حسمت انتخابات آذار 2010 أوزان القوى في مجلس النواب العراقي، وتركت طريق تشكيل الحكومة مفتوحا على استعصاء سياسي دام ثمانية أشهر.
في هذا الجزء، يفتح فخري كريم دفاتر تلك الأيام من موقعه ممثلا شخصياً للرئيس جلال طالباني وفاعلاً في إدارة ملف الأزمة، من الجلسة البرلمانية التي انعقدت لتبقى مفتوحة، إلى الوفود الثلاثة التي كشفت أن القائمة العراقية اختلفت على معنى فوزها قبل أن تختلف على مواقعه.
من «الفرصة التي لم تجرب» أمام إياد علاوي، إلى «حملة منظمة» صُورت “القائمة العراقية” مؤامرة على النظام، تتكشف وجوه أخرى للأزمة. وفي قلبها معركة على رئاسة الجمهورية، ومسعى أميركي لمنح المنصب البديل لاياد علاوي، وضغط بلغ ذروته في يوم واحد، تدرج من مبعوث يتهم الرئيس طالباني إلى مكالمة من الرئيس أوباما نفسه. يروي كريم هذه الوقائع شاهدا على كيفية رد ذلك المسعى، وعلى الطريق الذي انفتح بعدها نحو مبادرة أربيل.
بعد أن حسمت انتخابات آذار 2010 أوزان القوى داخل مجلس النواب من دون أن تحسم طريق تشكيل الحكومة، انتقلت الأزمة إلى المؤسسة التشريعية نفسها، حيث اصطدمت الاستحقاقات الدستورية بالخلاف على الرئاسات وتشكيل السلطة.
يتوقف فخري كريم عند الجلسة الأولى للمجلس، التي انعقدت لتدخل بعدها المؤسسة التشريعية في تعطيل استمر أشهراً: «انعقد مجلس النواب في 14 حزيران 2010، برئاسة فؤاد معصوم الذي تولى رئاسة السن بعد اعتذار حسن العلوي، ليدخل المجلس، بعد هذه الجلسة الأولى، في حالة تعطيل امتدت لشهور، خلافا للدستور وأحكامه».
بعدما لم يتمكن المجلس من انتخاب رئيسه ونائبيه بسبب استمرار الخلافات على تسمية الرئاسات الثلاث، أعلن فؤاد معصوم إبقاء الجلسة الأولى مفتوحة، من دون تحديد موعد لاستئنافها.
ويضيف كريم: «وأمام استمرار هذا التعطيل، بادرت مجموعة من منظمات المجتمع المدني، في مقدمتها، المجلس العراقي للسلم والتضامن و جمعية الأمل العراقية، إلى إقامة دعوى أمام المحكمة الاتحادية العليا ضد رئيس السن، مطالبة بإنهاء الجلسة المفتوحة وإلزام المجلس باستئناف أعماله وانتخاب رئاسته. وفي الرابع والعشرين من تشرين الأول 2010 أصدرت المحكمة قرارها المرقم 55/اتحادية/2010، وقضت بعدم دستورية (الجلسة مفتوحة) وألغت قرار المجلس، وألزمت رئيس السن بدعوة المجلس إلى الانعقاد واستكمال مهامه الدستورية».
حسمت انتخابات آذار 2010 أوزان القوى في مجلس النواب العراقي، وتركت طريق تشكيل الحكومة مفتوحا على استعصاء سياسي دام ثمانية أشهر.
وكان إبقاء الجلسة مفتوحة يعني عمليا تعليق سلسلة الاستحقاقات الدستورية التي تبدأ بانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، ثم انتخاب رئيس الجمهورية، وصولاً إلى تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل الحكومة.
غير أن قرار القضاء، كما يرى كريم، لم يكن هو العامل الحاسم الذي انهى الانسداد السياسي: «فقد جاء الحكم متأخرا، بعد أكثر من أربعة أشهر على انعقاد الجلسة الاولى للمجلس، في وقت كان ميزان التفاوض السياسي قد بدأ يميل إلى حسم مرشح رئاسة الوزراء».
ويتابع: «ولم تستأنف الجلسة الأولى فعلياً إلا في 11 تشرين الثاني من ذاك العام – اي بعد حوالي ثلاثة اسابيع من القرار القضائي – عقب التوصل إلى اتفاق سياسي على تسمية الرئاسات، فانتخب أسامة النجيفي رئيسا لمجلس النواب، وقصي السهيل وعارف طيفور نائبين له، وأعيد انتخاب جلال طالباني رئيساً للجمهورية، ليتولى بعدها تكليف المالكي بتشكيل الحكومة».
هكذا تحول البرلمان، طوال أشهر الأزمة، إلى مرآة للانسداد السياسي، فيما كانت المفاوضات الفعلية حول الرئاسات وتشكيل الحكومة تجري في مسارات أخرى.
واشنطن وطهران في قلب الاستعصاء
ما بدا فراغاً سياسياً كان، في حقيقته، أكثف المسارح ازدحاماً. فبينما ظلت الأزمة تخيم على الحياة السياسية، والجلسة الأولى معلقة على حالها، كانت الخيوط الرئيسية تغزل خارج قبة البرلمان، في اجتماعات الكتل والوسطاء، وعبر عواصم إقليمية ودولية دخلت بثقلها على خط الأزمة.
في غمرة هذا الاستعصاء، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، في 31 آب 2010، انتهاء المهمة القتالية الأميركية في العراق، بعد خفض عدد القوات إلى أقل من خمسين ألف عسكري، تولوا مهام المشورة والمساعدة والعمليات المشتركة لمكافحة الإرهاب وحماية الوجود الأميركي. وفي قراءة كريم، كان الحضور العسكري الأميركي يتقلص في اللحظة التي بلغ فيها الفراغ السياسي ذروته.
فيما كانت واشنطن تخفض حضورها العسكري، كانت تعيد صياغة حضورها السياسي والدبلوماسي في العراق. ففي 30 آب، عشية انتهاء المهمة القتالية، وصل نائب الرئيس جو بايدن إلى بغداد، والتقى عددا من أبرز القادة العراقيين، حاثاً إياهم على إنهاء مفاوضات تشكيل الحكومة.
يرسم كريم صورة ذلك الاستعصاء واتساع دائرة المتدخلين فيه، فيقول: «خلال أكثر من ثمانية أشهر، صيف وخريف عام 2010، ظل الجمود والاستعصاء السياسي دون أمل بالانفراج، ليواصل الزعماء من قادة ائتلافات العراقية ودولة القانون والأطراف الشيعية الاخرى، حالة من الهياج السياسي المكبوت، وتواصل لا ينقطع، دخلت على خطوطه بنشاط أطقم الولايات المتحدة الأميركية، الرسمية وغير الرسمية، رئيسها ونائبه، وقادة عسكريين وسياسيين من دول التحالف الدولي المشارك في احتلال العراق، ومسؤولين من دول الجوار، ومن الأشقاء الأعداء العرب – دون استثناء – والسفراء الغربيين من دول أعضاء مجلس الأمن خصوصاً».
وفي مركز الحضور الإيراني، يضع كريم قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني آنذاك، قاسم سليماني، الذي يصفه بأنه «الحامل للورقة الراجحة في الصراع الدائر»، على حد تعبيره.
يلخص كريم طبيعة تلك المرحلة بقوله: «وشهدت العملية السياسية المأزومة بأطرافها الرئيسية، موسماً دسماً من المساومات ولي الأذرع والتعهدات والاتفاقات». وأمام تعدد القوى المنخرطة في الأزمة، يتوقف كريم عند موقف المرجعية الدينية العليا في النجف، كما رآه في تلك المرحلة: «كانت المرجعية الدينية العليا في النجف تبدو كما لو أنها غير معنية بما يجري.. كانت تراقب وتهمس بحذر».
وسط هذه المفاوضات بقيت القائمة العراقية، صاحبة العدد الأكبر من المقاعد، طرفاً رئيسياً في الأزمة. وهنا ينتقل كريم إلى سؤال آخر: كيف قرأت القائمة العراقية فوزها، وماذا أرادت أن تفعل بالاستحقاق الذي منحته إياها صناديق الاقتراع؟
ثلاثة وفود في غرفة واحدة
القائمة العراقية، التي خرجت من الانتخابات بـ91 مقعداً، فيستعيد كريم من داخلها صورة مختلفة للاستعصاء: ثلاثة لقاءات مع قادتها كشفت، بحسب روايته، تبايناً في فهم ما يعنيه تقدم القائمة، وما الذي ينبغي أن يترتب عليه سياسياً.
بعد إعلان نتائج انتخابات آذار 2010، زارت رئيس الجمهورية جلال طالباني ثلاثة وفود من القائمة العراقية. وكان كريم حاضرا في تلك اللقاءات الثلاثة. ولا يسمي كريم مرافقي رؤساء الوفود، لكنه يحدد المتحدث في كل لقاء، وينقل الموقف الذي طرحه. وكان السؤال الماثل في اللقاءات الثلاثة واحداً، وإن لم يطرح بهذه الصيغة: القائمة فازت، فماذا تريد من فوزها؟ وكانت الأجوبة ثلاثة.
ترأس الوفد الأول طارق الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية آنذاك، يرافقه شخصان. وينقل كريم عنه قوله: «في ما يتعلق بنا نحن، فإن العراقية هي قائمة انتخابية. ولكن استحقاقاتنا نحن لا نتنازل عنها». ويوضح كريم أن الهاشمي كان يقصد بـ«نحن» الشخصيات والقوى السنية.
يقول كريم إنه فهم من هذا الكلام، وتداول فيه مع الرئيس طالباني، أن الهاشمي لا يعد وصول إياد علاوي إلى رئاسة الوزراء استيفاء لاستحقاق المكون السني، أي إن رئاسة الحكومة، حتى لو ذهبت إلى رئيس القائمة العراقية، لا تلغي في نظره ما يعده استحقاقات أخرى للمكون.
ويضيف كريم ملاحظة تفسر الموقف من جهة أخرى، وهي أن «الهاشمي كان يفكر، أصلاً، في أن يصير رئيساً للجمهورية هو نفسه».
أما الوفد الثاني فترأسه رافع العيساوي، وطرح موقفاً مختلفا تماماً عن موقف الهاشمي: «إذا صار إياد رئيس وزراء، نحن لا نريد أي موقع آخر». ويقرأ كريم في هذا الموقف تصوراً مختلفاً لطبيعة العراقية: أن استحقاق القائمة يتحقق بوصول رئيسها إلى رئاسة الحكومة، من دون المطالبة باستحقاقات موازية على أساس المكون.
يرى كريم أنه «الموقف الوحيد بين الثلاثة الذي يتسق مع ما ظن الناخبون أنهم يصوتون له».
وترأس صالح المطلك الوفد الثالث، واتخذ، بحسب كريم، موقفاً يجمع بعض عناصر الموقفين السابقين. يقول كريم إن المطلك «وافق الهاشمي في توصيف القائمة العراقية بأنها تحالف انتخابي، غير أنه لم يتحدث عن الاستحقاقات لا نفياً ولا إثباتاً، واكتفى بأن قال إن من استحقاق القائمة أن يكون رئيس الوزراء منها، من غير أن يتناول ما إذا كان الآخرون سيقبلون بذلك أو لا يقبلون».
هكذا، وفي الغرفة نفسها ولكن في ثلاثة لقاءات منفصلة، سمع طالباني وفخري كريم ثلاثة تصورات مختلفة من قيادات في القائمة نفسها لمعنى الفوز وما يترتب عليه.
ويلفت كريم هنا إلى مفردة تكررت في هذه اللقاءات، وهي «الاستحقاقات». وفي قراءته، تكشف الطريقة التي استخدمت بها عن مفارقة داخل القائمة العراقية نفسها: قائمة قدمت نفسها انتخابياً عابرة للاصطفافات الطائفية، فيما ظل بعض أبرز قادتها يتحدثون عن المواقع بمنطق «استحقاق المكون» وحصته في السلطة. ويرى ان «الناخب الذي منحها صوته متجاوزاً حدود المكونات كان يجد، داخل قيادتها، من يعيد حساب نتائج الانتخابات بموازين تلك المكونات. وهكذا لم يكن الخلاف بين الوفود الثلاثة على موقع رئاسة الحكومة وحده، وإنما على معنى الفوز نفسه: هل تستحق العراقية السلطة بوصفها القائمة الفائزة، أم تبقى مكوناتها، بعد الفوز، محتفظة باستحقاقات منفصلة عنها؟»
قد جرت الأمور بعد ذلك إلى ما جرت إليه. لم يصر إياد علاوي رئيساً للوزراء رغم فوز قائمته. «أما الرجل الذي قال في غرفة الرئيس إذا صار إياد رئيس وزراء، نحن لا نريد أي موقع آخر، فقد صار وزيراً للمالية في الحكومة التي تشكلت خلافاً لذلك»، كما يقول فخري كريم، ويعني رافع العيساوي.
الفرصة التي لم تجرب
بعد أن انفضت الوفود الثلاثة، تبلور ما يسميه فخري كريم «رأياً أولياً»، تكون في الحديث مع الراحل مام جلال: «أن نعطي إياد علاوي فرصة».
يشرح كريم أن الفكرة كانت تقوم على منح علاوي فرصة التكليف، ثم ترك الاختبار لمجلس النواب: «فإذا استطاع استقطاب أغلبية تؤيد حكومته نال الثقة، وإذا أخفق انتهت فرصته وانتقل التكليف إلى غيره».
حين يعود كريم إلى الاحتمال الذي لم يختبر، لا يجزم بنتيجته. يقول: «لو كانوا آخذين بهذا الرأي، ما وصل الوضع إلى ما وصلنا إليه — كان ممكناً أن يفوز إياد علاوي». ثم يضيف: «أنا متأكد كان ممكن أن تكون انعطافة بين القوى السياسية ويحظى بالدعم»، قبل أن يترك الاحتمال مفتوحاً: «وكان غير ممكن أيضاً.. لكنها فرصة».
غير أن الاختبار الذي يتحدث عنه كريم لم يصل إلى مجلس النواب. فقد سبق سؤال الثقة نزاع آخر حول من يملك حق التكليف أصلاً، وما المقصود دستوريا بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً». ومنذ تلك النقطة، اتسع الصراع من حساب الأصوات داخل البرلمان إلى تفسير المادة 76، وإلى المفاوضات السياسية والتدخلات الإقليمية والدولية التي أحاطت بتشكيل الحكومة.
ومن هنا يحدد كريم بدقة ما يعتقد أنه ضاع في تلك المرحلة. فهو لا يفترض أن رئاسة الحكومة كانت مضمونة لعلاوي، ويقر بأنه ربما كان سيخفق في نيل الثقة. ما ضاع، في قراءته، هو «فرصة الاختبار الذي لم يجر أساساً».
هنا تكمن، في رواية كريم، أهمية الاحتمال الذي لم يختبر: القائمة التي تصدرت النتائج بـ91 مقعداً لم تصل بمرشحها إلى مرحلة عرض الحكومة على مجلس النواب وقياس قدرته الفعلية على جمع الأغلبية. لذلك بقي السؤال معلقاً في شهادته: ماذا كان سيحدث لو وصل علاوي إلى اختبار الثقة نفسه؟
غير أن كريم لا يفسر ضياع هذه الفرصة بالحسابات البرلمانية وحدها. ففي روايته، كانت تتحرك في خلفية الصراع تقارير وتحذيرات تصور وصول القائمة العراقية إلى الحكم باعتباره خطراً يتجاوز مسألة انتقال السلطة. ومن هنا ينتقل إلى ما يصفه بـ«حملة منظمة استهدفت القائمة العراقية».
«المؤامرة».. والقائمة العراقية
ومن الخلاف على استحقاق العراقية، ينتقل كريم إلى مستوى آخر من الصراع أحاط بالقائمة طوال أشهر الأزمة: معلومات وتقارير وإشاعات يقول إنها رسمت صورة لتحرك يتجاوز التنافس على تشكيل الحكومة إلى التآمر على النظام السياسي نفسه. ويقول: «خلال الأشهر الثمانية التي امتدت عليها الأزمة، جرى ضخ كمية من المعلومات والإشاعات حول تآمر يستهدف الإخلال بالوضع في العراق، يوحي كما لو أنه انقلاب، أو شيء مقارب له».
يقول كريم إن هذه الرواية استهدفت القائمة العراقية، قبل أن يشرح تركيبها كما كان يراه آنذاك: «تضم أغلبية سياسية من المكون السني، تتصدرها شخصيات من قادة عسكريين ومن تجمعات اجتماعية سنية، إضافة إلى الأحزاب، ولكل منها امتداده العربي والإقليمي. وكان الشيعة يمثلون أقلية تنتمي إلى حركة الوفاق برئاسة الدكتور إياد علاوي الشيعي». ويضيف أن «القيادات الشيعية من دولة القانون والائتلاف الوطني» حاولت، بحسب روايته، إشاعة أن الشخصيات الشيعية في العراقية أيضا «بعثيون في الأصل».
ثم يعرض كريم مضمون ما كان يتداول آنذاك، من دون أن يجزم بصحة مصادره أو الوثائق المنسوبة إليه: «كان يجري التأكيد على أن العراقية صنيعة بعثية – سورية – قطرية، مدعومة أيضاً من أوساط تركية. ومن بين تلك التقارير ما يبدو أنه تعليمات سرية داخلية موجهة إلى البؤر البعثية وبقايا النظام السابق، تدعو الجميع للتعبئة والتصويت للقائمة العراقية…».
وفي الوقت نفسه، كان يتناقل همساً ما يشير إلى أن الخطة تستهدف إجراء انقلاب من داخل النظام يطيح بالعملية السياسية القائمة، وأن وجود اياد علاوي – الشيعي – على رأس القائمة، غرضه التمكن من تشكيل الحكومة، وإجراء تغييرات بنيوية، عبر مراحل، في هيكل النظام تنتهي إلى ما يراد منه عزل المنظومة السياسية القائمة والإطاحة بها».
في هذا السياق، يستعيد كريم واقعة يقول إنها عززت، في أجواء تلك المرحلة، الشكوك المحيطة بالعراقية والدعم الإقليمي لها. ويقول: «كانت التمريرة السياسية المؤامراتية دقيقة الحبكة، مدعمة بتقارير وتوجيهات شاركت فيها بعض أركان السفارات أيضاً. وجاء اتصال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بالرئيس مام جلال، وإخباره بأنه معني ومهتم بالعراقية، ويطلب منه رعايتها ودعمها، تأكيداً للهواجس والتقديرات المريبة حول طابع تلك التحركات وأهدافها».
لا يرفض كريم كل ما كان يتداول عن العراقية في تلك المرحلة؛ فهو يقر بصحة جانب منه، لكنه يفصل بين المعلومات نفسها وبين القراءة السياسية التي بنيت عليها، وما ترتب عليها لاحقاً في تقديره. ويقول: «ورغم صحة الكثير مما جرى ترويجه ودسه عن القائمة العراقية، فإن عدم التمعن العميق في ما كان يتفاعل خلفه وتداعياته قاد البلاد إلى ما جرى لاحقا في الولاية الثانية، من الانقلاب على الاتفاقات السياسية التي قامت عليها العملية السياسية، وانتهى إلى هذا الخراب الذي بات يأخذ بخناق شعبنا، ويجرد وطننا من كل ما يؤكد سيادته واستقلاله، ويحفظ ثرواته، ويضعه على طريق المعافاة والديمقراطية».
يذهب كريم أبعد من ذلك في تقدير أثر هذه الرواية، إذ يرى أنها أسهمت في دفع قوى الإسلام السياسي الشيعية إلى مزيد من الارتياب بالعراقية، وفي الوقت نفسه إلى انفتاح أوسع على الدور الإيراني، أو كما يصفه: «بلا تحفظ».
مع امتداد الأزمة، لم يبق الصراع، محصورا في تفسير «الكتلة الأكبر» أو اختيار رئيس الوزراء. فقد امتد إلى رئاسة الجمهورية نفسها، حيث يتحدث عن ضغوط أميركية ومن أطراف أخرى لسحب ترشيح جلال طالباني، وما أثارته تلك الضغوط لديه من قلق بشأن موقف مسعود البارزاني.
مشروع مقايضة الرئاسة بعلاوي
حين انغلق باب تشكيل الحكومة أمام العراقية، انفتح مسار مواز، أشد إلحاحاً، من الجانب الأميركي.
يمهد فخري كريم له بتثبيت اللحظة التي انقسمت فيها الأزمة إلى وجهتين: «بعد أن تأكد استحالة تكليف علاوي برئاسة الحكومة، وحسم الاستحقاق لصالح التحالف الشيعي وفقا للمادة 76 من الدستور وتفسير المحكمة الاتحادية العليا للكتلة الأكبر، اتخذت الأزمة مساراً جديداً تمثل في وجهتين متناقضتين: جانب منها يتعلق بحسم المفاضلة بين نوري المالكي وعادل عبد المهدي. لكن على الجانب الآخر انعكس موقف شديد الغرابة من الجانب الأميركي بوجه خاص، تمثل في المعضلة المتعلقة باستحقاق القائمة العراقية والدور الممكن للدكتور إياد علاوي». ويضيف: «يبدو أن القيادة الأميركية انشغلت بهذه القضية، وكرست كل ما تستطيع خلال أشهر الفراغ السياسي للوصول إلى تسوية ترضي القائمة العراقية والدكتور إياد علاوي».
في خضم هذا الجس لنبض القيادات حول رئاسة علاوي للجمهورية، بلغت فخري كريم إشارات من غير جهة، ثم اتصال حسم عنده طبيعة المسعى، يرويه بلسانه: «في تلك الأجواء المشحونة بالتناقضات، وردت إلى الرئاسة إشارات من عدة جهات بأن وفوداً من السفارة الأميركية تلتقي بقيادات عراقية وتجس نبضها حول إمكانية ترشيح الدكتور إياد علاوي لرئاسة الجمهورية. واقتراناً بتلك المؤشرات، اتصل بي السيد نوري المالكي وأخبرني بأن الجهات الأميركية طرحت عليه ما تقترحه لسحب ترشيح جلال طالباني لصالح علاوي، مع تأكيد دعمهم له لتولي رئاسة الحكومة دون منازع. وطلب مني أن أؤكد للرئيس، تجنباً لأي التباس، أنه رفض المقترح الأميركي، وأشار عليهم بالتخلي عنه، وأنه لن يقبل أن يكون رئيساً للوزراء من دون أن يكون مام جلال رئيساً للجمهورية، وأنه سيكون أميناً على هذا الموقف».
ما لبثت المؤشرات أن استحالت حملة معلنة، يصف كريم اتساعها وانتقالها إلى مستوى أرفع: «وبدأت الأخبار تتواتر يومياً عن النشاط المحموم للسفارة في مختلف الاتجاهات، لإقناع القيادات الشيعية والسنية والكردية بقبول مقترحها المذكور. وخلال تلك الفترة انقطعت الاتصالات والزيارات المكوكية لأركان السفارة التي كانت تجري مع الرئاسة، وتوضحت معالم التحرك الأميركي وأهدافه. وبعد فترة، انضم إلى السفارة عدد من المستشارين المرسلين من واشنطن لدعم جهودها والضغط على الأطراف المعنية بقبول مقترحها. ولم يكتف بتلك اللقاءات المباشرة، حتى بلغ الأمر حد تدخل القيادات الأميركية عبر الاتصال الهاتفي بالقيادات العراقية».
أمام هذا التصعيد أسند إلى فخري كريم الملف، فيروي كيف تولاه، وبأي شرط، وبأية توصية أودعه بها الرئيس: «اقترح الرئيس مام جلال أن أتولى إدارة ملف هذه الأزمة شخصياً. قبلت التكليف بشرط أن أتابع كيفية التحرك والتعامل مع الضغوط وإفشالها، في إطار ما يتقرر. ووافق طالباني، مع توصية حاول أن تبدو مداعبة: أرجوك أن لا تستغل هذه الأزمة لشن حملة ضد الإمبريالية وأعدائك الأيديولوجيين».
بهذا التكليف انتقلت المواجهة من أروقة السفارة إلى يد واحدة، وصار على فخري كريم أن يرد الرسائل الأميركية بنفسه، «وفق ما تقرر مع الرئيس»، كما يؤكد. وأولى تلك الرسائل بلغته ظهرا، على لسان مبعوث أميركي لم يكن كلامه معتاداً.
صلابة بارزاني وإطلاق مبادرة أربيل
لم يكن إفشال الرسائل الأميركية قد بدد كل قلق، فقد ظلت عقدة واحدة تؤرق مام جلال: أين يقف مسعود بارزاني من طلب سحب ترشيحه؟ يروي كريم كيف طمأنه أولاً بلا تحفظ: «لم يكن أمامي إلا أن أؤكد له بشكل مطلق: إن مسعود لا يمكن أن يتخلى عن دعمك، وموقفه واضح وثابت، وأنت تعرف مسعود البارزاني، حين يقول كلمة يلتزم بها مهما كانت. ومع ذلك، ما دمت تشعر بهذا الهاجس، سأتحدث مع الأخ مسعود مرة أخرى».
وزار فخري بارزاني، فوجده تحت وطأة ضغط يومي كثيف: «اتصلت بالأخ مسعود واتفقنا أن أزوره، وأخبرني — بالهاتف قبل الزيارة وأثناء اللقاء — أن هناك ضغوطاً كبيرة جداً يومية من المسؤولين الأميركيين، ومن مسؤولين آخرين وقيادات حتى من واشنطن ولندن. وقال: طبعا، أنا لا يمكن أن أتخلى عن الأخ جلال، غير أن هذا يحتاج أن نتفق على كيفية التعامل مع هذه الضغوط».
وهنا طرح فخري كريم مقترحاً يكشف نية الأميركيين: «اقترحت على الأخ مسعود — بعدما أخبرني أن له غداً موعداً مع وفد كبير من الأميركيين لبحث القضية — قلت له: وافق على سحب ترشيح الأخ جلال. فاستغرب: لماذا تقول ذلك؟ قلت: وافق، ولكن اطرح عليهم أننا سنسحب ترشيح الأخ جلال، على أن نقدم لكم ثلاثة مرشحين آخرين، لتختاروا — أو لنختار معكم — واحداً منهم». وشرح له مغزى الاختبار: «فإذا وافقوا، فمعنى ذلك أن لديهم ملاحظة على الأخ جلال بعينه، ولا يريدون استمراره. أما إذا رفضوا، وكان طلبهم سحب الترشيح لصالح مرشح آخر، إياد علاوي أو غيره، فهذا يعني أنهم يستهدفون الشعب الكردي واستحقاقه، وأن يعاملوه باستصغار».
جاءت النتيجة مصدقة للاختبار، وحاسمة كذلك: «وبالفعل جرى هذا، وأكدوا للأخ مسعود أنهم يريدون الرئاسة للدكتور إياد علاوي، فقال لهم: لن نسحب ترشيح مام جلال، ولن نوافق على تغييره، وسنذهب إلى البرلمان مع مرشحنا هذا. وسألهم: لماذا أنتم تنحازون دائماً إلى رأي الشيعة والسنة على حساب استحقاق الشعب الكردستاني؟ وإذا أصريتم على ذلك، فسننسحب من العملية السياسية برمتها. وعدت إلى الأخ جلال وأبلغته، فاطمأن وفرح كثيراً».
إفشال الضغط الأميركي
ما تفرق من ضغط أميركي على امتداد أشهر، تكثف في يوم واحد، وتدرج في ثلاث قنوات صاعدة، رد فخري كريم كلاً منها بجواب واحد. يبدأ من الطريقة التي بلغته بها الرسالة الأولى، على لسان مبعوث غير معتاد: «اتصل بي مدير مكتب الرئيس ليخبرني أن (ع.خ) — وهو عراقي شيعي اكتسب الجنسية الأميركية ويشغل مهام مساعد السفير الأميركي ببغداد — يريد إبلاغ الرئيس برسالة من القيادة الأميركية. وأبلغته أن المكلف بمثل هذه الحالة ممثله وكبير مستشاريه»، والمقصود هو فخري كريم.
ثم يستعيد الحوار كما جرى: «بعد لحظات اتصل (ع.خ). أخبرني أن الأستاذ مدير مكتب الرئيس إذ بلغه أنني مكلف بتلقي رسالة القيادة الأميركية، وأنه يريد أن يملي علي مضامينها لأضعها أمام الرئيس. سألته: هل تقصد أن الرسالة من الرئيس الأميركي أوباما؟ فأجاب: لا، الرسالة من القيادة الأميركية، والمقصود الرئيس ووزير الخارجية ووزير الدفاع وسكرتير الأمن القومي والمخابرات الأميركية. طلبت منه، بعد هذا الإيضاح، أن يقرأ علي الرسالة، فقال: القيادة الأميركية تطلب من جلال طالباني أن يسحب ترشيحه لرئاسة الجمهورية. سألته باستغراب: لماذا؟ قال: لأن لدى القيادة معلومات عن كونه يتعامل مع الجمهورية الإيرانية. قلت: يعني؟ قال: يعني أنه يعمل لصالح ايران».
يروي كيف رد على الاتهام، واصلاً الرد بتذكير لاذع بطبيعة العلاقة: «قلت له إنه اتهام لا يليق ترديده من قبلكم. ولكنني متأسف، لأن الرئيس ظل يتعامل معكم بصداقة استثنائية، بحيث إن لقاءاته الأسبوعية، كل ليلة يوم الأحد على العشاء، لم تنقطع مع مسؤولين أميركيين، بمختلف المستويات، يتبادل فيها معهم المعلومات والآراء.. ويبدو أنه كان ضحية خديعة».
يضيف كريم : «سألته: وماذا إذا رفض طالباني الانسحاب؟ فأجاب بأن القيادة الأميركية ستتخذ عدة إجراءات ليست لصالحكم، ومنها أن الولايات المتحدة ستعيد النظر في الاتفاقية الأميركية العراقية؛ وأن الموقف الإقليمي والعربي لن يبقى كما هو ولن يتطور نحو التطبيع؛ وثالثاً، أن الولايات المتحدة ستتوقف عن ضمان سلامة إقليم كردستان؛ ورابعاً، أنها ستوقف الدعم المالي المخصص للعراق للمساعدات العسكرية من الكونغرس.. ثم ختم قائلا: سيكون موقفنا من الرئيس مختلفا!».
فخري كريم يملي ردّ بغداد على واشنطن
عند هذه العتبة قلب فخري كريم وجهة الحوار، فأملى الجواب بدل أن يتلقاه: «سألت (ع.خ): هل لديك ورقة وقلم؟ فسأل: لماذا؟ قلت: لأملي عليك جوابنا على رسالة القيادة الأميركية. قال: ولكن الرسالة موجهة إلى الرئيس جلال طالباني، ويفترض أن يجيب هو. أجبته: أنا الممثل الشخصي للرئيس، ومكلف بهذا الملف الذي يشمل تلقي الرسالة والرد عليها، وعليك أن تكتب.. فوافق الرجل».
كان جواب فخري كريم، بنصه: «أولاً: إن الرئيس لن يسحب ترشيحه، لأنه لم يرشح نفسه، بل القيادة الكردستانية ممثلة بالرئيس مسعود بارزاني، وكذلك التحالف الشيعي، بالإضافة إلى وسط غير قليل من العرب السنة. ثانياً: إن الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة طلب أميركي لا عراقي، فمن حقكم تعديلها، بل حتى إلغاؤها، وسيُفرح مثل هذا القرار أوساطاً واسعة من شعبنا العراقي، وحتى قوى من داخل العملية السياسية. ثالثاً: لقد مضى زمن (هنري) كيسنجر، عراب اتفاقية الجزائر، فكردستان التي جرى التآمر عليها، من قبل شاه إيران، وصدام حسين، والولايات المتحدة، يومذاك، هي الآن إقليم مكرس في الدستور العراقي، له رئيس وحكومة وبرلمان، ويحميها البيشمركة والجيش العراقي. رابعاً: إن لدى الأجهزة الرقابية معلومات حول أحد أكبر عملائكم الفاسدين، جرى إبلاغ الرئيس بها، وهو متلبس بجريمة رشوة سيلقى القبض عليه فيها؛ وسأقترح على الرئيس أن يهديكم نصف ما يُستحصل منه. خامساً: العراق، رغم كل المصائب، غني بثرواته البشرية والطبيعية وتراثه وتاريخه، وهو سيتعافى من دون شك، وستجد دول المنطقة والعالم العربي أن مصالحها تقتضي أن تقيم معه أفضل العلاقات».
يلحق بتلك البنود خاتمة تجمع التحية إلى نبأ الانفراج القريب، وتضع القائمة العراقية في قلب التسوية: «وأخيراً، بلغوا تحيات الرئيس للقيادة الأميركية، ورغبته في إقامة أفضل العلاقات معها، مع مراعاة سيادة بلدنا واستقلاله وخياراته المستقبلية، والحفاظ على المصالح العليا للبلدين. ولا بأس من إعلامكم أن الأزمة السياسية على أبواب انفراج، وقد ذللت كل المصاعب أمام انتخاب الرئاسات الثلاث: جلال طالباني رئيساً للجمهورية، ونوري المالكي رئيساً للوزراء، وتم الاتفاق مع ثلاث شخصيات سنية بارزة لاختيار أحدهم رئيساً لمجلس النواب، إذا أصرت القائمة على موقفها الرافض والمتحفظ، لأن القيادات العراقية تفضل أن تكون القائمة العراقية جزءا من هذا الحل، وأن تقبل بمنصب رئيس البرلمان؛ ونتطلع إلى جهود القيادة الأميركية لإقناعهم بذلك».
لم يكن ذلك الجواب آخر الفصل، فقد تصاعدت الضغوط في المساء إلى قناته العليا. يروي فخري كيف انتظم لاستقباله: «في مساء ذلك اليوم أبلغت السفارة الأميركية مكتب الرئيس بأن الرئيس الأميركي باراك أوباما سيتصل ليلاً بالرئيس جلال طالباني. كنا في اجتماع شارك فيه الفقيد نجم الدين محافظ كركوك ولطيف رشيد مع مام جلال حين بلغنا بمكالمة السفارة، فاتفقنا على صيغة رد على ما سيطرحه أوباما، تولى نجم ترجمته؛ وكان متوقعاً أن يكرر الرئيس الأميركي المقترح الذي سعت السفارة والقيادة الأميركية إلى إمراره طوال الفترة الماضية».
على أن اتصالاً سبق اتصال الرئيس أوباما، يقول فخري كريم: «رن هاتفي، وكان المتصل أحد مترجمي السفارة، يخبرني أن قائد قوات التحالف يريد أن يكلمني ويبلغني رسالة من القيادة الأميركية موجهة إلى الرئيس جلال طالباني. ولم يكن في رسالة القائد العام الأميركي أي جديد عن الرسالة التي نقلها ظهراً (ع.خ)، سوى أنها كانت أهدأ وأكثر دبلوماسية؛ فكررت عليه جوابي السابق».
ثم جاء الصوت الأعلى شأناً في الولايات المتحدة، في نبرة مختلفة وطلب واحد، يروي كريم: «في حوالي الساعة العاشرة اتصل الرئيس أوباما، وحيا مام جلال بمنتهى الود، مؤكداً تقدير الولايات المتحدة لشخصه ومكانته السياسية، حتى إنه يعتبره بمثابة جورج واشنطن العراق والعالم العربي، وأنه جدير بموقعه ودوره، وهو مستعد لدعمه في أي موقع يراه مناسبا له أينما كان. لكنه يتمنى أن يسحب ترشيحه للرئاسة، لأن هناك حاجة ليشغل المنصب إياد علاوي».
ويسوق الرد الذي اتفق عليه سلفاً، وفيه السؤال الذي أحرج المتصل: «وكان الجواب كما جرى الاتفاق عليه: سيادة الرئيس، أنت تعرف مدى تقديرنا لكم واهتمامنا بالعلاقات معكم، وتطوير كل أشكال التعاون بين بلادنا وبلادكم. ولكنني أعتذر لعدم إمكان سحب ترشيحي، فأنا لم أرشح نفسي، بل القيادة الكردستانية هي التي فعلت، والتحالف الوطني – الشيعي – يدعم هذا الترشيح، وكذلك أوساط غير قليلة من المكون السني. وأود، سيادة الرئيس، أن أطرح عليكم سؤالا صريحا: إذا كنتم تريدون أن يشغل الرئاسة الدكتور علاوي وهو شيعي، ورئيس الوزراء شيعي هو الآخر، وستكون رئاسة البرلمان للكرد، فماذا عن تمثيل المكون السني؟ ما موقعهم ودورهم؟».
وعند هذا السؤال انطوى المسعى: «ويبدو أن أوباما شعر بحراجة الموقف، وأدرك أن الرئيس يرفض، فلم يكن منه غير أن يجيب على تساؤل الرئيس: معك حق، يبدو أنها إشكالية لا تحل عبر الهاتف!». ويختم فخري المشهد بخلاصته: «وبهذه المكالمة مع الرئيس أوباما، أدركت القيادة الأميركية فشل مسعاها، فاتجهت جهودها نحو خيارات أخرى ممكنة».
وإلى جانب هذا الرد المغلق، فتح فخري جبهة علنية على المتدخلين أنفسهم. فبعد مكالمات (ع.خ) وقائد القوات والرئيس أوباما، استدعى سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي: «طلبت دعوة سفراء دول مجلس الأمن إلى لقاء، وبعض السفراء الآخرين، وبلغتهم بما جرى: مكالمة تدخل القيادة، والرسالة نفسها التي أعاد توجيهها قائد القوات، ومكالمة أوباما مع الرئيس — وكلها تصب في التدخل لتغيير قرار القوى العراقية».
ثم حول المواجهة إلى طلب مقرون بمخرج: «قلت لهم: إذا كنتم متعاطفين مع العملية السياسية وتريدون المساعدة في الخروج من الأزمة، فنرجو أن تبذلوا جهوداً كبيرة مع قيادة القائمة العراقية لكي ينضموا إلينا، فنذهب سوية إلى مبادرة الأخ مسعود بارزاني للاجتماع في أربيل، ونخرج من الأزمة بتسمية الرئاسات وما يتطلبه الموقف للخروج من الأزمة، ونتطلع أن يكونوا قد توصلوا إلى تسمية رئيس البرلمان من جانبهم».
وقد سبق كريم تلك اللقاءات بخطوة إعلامية في اليوم نفسه، كانت مؤثرة في حينها، جعلت التدخل الأميركي على رؤوس الأشهاد: «كنت قبل ذلك، في اليوم التالي للقاءات، قد نشرت في جريدة المدى، على عرض الصفحة الأولى، تقريرا بعنوان: السفارة الأميركية تتدخل في الشأن العراقي. وجرى في حينه نفي صحة الخبر من قبل السفارة عبر بيان.. غير أن ما نشر هو الصحيح». ويقرأ في ذلك إيذانا بانكسار المسعى: «وكان هذا إيذاناً بتجاوز الأزمة من ناحية ما يريده الأميركيون من تغيير في إرادة العراقيين».
هكذا انطفأ الضغط الأميركي من جهة، وكانت أزمة رئاسة الوزراء قد حسمت بتفسير الكتلة الأكبر من جهة أخرى، فخلا الطريق لما نضج في لقاء بارزاني نفسه: مبادرة منه تجمع القادة كافة في أربيل لحسم الرئاسات وتحديد موعد جلسة البرلمان. وإلى تلك المبادرة، وما تطلبته من مكوك أخير بين طهران ودمشق، تتجه الشهادة في جزئها القادم.
