وفضلاً عن عشرات الندوات التي قدمتها جهات مختلفة من الفضاء المدني غير الحكومي، قدّمت بعض تلك الجهات دراسات معمقة، إما على شكل رؤى استراتيجية للمرحلة المقبلة، أو على شكل مشاريع قوانين طُرحت للنقاش العام، منها ما قُدّم للجان المختصة في مجلس الشعب للاسئناس بها.
قبل تشكيل مجلس الشعب بعدة أشهر، عمل “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” (مقره دمشق) على مشروع قانون للإعلام السوري أشرك فيه عدداً من الخبراء والباحثين في مجال الإعلام. وكان الهدف إبراز أهم المواد التي يجب أن يتضمنها قانون الإعلام بما يضمن حرية التعبير، وعدم تغوّل السلطة التنفيذية والسلطة الأمنية على القانون، من خلال ترك مجالات للاجتهاد في تفسيره، بالإضافة لضمان حقوق الصحافيين وخلق بيئة مثالية لعملهم.
كما قدم مدير “مركز جسور للدراسات” (مقره دمشق) محمد سرميني، في 16 يوليو الماضي، دراسة بعنوان “رؤية استراتيجية لبناء الدولة”، وطرحها خلال ندوة عامة نظمها المركز ودعا إليها عدداً من الباحثين والمهتمين بالشأن العام، إلى جانب عدد من أعضاء مجلس الشعب ومن المسؤولين الحكوميين السوريين. أما حزب الجمهورية (قيد التأسيس)، فأصدر في أغسطس/آب الماضي، ما سمّاها ورقة “تنظيم الحياة السياسية في سورية”، والتي تتضمن، وفق الحزب، رؤية متكاملة لإعادة بناء الحياة السياسية، ومشروعاً لقانون حديث للأحزاب السياسية، بهدف طرحه للنقاش العام.
أسس نظام ديمقراطي
وأكدت الأمينة العامة للحزب هدى زين، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن ورقة “تنظيم الحياة السياسية في سورية” هي “أطروحة سياسية تأسيسية، وخطوة على طريق وضع الأسس لنظام ديمقراطي تعددي في سورية ما بعد حقبة الأسدين (حافظ الأسد وبشار الأسد)”. وتنطلق هذه الرؤية، وفق زين، من “إدراك أن أخطر ما يهدد المرحلة الانتقالية هو فراغ القواعد، حيث تُحسم الأمور لصالح من يملك السلاح أو المال أو النفوذ الخارجي”.
وعن أسباب طرح الوثيقة وتوقيتها، قالت زين، إن تقديم هذه الوثيقة “ينبع من قناعة أن بناء الدولة لا يبدأ حين تمنح السلطة الإذن بذلك، وإنما حين يمارس المواطنون وأحزابهم دورهم في تشكيل ملامحها”. وأضافت أن “ما دفعنا لطرحها في هذا التوقيت هو أولاً: ضرورة ملء الفراغ السياسي بالرؤى والبرامج، فنحن في لحظة تُصنع فيها قرارات مصيرية، والفراغ تملأه القوى الفاعلة برؤى مؤسسية متكاملة”. أما ثانياً فهو “خلق نقاش تراكمي، فالورقة هي مادة خام للحوار الوطني، هدفها رفع سقف النقاش من سؤال هل نريد أحزاباً؟ إلى سؤال كيف ننظم هذه الأحزاب؟”. والسبب الثالث لطرح الورقة هو تحدي ما وصفته بـ”فخ الانتظار”، موضحة أن “كثيراً من القوى تنتظر أن تضع الحكومة القواعد لتبدي رأيها، وهذا موقف سلبي”. ورأت أن “توقيت الورقة هو رسالة بأن الأحزاب والمجتمع المدني ليست متلقية للقرارات، بل شريك فاعل في صياغتها”.
وحول موضوع التواصل مع الحكومة في سورية بشأن هذه الورقة، قالت زين إن الحزب لم يقدم الورقة على أنها طلب رسمي إلى الحكومة، وذلك لاعتبارين أساسيين “أولهما الحفاظ على استقلالية المبادرة، فتقديم الورقة بوصفها طلباً يوحي بانتظار الموافقة أو الترخيص، وهذا يتناقض مع روح الفعل التأسيسي الذي ينطلق منه”. أما السبب الثاني فهو “بناء الضغط الشعبي، إذ نريد للورقة أن تكون ملكاً للنقاش العام قبل أن تكون موضوعاً للبيروقراطية الحكومية”، مشيرة إلى أنه “حين تتبناها النقابات والأكاديميون والقانونيون والإعلاميون تتحول إلى إرادة مجتمعية ومطلب وطني، وليست طلب حزب”.
وبخصوص التجاوب الحكومي، أملت زين أن تتعامل الحكومة مع الورقة بما هي مرجعية سياسية وقانونية تستأنس بها، معتبرة أن الأفضل أن “تشكل الحكومة لجنة خبراء لدراستها، أو تدعونا لمناقشتها في جلسات استماع علنية، أو أن تدرج مبادئها في مشاريع القوانين التي تعمل عليها”. وفي حال غاب التجاوب، ذكرت زين أنه لن يكون ذلك سبباً للتوقف، موضحة أن “المبادرة ستستمر عبر النقاش العام والضغط الأكاديمي والإعلامي، لأن نجاح الورقة لا يُقاس بتبنيها فوراً، بل بمدى تأثيرها في صياغة الوعي السياسي الجديد”. وتكمن أهمية الورقة، وفق زين، في عدة نقاط رئيسية أهمها بناء “إجماع وطني” مسبق قبل كتابة الدستور، و”كسر احتكار النخبة”.
صناعة القرار في سورية
من جهته رأى مدير مركز جسور محمد سرميني، أن الدراسة التي قدّمها هي استمرار لدور مركز جسور، منذ سنوات، في متابعة الملف السوري. وأضاف في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “هدفنا الأساسي هو تقديم رؤية متكاملة تساعد صنّاع القرار والرأي العام على فهم التحديات المؤسسية التي تواجه الدولة السورية في مرحلتها الانتقالية”. كما أن الدراسة تهدف، وفق سرميني، إلى “طرح مسار عملي وقابل للقياس لإدارة هذه المرحلة حتى عام 2030، بدلاً من الاكتفاء بتوصيف عام لمشكلات باتت معروفة للجميع”.
محمد سرميني: طرح رؤية استراتيجية في هذه اللحظة بالذات يمنحها فرصة حقيقية للتأثير في مسار القرار والإصلاح
أما بالنسبة لتوقيت الدراسة، فبيّن سرميني أنه جاء مدروساً ومتعمداً، موضحاً أنه “نحن اليوم عند نقطة مفصلية تتشكل فيها ملامح المؤسسات السورية الجديدة. وكله يجري العمل عليه قبل استكمال الاستحقاقات الدستورية والانتخابية”. وفي رأيه “طرح رؤية استراتيجية في هذه اللحظة بالذات يمنحها فرصة حقيقية للتأثير في مسار القرار والإصلاح، بدلاً من أن تأتي بعد فوات الأوان، تقييماً لاحقاً لما أُنجز أو تعثّر بناؤه”.
وفي ما يتعلق بتجاوب الحكومة مع هذا النوع من المبادرات، أوضح سرميني أن الصورة ليست سوداء أو بيضاء بالمطلق، فهناك انفتاح ملحوظ على تلقّي الأفكار والدراسات، لكن هذا الانفتاح ما زال ينقصه في كثير من الأحيان آلية مؤسسية واضحة لترجمة هذه المبادرات إلى سياسات فعلية. وشدد على أن “طرح مثل هذه الرؤى للنقاش العام، من خلال ندوات مفتوحة كالتي عقدناها في المكتبة الوطنية بدمشق، له أهمية تتجاوز الدراسة نفسها، فبناء الدولة ليس مشروعاً تقنياً يُكتب على الورق ويدار خلف الأبواب المغلقة، بل هو مشروع مجتمعي يحتاج إلى أوسع قاعدة من النقاش والمساءلة والملكية الجماعية”.
وتعد مراكز الدراسات السورية، حالة جديدة نشأت خلال الثورة السورية، وفق الباحث السياسي السوري وائل علوان، الذي أوضح أنها “اكتسبت دوراً متزايداً في مرحلة ما بعد التحرير، باعتبارها جهات بحثية وفكرية يمكن أن تسهم في دعم صانع القرار من خارج الأطر الحكومية المباشرة”. وشدد على أن استقلالية هذه المراكز تتيح تقديم رؤى أكثر موضوعية وتعددية، بعيداً عن تضارب المصالح، مضيفاً أن “صانع القرار، رغم امتلاكه المعطيات والتفاصيل اللازمة، يعمل في ظل ضغوط كبيرة تفرضها الأحداث والتطورات المتسارعة، ما يجعل الحاجة قائمة إلى “العقل البارد” الذي يوفره الباحثون ومراكز الدراسات.
كما لفت علوان إلى أن ارتباط الباحثين بالمجتمع المدني والنخب والأطراف السياسية المختلفة يكون أكثر مرونة من العلاقة التي تربط مؤسسات الدولة بالمجتمع، مشيراً إلى أن مراكز الدراسات يمكن أن تؤدي دور “الجسر” بين الطرفين، والمساهمة في الوقت نفسه في تشكيل رأي عام أكثر وعياً بالقضايا الإصلاحية والتنموية التي تسعى الدولة إلى تحقيقها.