هل تفعّل إسلام آباد “إعلان مكّة للدفاع المشترك” الموقّع بينها وبين الرياض وأنقرة بعد التطوّرات المتسارعة في اليمن، واتّساع الهجمات الحوثيّة على الأراضي السعوديّة، ووصول التهديد إلى البحر الأحمر وباب المندب؟ هل يوضع الاتّفاق للمرّة الأولى أمام اختبار عمليّ؟ ماذا يعني فعلاً أن يكون الاعتداء على دولة من الدول الثلاث اعتداءً على الدول الأخرى؟ هل يقتضي ذلك أن تدخل باكستان الحرب اليمنيّة إلى جانب السعوديّة أم يمكن أن يُفعّل الاتّفاق على مستويات أقلّ من الانخراط القتاليّ المباشر؟
حذّر وزير الدفاع الباكستانيّ خواجة آصف من أنّ الاتّفاق الثلاثيّ قد يدخل حيّز التنفيذ إذا امتدّت تداعيات الحرب اليمنيّة إلى الرياض، مؤكّداً أنّ مبدأ الاتّفاق يقوم على اعتبار الاعتداء على طرف اعتداءً على جميع الأطراف. لكنّ الخارجيّة الباكستانيّة سارعت إلى وضع هذا الكلام في إطاره العمليّ، مؤكّدة أنّ إسلام آباد لم تناقش أيّ استجابة عسكريّة في إطار الاتّفاق، وأنّ اتّفاق مكّة لا يعني تلقائيّاً انخراط باكستان في الصراع اليمنيّ. ثمّ عادت باكستان لتؤكّد التزامها بالاتّفاق “نصّاً وروحاً”، مع إبقاء تفاصيل طبيعة القوّة التي يمكن استخدامها، ومتى وأين، ضمن نطاق السرّيّة العمليّاتيّة.
هذه المواقف المتدرّجة تكشف جوهر المسألة. الاتّفاق موجود، ومبدأ الدفاع المشترك موجود، لكنّ الزناد الذي ينقل الاتّفاق من الردع إلى الفعل العسكريّ لا يزال غير محدّد بصورة علنيّة. كما أنّ الاتّفاق نفسه لا يزال في مرحلة بناء مؤسّساته وآليّات عمله، بعد إنشاء اللجان السياسيّة والاستراتيجيّة والدفاعيّة المعنيّة بتطوير التعاون بين الدول الثلاث. لذلك فإنّ ما يجري اليوم يمكن أن يكون أوّل اختبار حقيقيّ ليس فقط لبنود الاتّفاق، بل لطريقة تفسيرها وتطبيقها.
السّعوديّة لا تحتاج إلى من يدافع عنها
ثمّة نقطة أساسيّة ينبغي وضعها في مقدّمة أيّ تقدير للموقف: السعوديّة ليست في وضع يجعلها بحاجة إلى تدخّل عسكريّ باكستانيّ مباشر للدفاع عن أراضيها. فالرياض تملك قدرات عسكريّة ودفاعيّة واسعة، ولديها منظومات دفاع جوّيّ وصاروخيّ، وقوّات مسلّحة كبيرة، وشبكة من الشراكات الأمنيّة والعسكريّة. كما أنّ المملكة خاضت خلال السنوات الماضية تجربة طويلة في مواجهة الهجمات الحوثيّة، وطوّرت قدراتها على التعامل معها.
لذلك فإنّ السؤال لا ينبغي أن يصاغ على أساس أنّ السعوديّة تنتظر باكستان لكي تدافع عنها. فالمملكة قادرة، في الظروف الراهنة، على التعامل مع الهجمات ضمن قدراتها الذاتيّة وشبكة علاقاتها الأمنيّة. ثمّ إنّ تفعيل إعلان مكّة لا يرتبط بالضرورة بحاجة سعوديّة عاجلة إلى قوات باكستانيّة، بل بحدود التهديد وبالحاجة إلى تحويل مبدأ الدفاع المشترك من فكرة سياسيّة إلى أداة ردع عمليّة.
هذه نقطة مهمّة في فهم التحرّكات الباكستانيّة. فإسلام آباد لا تتحرّك لأنّ السعوديّة عاجزة عن حماية نفسها، وإنّما لأنّها معنيّة بأن لا يبدو الاتّفاق الذي وقّعته مع الرياض وأنقرة مجرّد إعلان سياسيّ بلا مضمون أمنيّ. وفي المقابل، لا تريد باكستان أن يتحوّل الالتزام بالدفاع المشترك إلى التزام تلقائيّ بالدخول في حرب مفتوحة داخل اليمن.
الاتّفاق ليس إعلاناً سياسيّاً بلا مضمون أمنيّ
من هنا، فإنّ الاحتمال الأوّل والأكثر واقعيّة هو تفعيل الاتّفاق من مستوى الردع والدعم الدفاعيّ، لا من مستوى الحرب. ويمكن أن يأخذ ذلك شكل تعزيز التعاون الاستخباريّ، وتبادل المعلومات، ورفع مستوى التنسيق العسكريّ، والمساعدة الفنّيّة، وحماية المنشآت الحيويّة، وتطوير الدفاع الجوّيّ، وربّما تعزيز الجاهزيّة للقوّات الباكستانيّة الموجودة أصلاً في السعوديّة.
في مثل هذا السيناريو تكون باكستان قد فعّلت الاتّفاق بالفعل، ولكن من دون أن ترسل قوّاتها إلى اليمن أو تدخل مباشرة في العمليّات ضدّ الحوثيّين. فالردع هنا هو جوهر الالتزام. وهذا ينسجم أيضاً مع طبيعة الاتّفاق كما قدّمته الدول الموقّعة، باعتباره إطاراً لتعزيز الردع والدفاع والتعاون العسكريّ، وليس تحالفاً هجوميّاً موجّهاً ضدّ دولة بعينها. ولذلك يمكن أن يكون أهمّ اختبار لإعلان مكّة هو قدرته على منع الحرب من الاتّساع، وليس قدرته على خوضها.
لكنّ استمرار الهجمات وتوسّعها يمكن أن يغيّرا الحسابات. فإذا تحوّلت الضربات الحوثيّة إلى نمط واسع ومتكرّر يستهدف المدن والمنشآت النفطيّة والمطارات والموانئ والبنية التحتيّة الحيويّة، أو أصبحت تشكّل حرب استنزاف طويلة، فإنّ الضغط السياسيّ على باكستان سيزداد.
ليس لأنّ السعوديّة فقدت قدرتها على الدفاع عن نفسها، بل لأنّ استمرار الهجمات سيطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يفعل الحليف عندما يتعرّض شريكه لهجمات متكرّرة، حتّى لو كان الشريك قادراً على صدّها؟
هنا يمكن أن تنتقل باكستان إلى مستوى آخر من الدعم: المساهمة في حماية السعوديّة من دون القتال داخل اليمن. وقد يعني ذلك زيادة تبادل المعلومات الاستخباريّة، والمساعدة في الدفاع الجوّيّ، وحماية المنشآت الحيويّة، والتدريب والمساندة الفنّيّة، وربّما تعزيز الوجود العسكريّ الباكستانيّ في السعوديّة.
هذا السيناريو أكثر واقعيّة من القفز مباشرة إلى فكرة إرسال قوات باكستانيّة لمحاربة الحوثيّين. فباكستان تستطيع من خلاله أن تثبت التزامها بإعلان مكّة، وأن تقدّم للسعوديّة دعماً إضافيّاً، من دون أن تجعل نفسها طرفاً مباشراً في حرب اليمن أو في مواجهة عسكريّة مفتوحة مع إيران.
أمّا المستوى الثالث فيتّصل بالبحر الأحمر وباب المندب. هنا تتجاوز القضيّة حدود الدفاع عن الأراضي السعوديّة. فإذا تمكّن الحوثيّون من استخدام باب المندب لفرض تعطيل واسع على الملاحة، فإنّ التهديد يصبح متعلّقاً بأمن التجارة والطاقة والممرّات البحريّة الدوليّة، وليس بالسعوديّة وحدها.
عندها يمكن أن يصير الدور الباكستانيّ البحريّ أكثر احتمالاً، سواء من خلال المشاركة في ترتيبات حماية الملاحة أو تبادل المعلومات أو التعاون مع دول المنطقة في تأمين خطوط التجارة. وفي هذه الحالة يكون تفعيل إعلان مكّة مرتبطاً بأمن البيئة الاستراتيجيّة المحيطة بالسعوديّة، وليس فقط بالدفاع عن منشأة أو مدينة سعوديّة.
متى تنتقل باكستان من الدّعم إلى التّصدّي؟
هناك نقطة تحوّل أخرى أكثر حساسيّة: إذا أصبحت الهجمات الحوثيّة واسعة ومستمرّة إلى درجة تهدّد الأمن السعوديّ بصورة استراتيجيّة، بالتزامن مع إحكام السيطرة على باب المندب أو استخدامه كأداة حصار للملاحة. عندها يمكن أن يتزايد الضغط على باكستان للانتقال من الدعم الدفاعيّ إلى دور عسكريّ أكثر مباشرة.
هنا تكمن أصعب معادلة أمام إسلام آباد. فمن جهة، عدم التحرّك مطلقاً قد يضرّ بصدقيّة إعلان مكّة ويجعل مبدأ الدفاع المشترك موضع تساؤل. ومن جهة أخرى، فإنّ الدخول في حرب اليمن سيضع باكستان أمام تداعيات إقليميّة وداخليّة كبيرة، ويهدّد قدرتها على الاحتفاظ بعلاقاتها مع إيران وعلى الاضطلاع بدور الوسيط بين الأطراف المتصارعة.
لذلك تبدو السياسة الباكستانيّة الحاليّة قائمة على محاولة الجمع بين مسارين متوازيَين: الوقوف السياسيّ والأمنيّ إلى جانب السعوديّة، ومحاولة استخدام العلاقة مع إيران لمنع الحوثيّين من توسيع الهجمات. وقد حضّ قائد الجيش الباكستانيّ المشير عاصم منير إيران على كبح هجمات الحوثيّين ضدّ السعوديّة، في خطوة تعكس رغبة إسلام آباد في احتواء التصعيد قبل أن تصل إلى النقطة التي يصير فيها الالتزام العسكريّ بإعلان مكّة أكثر إلحاحاً.
هنا تصبح الدبلوماسيّة نفسها جزءاً من الردع. فإذا تمكّنت باكستان من إقناع إيران بالضغط على الحوثيّين لوقف الهجمات، فإنّها تكون قد ساهمت في حماية السعوديّة من دون الدخول في الحرب. وإذا فشلت هذه الجهود واستمرّت الهجمات في الاتّساع، فإنّ إسلام آباد تستطيع القول إنّها استنفدت مسار الوساطة قبل الانتقال إلى مستويات أخرى من الالتزام.
متى تدخل باكستان في العمليّات القتاليّة؟
أمّا السيناريو الأكثر صعوبة، وهو دخول باكستان في عمليّات قتاليّة مباشرة ضدّ الحوثيّين داخل اليمن، فيبقى احتمالاً مشروطاً وليس نتيجة تلقائيّة لتفعيل إعلان مكّة. ويحتاج الوصول إليه إلى سلسلة من التطوّرات: استمرار الهجمات على نطاق واسع، تعرّض السعوديّة والمنشآت الاستراتيجيّة لأضرار متكرّرة، تحوّل باب المندب إلى أداة لتعطيل الملاحة، فشل المسار الدبلوماسيّ، وربّما طلب سعوديّ واضح لمساعدة عسكريّة محدّدة.
حتّى عندها، ستواجه إسلام آباد سؤالاً آخر: هل تكون المشاركة الباكستانيّة هجوميّة داخل اليمن أم تقتصر على الدفاع عن السعوديّة وتأمين الملاحة؟ الاحتمال الثاني يظلّ أكثر انسجاماً مع طبيعة الاتّفاق ومع رغبة باكستان في تجنّب حرب إقليميّة أوسع.
بهذا المعنى، فإنّ قيمة إعلان مكّة قد لا تظهر في عدد الجنود الذين سترسلهم باكستان إلى اليمن، وإنّما في قدرته على منع وصول الأمور إلى تلك المرحلة أصلاً. فإذا نجح في إنتاج ردع كافٍ، تكون الاتّفاقيّة قد حقّقت أهمّ وظائفها من دون أن تدخل باكستان الحرب. أمّا إذا فشل الردع، واتّسعت الحرب إلى درجة تهدّد أمن السعوديّة والملاحة الإقليميّة، فحينها سيصبح السؤال أكثر صعوبة ولن يكون: هل تلتزم باكستان بإعلان مكّة؟ بل كيف تفي بالتزامها من دون أن تجد نفسها في قلب حرب إقليميّة لا تسعى إليها؟
