاريخ بمعيار سيادة القانون، ليصحو العراق -والمنطقة بأسرها- على وقع عدالة شاملة لا تعرف الاستثناء، ولا تقبل بالنسيان.