
من ماضيه الجهادي إلى صلاحيات الرئيس والمركزية والكرد والجولان: لقاء كشف الكثير عن رؤية الشرع للإقليم، وترك أسئلة أساسية عن شكل الدولة السورية بلا إجابة.
علاء الخطيب…المصدر نشرة انفوسلام
23/09/2026
لم يكن اختيار بريت ماكغورك لإدارة الحوار مع الرئيس السوري أحمد الشرع في مركز “المجلس الأطلسي Atlantic Council” في نيويورك، في 22 أيلول/سبتمبر، تفصيلاً بروتوكولياً. فالرجل ليس صحفياً، بل أحد أكثر المسؤولين الأميركيين السابقين التصاقاً بملفات العراق وسوريا والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وقاد بصفته مبعوثاً رئاسياً التحالف الدولي ضد داعش وعرف عن قرب القوى الكردية التي أصبحت لاحقاً العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية.
لهذا حمل المشهد مفارقة يصعب تجاهلها: رجل كان في قلب السياسة الأميركية لمواجهة التنظيمات الجهادية يجلس أمام الشرع، الذي انتقل من قيادة تنظيم مصنف أميركياً إلى رئاسة سوريا، ويسأله عن الدولة والأكراد وإسرائيل ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.
لكن الحوار كشف أيضاً شيئاً عن الأولويات الأميركية. تركزت أسئلة ماكغورك على الاستقرار والأمن، وقسد، والعلاقة بين دمشق والمحافظات، والقوات الأجنبية، والعراق ولبنان، وبصورة خاصة إسرائيل، إضافة إلى ماضي الشرع. في المقابل غابت تقريباً أسئلة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات واستقلال القضاء والإعلام، والعلاقة بين الخلفية الإسلامية الأصولية للسلطة الجديدة والتيارات العلمانية والمدنية، كما غابت الخطة الاقتصادية وإعادة الإعمار ودور الدولة والاستثمار والفقر والبطالة. كانت الزاوية الأساسية: هل تستطيع سوريا أن تصبح دولة مستقرة لا تصدر الأزمات إلى جوارها؟ وهو سؤال مهم، لكنه ليس كل السؤال السوري.
الماضي الذي لا يصبح ماضياً
منذ البداية وضع ماكغورك ماضي الشرع على الطاولة. تحدث الشرع عن هجمات 11 سبتمبر، مؤكداً أنه كان في الثالثة عشرة ولم تكن له علاقة بها، وأعرب عن أسفه للضحايا الأميركيين، لكنه أضاف ضحايا الشرق الأوسط الذين سقطوا نتيجة السياسات التي اتُّبعت في المنطقة. وظهر هذا المنظور مجدداً عندما تحدث عن العراق، محملاً الحرب الأميركية جزءاً من مسؤولية الإرث الثقيل الذي تركته واتساع النفوذ الإيراني.
لكن السؤال الأصعب كان عن البيعة السابقة والأيديولوجيا التي ارتبط بها: هل يتبرأ منها اليوم؟ لم تأت إجابة مباشرة. قال الشرع إن هذه القضايا أصبحت من الماضي، وإن الظروف قبل نحو خمسة وعشرين عاماً كانت مختلفة، وإن ضغوط المنطقة دفعت كثيراً من الشباب في ذلك الاتجاه، ثم تحدث عن تطور وعيه وعن رفع الظلم وصولاً إلى الثورة السورية وجرائم نظام الأسد.
يمكن فهم رغبته في ألا يبقى أسيراً لسيرته القديمة، لكن الماضي السياسي لا ينتهي بقرار صاحبه اعتباره منتهياً. والسؤال لم يكن إن كان الشرع قد تغير؛ من الواضح أنه تغير كثيراً، بل ما موقفه اليوم من الأفكار والالتزامات التي تبناها سابقاً؟ هذا السؤال بقي بلا جواب مباشر، وربما سيظل ماضيه يطارده ما لم يقدم في مرحلة ما مراجعة سياسية وفكرية أكثر وضوحاً.
الكرد والمركزية: أين تتوقف دمشق؟
في الملف الكردي كان الشرع أكثر وضوحاً. أكد أن الكرد جزء من المجتمع السوري، وفصل بينهم وبين قوات سوريا الديمقراطية باعتبار الأخيرة تنظيماً مسلحاً لا يمثل جميع الكرد. ودافع عن الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية الكردية، وقال إن المناطق الكردية ستشهد تعليماً باللغة الكردية. وعندما سأله ماكغورك إن كانت هذه الحقوق ستدخل الدستور المقبل، كان الجواب واضحاً: نعم.
لكن المسألة الكردية قادت إلى سؤال أوسع عن شكل الدولة. أشار ماكغورك إلى أن الإعلان الدستوري لا يقول الكثير عن المحافظات وأن التعيينات، ولا سيما الأمنية، مرتبطة بالمركز، وسأل كيف ستتطور العلاقة بين دمشق والمحافظات. أحال الشرع إلى قانون الإدارة المحلية رقم 107، وإلى الصلاحيات الموجودة وإمكان تطوير القانون لاحقاً.
ماكغورك كان يبحث عن جواب آخر: إلى أين تريدون الذهاب؟ هل ستتوسع اللامركزية أم ستحتفظ دمشق بالنموذج المركزي؟ حاول تضييق السؤال، لكنه لم يحصل على جواب سياسي واضح. وهذه ليست مسألة إدارية تقنية، بل واحدة من القضايا الأساسية التي ستحدد شكل سوريا الجديدة.
صلاحيات الرئيس: سؤال الجمهور الأصعب
كان أحد أقوى أسئلة اللقاء أول سؤال من الجمهور: هل توجد صلاحيات يمارسها الشرع اليوم، بحكم المرحلة الانتقالية، لكنه يعتقد أن الرئيس السوري مستقبلاً يجب ألا يمتلكها؟
أجاب بأن المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تصبح نموذجاً دائماً، وأن المطلوب ترسيخ احترام القانون بحيث تكون السلطة مؤسسة لا فرداً. لكن السؤال كان عن الصلاحيات تحديداً. لم يسمِّ صلاحية واحدة ينبغي ألا يرثها الرئيس المقبل، ولم يحدد حدود سلطة الرئاسة في التعيينات أو الجيش والأمن أو التشريع، ولا التوازن المستقبلي بينها وبين البرلمان والقضاء.
وهنا تكمن مفارقة المرحلة الانتقالية: الحديث عن الانتقال من حكم الفرد إلى المؤسسات يجري في ظل رئاسة تمتلك سلطات مطلقة. وسيكون الاختبار الحقيقي في مقدار السلطة التي ستتخلى عنها الرئاسة عند بناء النظام الدائم. وتزداد أهمية ذلك لأن الشرع، عندما سُئل عن ترشحه مستقبلاً، لم يعلن ترشحه لكنه لم يغلق الباب، وقال إنه قد يفعل إذا رأى أن استكمال المهمة يتطلب بقاءه.
القوات الأجنبية: سيادة بالتدرج
سؤال ماكغورك عن القوات الأجنبية كان مهماً أيضاً. قدم الشرع مبدأ واضحاً: سوريا يجب في النهاية ألا تحتاج إلى قواعد عسكرية أجنبية. لكنه وصف طريقاً تدريجياً نحو ذلك.
قال إن الوجود الروسي تقلص إلى قاعدتين، وإن وظيفتهما تحولت، بحسب وصفه، إلى التدريب بدلاً من العمليات، مع استمرار التفاوض على وضعهما. أما الوجود التركي فربطه بالظروف الأمنية السابقة ومخاوف الحدود، وقال إن المواقع التركية تقلصت وإن أي وجود أجنبي يجب أن يحصل على وضع قانوني وموافقة مؤسسات الدولة. وفي الوقت نفسه لم يفتح الباب أمام قواعد أميركية جديدة، مع إبقاء التعاون والتدريب ونقل الخبرات ممكناً.
إذن، ما عرضه ليس انسحاباً فورياً، بل تقليصاً وتنظيماً قانونياً ينتهي، وفق رؤيته، إلى دولة لا تحتاج إلى قوات أجنبية. ويبقى الاختبار في تطبيق هذا المبدأ على جميع القوى الخارجية.
إسرائيل: الـ90% والجولان ونيوجيرسي
أكثر ما حمل جديداً سياسياً كان حديث الشرع عن إسرائيل. قال إن سوريا اختارت الدبلوماسية والتفاوض بعد العمليات الإسرائيلية والتوغل في أراض سورية عقب سقوط النظام السابق، وكشف بصورة مباشرة أن المفاوضات وصلت، بحسب تقديره، إلى نحو 90% من الاتفاق قبل أن تتراجع إسرائيل عنه. الرقم كان قد ظهر سابقاً في تقارير عن المفاوضات، لكن أهميته هنا أن الشرع وضعه بنفسه وبصراحة في روايته عن مسار التفاوض وتعثره.
وهو رقم يفتح أسئلة: ماذا تتضمن العشرة في المئة المتبقية؟ وهل الخلاف حول الانسحاب أم الضمانات الأمنية أم طبيعة الاتفاق؟ لكنه يدل، في الحد الأدنى، على أن المفاوضات ذهبت بعيداً.
ورسم الشرع مساراً متدرجاً: انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد 8 ديسمبر 2024، ثم ترتيبات أمنية، وإذا نجحت يمكن الانتقال إلى الحديث عن سلام دائم. لكنه كان أكثر صلابة في الجولان، مؤكداً أنه أرض سورية وأن السيادة عليه ليست ملكاً لرئيس سوري أو أميركي كي يتصرف بها.
وهنا روى نكتته مع دونالد ترامب. قال إنه سأله، بالمعنى: إذا كنت تستطيع إعطاء الجولان لإسرائيل، فلماذا لا تعطيها نيوجيرسي؟ فأنت لا تملك الجولان، بينما تملك نيوجيرسي، وهي فوق ذلك لا تصوت لك. خلف الطرافة رسالة واضحة: العلاقة الجيدة مع ترامب لها حدود، لكنه لا يقبل باعتراف ترامب بالجولان كجزء من إسرائيل.
7 أكتوبر والأمن الإسرائيلي
ومن الجمهور جاء سؤال آخر مهم: هل يفهم الشرع الصدمة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، وما رسالته للإسرائيليين؟ أقر بما تعرض له مدنيون أبرياء، لكنه رفض أن تصبح تلك الأحداث أساساً دائماً للسياسة الإسرائيلية، ووضع في المقابل حرب غزة والضحايا الفلسطينيين في قلب الإجابة.
فكرته الأساسية كانت أن إسرائيل لا تستطيع البحث عن أمنها بجعل محيطها أقل أمناً. وسأل، بالمعنى: هل قصف سوريا والمطارات والمنشآت العسكرية وحتى القصر الرئاسي يجعل الإسرائيليين أكثر أمناً؟ رسالته كانت أنه لا يقدم سوريا الجديدة كدولة تريد الحرب مع إسرائيل، لكنه يرفض أيضاً أن يصبح «الأمن الإسرائيلي» مبرراً مفتوحاً للمساس بسيادة الدول المحيطة.
حين كانت أسئلة الجمهور أقوى
من مفارقات اللقاء أن بعض أكثر الأسئلة عمقاً جاءت من الجمهور. إلى جانب سؤال صلاحيات الرئيس، جاء السؤال الأخير ليضع قضية أخرى في الصميم. بدأ السائل بالعلاقة مع إقليم كردستان، ثم سأل الشرع إن كانت السياسة تتطلب تقديم تنازلات من أجل البقاء في السلطة، وهل يوافق على ذلك.
قال الشرع إنه لم يفهم العلاقة بين السؤالين، وأجاب عن علاقته الجيدة بإقليم كردستان، أما السؤال الثاني فلم يجب عنه وانتهت الجلسة. لا يمكن الجزم بأنه تعمد التهرب، لكن السؤال كان مهماً جداً في سياق تجربته: أين تنتهي البراغماتية وتبدأ المبادئ؟ وهل التحولات في خطابه تعبر عن مراجعة فكرية أم عن مقتضيات ممارسة السلطة، أم عن الاثنين معاً؟
وربما كان هذا السؤال، مع سؤال صلاحيات الرئيس، دليلاً على أن الجمهور اقترب أحياناً من الأسئلة المتعلقة بطبيعة السلطة أكثر مما فعل مدير الحوار.
ما لم يُسأل عنه
رغم أهمية اللقاء، بقي لدي شيء من خيبة الأمل من طبيعة الأسئلة. لم يكن ذلك لأن ماكغورك تجاهل الملفات المهمة؛ فقد ضغط بوضوح في موضوع الماضي والمركزية، وناقش قسد وإسرائيل والقوات الأجنبية. لكن زاوية الحوار بقيت إلى حد كبير زاوية رجل أمن وسياسة خارجية أميركي سابق: كيف تصبح سوريا مستقرة وموحدة، تضبط السلاح والحدود ولا تشكل تهديداً لجيرانها؟
أما السؤال الذي يهم السوريين مباشرة فبقي أقل حضوراً: أي دولة ستصبح سوريا؟ هل ستكون ديمقراطية؟ ما ضمانات حقوق الإنسان والحريات؟ كيف سيواجه التحديات الاقتصادية؟ وأي اقتصاد تريد الحكومة بناءه؟ ما موقع الإسلام في التشريع والدولة؟ كيف ستتعايش الخلفية الإسلامية للسلطة الجديدة مع العلمانيين والليبراليين والتيارات الدينية الأخرى؟ ما الضمانات ضد عودة الدولة الأمنية؟
هذه ليست أسئلة يمكن تأجيلها إلى ما بعد تحقيق الاستقرار؛ إنها جزء من تعريف الاستقرار نفسه.
بين التحول والأسئلة المؤجلة
خرج الشرع من اللقاء بصورة مختلفة جذرياً عن صورته قبل سنوات. تحدث كرئيس يناقش الدستور والإدارة المحلية والقواعد الأجنبية والعلاقات الإقليمية والمفاوضات مع إسرائيل. وكان واضحاً في بعض الملفات: الحقوق الكردية وإدراجها في الدستور، الجولان، إمكان الانتقال من ترتيبات أمنية مع إسرائيل إلى سلام دائم، والسعي إلى سوريا بلا قواعد عسكرية أجنبية.
لكنه كان أقل وضوحاً عندما اقترب السؤال من طبيعة السلطة نفسها. ماضيه الجهادي بقي بلا مراجعة صريحة، مستقبل المركزية بقي مفتوحاً، حدود صلاحيات الرئيس لم تتحدد، والسؤال الأخير عن التنازلات التي تفرضها السلطة انتهى بلا جواب.
وربما لهذا كان أهم ما كشفه اللقاء ليس فقط ما قاله أحمد الشرع، بل أيضاً ما لم يقله وما لم يُسأل عنه. فالاستقرار واستعادة السيادة وإقامة علاقات مستقرة مع الجيران إنجازات أساسية إذا تحققت، لكنها لن تجيب وحدها عن السؤال الذي سيحدد مستقبل البلاد: ليس فقط كيف ستستقر سوريا في المنطقة، بل أي دولة ستقوم داخل سوريا بعد أن تستقر؟